شريف محيي الدين إبراهيم - إضحك يا أبله

لم يكن كريم يمشي إلا والابتسامة تزين شفتيه.
في عمله، يغطي على زملائه عند الخطأ، ويحمل أعباء الغائبين، وهو يضحك.
يضحك في وجوه الناس دائمًا، حتى حين يخذله أقربهم.
يمشي بخفة بين الممرات، يحيي الجميع كأنه لا يعرف الغضب.
كانت ضحكاته تلك تثير حفيظة مدير الشركة، الذي يتهكم عليه قائلاً:
"دائمًا متفائل، دائمًا يضحك، حتى لو انقلب العالم، الابتسامة لا تفارق شفتيه."
ثم بصوت خفيض: "باين عليه عَيل أهبل."

دخلت زميلته سلمى حياته، وكان وائل، صديق الطفولة وزميله، أول المهنئين.
كريم هو من رشّح وائل للعمل في الشركة.
في يوم الخطوبة، شعر أن الدنيا بأكملها تقف صفًا واحدًا إلى جانبه.
بدأ هو وسلمى يبنيان بيتهما قطعةً قطعة؛
كل زاوية تحمل ذكرى، وكل ركن يشهد على حلم مشترك.


***

ذات مساء، وبعد أيام من التخطيط المرهق وشراء الأثاث، قرر كريم زيارة الشقة.
يحمل صورة كبيرة له مع سلمى في يوم الخطوبة، ليضعها في الصالة كمفاجأة.

عند باب الشقة، أدار المفتاح بهدوء، متوقعًا المكان ساكنًا كما تركه، لكنه لمح ضوءًا يتسلل من تحت باب غرفة المعيشة.
صدمته رائحة عطر سلمى، ممزوجة برائحة قهوة طازجة.
خطا ببطء حتى وصل إلى العتبة... تجمد.
سقطت الصورة من يديه، إطارها ارتطم بالأرض.

سلمى جالسة على الأريكة، مائلة نحو وائل، وهو يهمس لها شيئًا يجعلها تضحك ضحكةً قصيرةً لم يسمعها منهما إلا في لحظات قريبة لقلبه.
وائل مرتاح، ساقه ممدودة كأنه في بيته.

توقف، شعر بثقل يضغط صدره.
صمته خنق صراخه.
التفتت سلمى فجأة، شهقت، ثم نظرت إلى وائل، كأنهما يتساءلان إن كان عليهما تبرير ما حدث.

قال كريم بصوت حاد:
"منذ متى...؟"
خفضت سلمى عينيها وقالت:
"منذ أدركت أنك تعيش في عالم لا يشبهنا."
ابتسم وائل ببرود:
"كنت دائمًا تثق بي... وهذا ما سهّل الأمر."

قال كريم:
"كنت أظنك أخًا. أنا من عينتك في الشركة."

أجابه وائل:
"وأنا كنت أراك غريبًا عن هذه الغابة."

نهضت سلمى والتقطت حقيبتها وقالت:
"أنت طيب... أكثر مما ينبغي."

لاحظ كريم مفتاح الشقة الاحتياطي على الطاولة، الذي أعطاها إياه.
أصبح شاهد خيانتهما الصامت.

تركهما يخرجان، ولم يتبعهما بنظره.
جلس على الأريكة، والدموع تحجرت في عينيه.
صامت، يستمع لصدى خيباته يتردد، كأن العالم ينهار من حوله.


***

في المكتب، حاول دفن ما حدث تحت أكوام التقارير، لكن الخيوط تلفّت عنقه:
أفكار تُنسب لغيره، مشاريع يُستبعد منها، اجتماعات لا يُدعى إليها.
شارك زميلًا جديدًا عرضًا تقديميًا، ليجد أنه قدّمه باسمه أمام المديرين واستُبعد تمامًا.

جلس في الخلف، يصفق بأدب، وعيناه تلمعان بدمعةٍ خفية...

قال رئيسه ببرود:
"كريم رجل طيب... لكن الطيبة لا تصنع قادة."
شعر بألم أشبه بسهام مسمومة تثقب كبرياءه، ونظرات خيانة تزيد جرح روحه.

صاح كريم في مديره:
"أعرف أنك وراء ما يحدث."

المدير:
"وراء ماذا؟ نجاحك؟ أم سقوطك؟"

كريم:
"وراء المؤامرة، سرقة جهدي، تحطيمي."

المدير:
"تظن أن المكتب ميدان فرسان؟ هو حلبة ذئاب، وأنت بلا أنياب."

كريم:
"وأنت فخور بأنك ذئب؟"

ابتسم المدير بسخرية:
"على الأقل لست أبله."


***

أُجبر كريم على التوقيع على استقالته، بينما مديره يردد في استهانة:
"إضحك يا أبله."

أدرك أنه خسر كل شيء...
الألم صاخب، لكنه استقر في صمت عميق.

تساءل بألم:
هل الطيبة حصن حقًا؟
أم قفص يُحبس فيه من لا يريد إيذاء أحد؟
هل القلب الكبير باب مفتوح يستغله الآخرون للغدر؟

تذكر كلماتهم:
"أنت لست طيبًا، أنت ضعيف... قليل الحيلة... خائب."

تذكر نظرات الزملاء الساخرة، همساتهم وهم يودعونه:
"ليس طيبًا بل ساذج."
"ليس قويًا بل مغفل."
"خائب لأنه لا يعرف كيف يقاتل."

ضحك لهم، وهو يودعهم:
إضحك يا أبله،
إضحك أنت أحمق كبير."


***

جلس كريم بين أمه وأبيه وإخوته، لكنه كان يشعر بغربة أشد من أي مكان آخر.

الأم، بنظرة متعبة، وقالت بصوت مملوء باللوم:
— «يا كريم، لماذا تدع الجميع يتعدى عليك؟»

الأب، بصوت قاسٍ رغم حبه الخفي:
— «الطيبة ليست كل شيء، يا ولدي. أنت بحاجة لأن تكون أقسى... الدنيا لا ترحم الضعفاء.»

قال الأخ الأكبر، بحدة استنكارية:
— «نحن تعبنا لكي نعيش، وأنت تضحك فقط. هل يعجبك وضعك الحالي؟!»

الأخ الأوسط، أضاف بسخرية:
— «أنت كأنك أحمق... تعطي الجميع فرصة ليكسروا ظهرك، وأنت ساكت!»

نظر كريم إليهم بصمت، الألم يخنقه من الداخل، وهمساتهم تحفر جرحًا لا يندمل.

قال بصوت منخفض لكنه واضح:
— «أنا لست نسخة منكم.»

سكت الجميع، ولم يجد أحد ردًا.

في قلبه، شعر بالخذلان الأعظم: الظلم يأتي من أقرب الناس.

تساءل في أعماقه:
هل كان بإمكاني حماية ما أحببت، وأبقى على براءتي؟
هل يمكن أن أبقى ثابتًا رغم الجراح، وأحب رغم الخيانات؟

في زمن صارت فيه الطيبة جريمة، والقوة تقاس بسحق الآخرين،
ابتسم رغم الألم،
وصاح به أخوه الكبير: «إضحك يا أبله... إضحك على خيبتك.»


***

بعد أسابيع، بدأت المشكلات التقنية في الشركة تظهر، والزبائن يشتكون، والصفقات تتسرب.

ظن وائل نفسه ذكيًا، وخطط للاستيلاء على منصب المدير، لكن المدير كان يعد للتخلص منه.

سرب المدير أسرارًا لوائل، ثم تبرأ منه أمام مجلس الإدارة، تاركه يتحمّل الفضيحة.

سلمى، التي راهنت على وائل، اكتشفت خيانته مع موظفة أخرى، وانسحبت بصمت.

مع اقتراب الشركة من الانهيار، اجتمع مجلس الإدارة، وقرروا استدعاء كريم باعتباره الوحيد القادر على إنقاذ الموقف، بعد أن عرفوا أن معظم الأنظمة والمشروعات المعطلة هي من بنائه، وهو الوحيد القادر على إنقاذ الموقف.


***

في صباح الاجتماع، دخل كريم القاعة، كان المدير السابق في طرف الطاولة، بينما وائل في الخلف، وسلمى كمستشارة مؤقتة تحاول الظهور متماسكة.

وقف كريم بثبات، نظر إليهم جميعًا بقوة، وابتسم ابتسامة باردة:
"إضحك يا أبله."

لم يكن يقصد شخصًا واحدًا.

جلس، وقبل أن يعرض خطة الإنقاذ طلب:
مضاعفة راتبه، وتعيينه مديرًا عامًا.

وافقوا فورًا، قالوا: ظلمناك، وأنت عبقرية إدارية نادرة.
قال: يتبقى شرط واحد.

قالوا: كل طلباتك مجابة، نحن في أزمة، وأنت خيط إنقاذنا الوحيد.

طلب: إنهاء خدمة مديره السابق، وسلمى، ووائل.

ثم التفت إليهم وهمس:
"إضحك يا أبله."

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...