طارت الكرة في السماء الملبدة بالدخان المتصاعد من الألعاب النارية التي أطلقها المشجعون، ثم هبطت وكأنها تسير، مقوّسة مثل الموزة، وفق مقياس هندسي دقيق في اتجاه قدمه. تسلّمها المهاجم بسهولة ساحرة، لينفرد بالمرمى في الثواني الأخيرة من نهائي بطولة كأس العالم للقارات، لكن الخصم لم يسمح له بامتلاك الكرة أو حتى التحرك بها بحرية، بل صدمه بقوة أفقدته وعيه للحظات؛ إذ أدرك فور إفاقته أسعد خبر في حياته؛ إنها ركلة جزاء!
خيم صمت هائل على المشاهدين المتجمدين أمام الشاشات. رفع الحكم يده، ثم اتجه إلى مكان تقنية مراجعة اللعبة باستخدام الفيديو. أعلنها مدوية بعدما وجَّه يده نحو نقطة الجزاء تمامًا كالقاضي الذي ينطق بحكم لا استئناف فيه، ثم شرح ما حدث للمشاهدين وفق قانون اللعبة.
كل ما على الهدَّاف، النجم الأشهر في العالم، هو أن يلمس الكرة برقة فنان تخدع الحارس بوضعها من فوقه أو في إحدى الزاويتين أو عالية قليلا بقوة تسمح للكرة أن تمزق الشباك؛ ليكتب اسمه بحروف من نور في سجلات التاريخ إلى الأبد.
شارك في أكثر من مائة مباراة دولية، لم يفكر لبرهة قبل اتخاذ قراره بالتسديد؛ حتى صار هداف الفريق ولُقِّبَ باسم "جلاد الحراس"، ولم يكتفِ قطُّ من حصد الألقاب الجماعية أو تحطيم الأرقام القياسية الفردية على مستوى العالم، ومع ذلك، نظر إلى المرمى، ودقق النظر في عيني الحارس الواقف مستعدًّا، ثم إلى الكرة القريبة من قدمه، لم يستغرق قطُّ في حياته كلها وقتًا طويلًا كهذا ليسدد كرة أو ليحرز هدفًا يكاد يكون مضمونًا.
وفي تلك اللحظة الحاسمة، تلاشى كل شيء.
ابتسم ابتسامة حزينة مليئة بالاستياء، ثم بكل برود ولامبالاة، كما لو كان يبعد حجرًا مزعجًا من طريقه، دفع الكرة بيأس خارج الخط الجانبي للملعب، بعيدًا عن المرمى تمامًا.
انفجر الملعب بضجيج صاعق من صافرات الاستهجان. نظر زملاؤه إليه نظرتهم إلى مجنون. انتهت المباراة بخسارة فريقه اللقب العالمي.
لم تمضِ ثانية على التخلص من الكرة خارج الملعب حتى سُحِقَ الصمت تحت وطأة صرخة جماعية مروعة انطلقت من حناجر أكثر من سبعين ألف متفرج، ارتطمت بها صافرات الاستهجان الحادة كأنها صواعق، لدرجة أنهم أشعلوا جنبات الملعب بالألعاب النارية حتى اختنق معظم اللاعبين وتناقش الحكم مع غرفة تقنية الفيديو للمشاورة بشأن إلغاء المباراة في الثواني الأخيرة.
تجمّد زملاؤه على أرضية الملعب، في أماكنهم، تحولت وجوههم إلى أقنعة شاحبة من الدهشة والانكار، بينما انهار أحدهم على ركبتيه لا يستطيع التنفس، وكأن الكرة رصاصة أُطلقت على قلبه، لا نحو خط التماس الملعب. أما المدرب فلم يتوقف عن الصياح والتلويح بيده، بدت العصبية على وجهه بصورة لافتة، وظل يمضغ العلكة دون توقف.
في المؤتمر الصحفي، تجمع مئات الصحفيين، وجوههم تعج بالغضب والتساؤل. توجه إليه أول سؤال، بصوت حاد ومستنكر: "لماذا؟ لماذا ضيعت الهدف؟ لقد خذلت فريقك وخنت وطنك وملايين المشجعين!"
أما المدرب الأمريكي باراك شارون فقد قال:
"أضاع اللاعب متعة اللعبة، إنها خيانة عُظمى، يجب أن يحاكَم بسببها؛ لأنه حرم وطنه من أعظم إنجاز!"
نظر اللاعب إلى العدسات والكاميرات، نظرة هادئة حزينة تخفي وراءها إعصارًا من الألم. ثم قال بصوته الهادئ الذي غلب عليه التعب:
"لا أحد يصدق ما فعلت، ولا حتى أنا؛ لم أرتب لأي شيء! حدث الأمر بسرعة مذهلة. حضرت العدالة عندما أشار الحكم إلى نقطة الجزاء؟! تجمد العالم بأسره، وحبس المشجعون الأنفاس قبل انطلاق الاحتفالات في البيوت والشوارع؟! لكن ما قيمة الكرة التي تركل بالقدم إن كان هناك، في مكان ما، طفل تغيب عنه العدالة؟! مات الطفل قبل أيام جرَّاء حرب غير متكافئة، أغلقوا كل الطرق المؤدية إليه؛ ليمنعوا العالم من إيصال الطعام إليه. هل حضور العدالة في اللعب يبهجنا أكثر من غيابها عن حياة ذلك الطفل؟!"
لحظة تسديد ركلة الجزاء، لم يعد يسمع صراخ المدرب على خط التماس، ولا هتافات الجمهور التي تهتز بسببها المدرجات. اختفى العالم بأسره من مخيلته. لم يبق إلا الطفل عمار أبو مازن الذي رأى صورته وقرأ عن مأساته على مواقع التواصل الاجتماعي قبل بضعة أيام. أحدث موته ضجيجًا في قلبه الهادئ رغم موت آلاف قبله لم يتأثر بهم مطلقًا! طفل هزيل، عيناه غائرتان وجاحظتان بشكل مؤلم، تنظران بلا حياة. طفل مات جوعًا في مكان مستضعف من هذا العالم، بينما كان هو يتدرب على تسديد الكرات في ملعب فاخر أنُفقت عليه مئات الملايين.
رأى ضلوع الطفل البارزة تحت الجلد الشاحب، وشعر ببرودة جسده الصغير وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة دون أن يسمع أحد صراخه الصامت. كانت تلك الصورة تلاحقه كلما وضع ولده الصغير في سريره قبل النوم، وكلما اصطحبه في سيارته الفاخرة، وتطل عليه الآن بين القائمين والعارضة.
بينما ساد صمت مطبق أركان القاعة، ترددت كلماته في أرجاء العالم، كصيحة إنسانية عميقة تذكر الجميع بأن هناك أهدافًا في الحياة أهم بكثير من تلك المرسومة على العشب الأخضر، تضخمها الصحف ووسائل الإعلام، لم يتفاعل مع كلماته إلا صحفي واحد بقوله:
"معك حق؛ فأنت إنسان قبل أن تكون لاعبا مشهورًا".
خيم صمت هائل على المشاهدين المتجمدين أمام الشاشات. رفع الحكم يده، ثم اتجه إلى مكان تقنية مراجعة اللعبة باستخدام الفيديو. أعلنها مدوية بعدما وجَّه يده نحو نقطة الجزاء تمامًا كالقاضي الذي ينطق بحكم لا استئناف فيه، ثم شرح ما حدث للمشاهدين وفق قانون اللعبة.
كل ما على الهدَّاف، النجم الأشهر في العالم، هو أن يلمس الكرة برقة فنان تخدع الحارس بوضعها من فوقه أو في إحدى الزاويتين أو عالية قليلا بقوة تسمح للكرة أن تمزق الشباك؛ ليكتب اسمه بحروف من نور في سجلات التاريخ إلى الأبد.
شارك في أكثر من مائة مباراة دولية، لم يفكر لبرهة قبل اتخاذ قراره بالتسديد؛ حتى صار هداف الفريق ولُقِّبَ باسم "جلاد الحراس"، ولم يكتفِ قطُّ من حصد الألقاب الجماعية أو تحطيم الأرقام القياسية الفردية على مستوى العالم، ومع ذلك، نظر إلى المرمى، ودقق النظر في عيني الحارس الواقف مستعدًّا، ثم إلى الكرة القريبة من قدمه، لم يستغرق قطُّ في حياته كلها وقتًا طويلًا كهذا ليسدد كرة أو ليحرز هدفًا يكاد يكون مضمونًا.
وفي تلك اللحظة الحاسمة، تلاشى كل شيء.
ابتسم ابتسامة حزينة مليئة بالاستياء، ثم بكل برود ولامبالاة، كما لو كان يبعد حجرًا مزعجًا من طريقه، دفع الكرة بيأس خارج الخط الجانبي للملعب، بعيدًا عن المرمى تمامًا.
انفجر الملعب بضجيج صاعق من صافرات الاستهجان. نظر زملاؤه إليه نظرتهم إلى مجنون. انتهت المباراة بخسارة فريقه اللقب العالمي.
لم تمضِ ثانية على التخلص من الكرة خارج الملعب حتى سُحِقَ الصمت تحت وطأة صرخة جماعية مروعة انطلقت من حناجر أكثر من سبعين ألف متفرج، ارتطمت بها صافرات الاستهجان الحادة كأنها صواعق، لدرجة أنهم أشعلوا جنبات الملعب بالألعاب النارية حتى اختنق معظم اللاعبين وتناقش الحكم مع غرفة تقنية الفيديو للمشاورة بشأن إلغاء المباراة في الثواني الأخيرة.
تجمّد زملاؤه على أرضية الملعب، في أماكنهم، تحولت وجوههم إلى أقنعة شاحبة من الدهشة والانكار، بينما انهار أحدهم على ركبتيه لا يستطيع التنفس، وكأن الكرة رصاصة أُطلقت على قلبه، لا نحو خط التماس الملعب. أما المدرب فلم يتوقف عن الصياح والتلويح بيده، بدت العصبية على وجهه بصورة لافتة، وظل يمضغ العلكة دون توقف.
في المؤتمر الصحفي، تجمع مئات الصحفيين، وجوههم تعج بالغضب والتساؤل. توجه إليه أول سؤال، بصوت حاد ومستنكر: "لماذا؟ لماذا ضيعت الهدف؟ لقد خذلت فريقك وخنت وطنك وملايين المشجعين!"
أما المدرب الأمريكي باراك شارون فقد قال:
"أضاع اللاعب متعة اللعبة، إنها خيانة عُظمى، يجب أن يحاكَم بسببها؛ لأنه حرم وطنه من أعظم إنجاز!"
نظر اللاعب إلى العدسات والكاميرات، نظرة هادئة حزينة تخفي وراءها إعصارًا من الألم. ثم قال بصوته الهادئ الذي غلب عليه التعب:
"لا أحد يصدق ما فعلت، ولا حتى أنا؛ لم أرتب لأي شيء! حدث الأمر بسرعة مذهلة. حضرت العدالة عندما أشار الحكم إلى نقطة الجزاء؟! تجمد العالم بأسره، وحبس المشجعون الأنفاس قبل انطلاق الاحتفالات في البيوت والشوارع؟! لكن ما قيمة الكرة التي تركل بالقدم إن كان هناك، في مكان ما، طفل تغيب عنه العدالة؟! مات الطفل قبل أيام جرَّاء حرب غير متكافئة، أغلقوا كل الطرق المؤدية إليه؛ ليمنعوا العالم من إيصال الطعام إليه. هل حضور العدالة في اللعب يبهجنا أكثر من غيابها عن حياة ذلك الطفل؟!"
لحظة تسديد ركلة الجزاء، لم يعد يسمع صراخ المدرب على خط التماس، ولا هتافات الجمهور التي تهتز بسببها المدرجات. اختفى العالم بأسره من مخيلته. لم يبق إلا الطفل عمار أبو مازن الذي رأى صورته وقرأ عن مأساته على مواقع التواصل الاجتماعي قبل بضعة أيام. أحدث موته ضجيجًا في قلبه الهادئ رغم موت آلاف قبله لم يتأثر بهم مطلقًا! طفل هزيل، عيناه غائرتان وجاحظتان بشكل مؤلم، تنظران بلا حياة. طفل مات جوعًا في مكان مستضعف من هذا العالم، بينما كان هو يتدرب على تسديد الكرات في ملعب فاخر أنُفقت عليه مئات الملايين.
رأى ضلوع الطفل البارزة تحت الجلد الشاحب، وشعر ببرودة جسده الصغير وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة دون أن يسمع أحد صراخه الصامت. كانت تلك الصورة تلاحقه كلما وضع ولده الصغير في سريره قبل النوم، وكلما اصطحبه في سيارته الفاخرة، وتطل عليه الآن بين القائمين والعارضة.
بينما ساد صمت مطبق أركان القاعة، ترددت كلماته في أرجاء العالم، كصيحة إنسانية عميقة تذكر الجميع بأن هناك أهدافًا في الحياة أهم بكثير من تلك المرسومة على العشب الأخضر، تضخمها الصحف ووسائل الإعلام، لم يتفاعل مع كلماته إلا صحفي واحد بقوله:
"معك حق؛ فأنت إنسان قبل أن تكون لاعبا مشهورًا".