في زمنٍ اختلطت فيه الفصول، ولم يعد للزمن عقارب تهتدي بها الأرواح، يتكئ الحنين على أكتافنا كشيخوخة مبكرة، ونحمل بين أضلعنا ما لا يُقال، وما لا يُنسى. هناك حيث الصمتُ أعلى من كل ضجيج، والوجعُ متخفٍّ في ملامح من يُجيدون التماسك... يولد هذا الكلام.
حتى الطقس فقد بوصلته، والسماء أصبحت غامضة، لا تعرف بأي وجهٍ تشرق، تارةً تلبس وشاح الشمس كعروس خجولة تُظهر بسمتها لأول مرة، وتارةً تبكي، لا لشيء، بل لأنها ضاقت من الصمت المتراكم في صدرها، وأحيانًا تعصف كأنها فقدت شيئاً عزيزاً، ولم تجد له قبرًا تبكي عليه، الهواء نفسه يتلعثم حين يمر بي، كأنني صدى لنداء لم يجب عليه أحد.
لم أعد أميز بين المواسم، فالخريف في داخلي ممتد منذ زمن، وأشجاري تُساقط أوراقها كلما وعدني أحدهم بالبقاء، تُزهر حولي الوجوه، تضحك، تمضي، وأنا كما أنا أُزهر في داخلي خجلًا، ثم أذبل دون أن يلاحظني أحد.
التغيير! كلمة كُتبت على جدار الوقت بخطٍ عريض، الكل يركض خلفها كمن يلحق طيفاً. تتغير الشوارع، الأصوات، القلوب، وحتى الظلال، أما أنا، فثابت كساعةٍ مُعطلة، تشير إلى نفس اللحظة منذ أن رحل الذين كان الزمن معهم يمضي.
لم أتغير، كأن روحي تجمدت في شتاء قديم، كأن قلبي لا يعرف غير لحنٍ واحد، ينتظره، يعزفه، ويبكيه، في الظاهر، أبتسم كما كنت، أصدق كما كنت، أرجو كما كنت، ثم أنخدع، وأسقط، وأجمع شتاتي في صمت كما كنت، كأنني طفل لا يتعلم أن النار تحرق، يعود كل مرة بيده الصغيرة إليها، لا فضولًا… بل أملًا أن تكون هذه المرة دافئة لا مؤلمة.
هل هو وفاءٌ للألم؟ أم خيانة للتعافي؟ لا أعلم، كل ما أعلمه أنني أصبحت غريباً حتى عن وجهي في المرآة، فمن هذا الذي يُشبهني حد التماهي، ويخالفني حد الغربة؟ صرت أمشي بين الناس كحلمٍ مؤجل، أبدو واقعياً، لكنني لا أنتمي للآن، كل ما فيّ يؤمن أن القادم أجمل، وكل ما حدث يؤكد العكس.
لكنني ما زلت هنا، بذات النظرة التي تهتف للسماء حين تُمطر: "ربما هذه المرة، يغسلني المطر حقاً"
بقلم: ضحى أحمد الباسوسي
حتى الطقس فقد بوصلته، والسماء أصبحت غامضة، لا تعرف بأي وجهٍ تشرق، تارةً تلبس وشاح الشمس كعروس خجولة تُظهر بسمتها لأول مرة، وتارةً تبكي، لا لشيء، بل لأنها ضاقت من الصمت المتراكم في صدرها، وأحيانًا تعصف كأنها فقدت شيئاً عزيزاً، ولم تجد له قبرًا تبكي عليه، الهواء نفسه يتلعثم حين يمر بي، كأنني صدى لنداء لم يجب عليه أحد.
لم أعد أميز بين المواسم، فالخريف في داخلي ممتد منذ زمن، وأشجاري تُساقط أوراقها كلما وعدني أحدهم بالبقاء، تُزهر حولي الوجوه، تضحك، تمضي، وأنا كما أنا أُزهر في داخلي خجلًا، ثم أذبل دون أن يلاحظني أحد.
التغيير! كلمة كُتبت على جدار الوقت بخطٍ عريض، الكل يركض خلفها كمن يلحق طيفاً. تتغير الشوارع، الأصوات، القلوب، وحتى الظلال، أما أنا، فثابت كساعةٍ مُعطلة، تشير إلى نفس اللحظة منذ أن رحل الذين كان الزمن معهم يمضي.
لم أتغير، كأن روحي تجمدت في شتاء قديم، كأن قلبي لا يعرف غير لحنٍ واحد، ينتظره، يعزفه، ويبكيه، في الظاهر، أبتسم كما كنت، أصدق كما كنت، أرجو كما كنت، ثم أنخدع، وأسقط، وأجمع شتاتي في صمت كما كنت، كأنني طفل لا يتعلم أن النار تحرق، يعود كل مرة بيده الصغيرة إليها، لا فضولًا… بل أملًا أن تكون هذه المرة دافئة لا مؤلمة.
هل هو وفاءٌ للألم؟ أم خيانة للتعافي؟ لا أعلم، كل ما أعلمه أنني أصبحت غريباً حتى عن وجهي في المرآة، فمن هذا الذي يُشبهني حد التماهي، ويخالفني حد الغربة؟ صرت أمشي بين الناس كحلمٍ مؤجل، أبدو واقعياً، لكنني لا أنتمي للآن، كل ما فيّ يؤمن أن القادم أجمل، وكل ما حدث يؤكد العكس.
لكنني ما زلت هنا، بذات النظرة التي تهتف للسماء حين تُمطر: "ربما هذه المرة، يغسلني المطر حقاً"
بقلم: ضحى أحمد الباسوسي