عنها تلك التي لم تشتكِ يوماً، لم ترفع صوتها، عن تلك التي كانت تمضي في الحياة كما يمضي النسيم في الأزقة الضيقة، حاضراً لا يُلاحظ، مهماً لا يُحتفى به. كانت هي هناك تجلس في الزاوية وتُرتّب الفوضى بصمت، التي تُنصت أكثر مما تتكلم، وتفهم دون أن يُشرح لها شيء، لم تكن تطلب الكثير، فقط أن يُرى وجودها دون أن تضطر للتلويح به.
كانت إذا ضحكت، خافت أن تكون الضحكة عالية فتُزعج، وإذا حزنت، خبّأت حزنها خلف جملة سريعة وابتسامة ساذجة. تعلّمت مبكراً أن تكون "سهلة"، أن تُحبّ دون أن تُثقِل، أن تساند دون أن تنتظر المقابل، ظنّت أن هذا ما يجعلها محبوبة، أن تكون المريحة، البسيطة، التي لا تطلب، لا تسأل، لا تُعاتب.
مرّت السنوات، وكانت تظن أن الحبّ يعني أن تُخبيء نفسها لتُفسح للآخرين مساحة أكبر، أن تتقلص هي ليتّسع قلبها لهم فقط، كانت تمسح دموعهم بينما ينهار قلبها بصمت، كانوا يرونها "القوية"، و"الجميلة في صبرها"، لكنها كانت في داخلها تنزف، لم يسأل أحد: ما ثمن هذا الثبات؟ كم مرة أرادت أن تصرخ وقالت بدلاً منها: لا بأس؟
في كل علاقة، كانت تتقمص الدور المطلوب منها، الصديقة الداعمة، الحبيبة الصبورة، الابنة المثالية، لم تكن تُظهر ما يُزعجها، بل كانت تُخفيه وتخجل من وجوده أصلاً، كما لو أن مشاعرها عبء على من حولها، وكلما أحسّت بالتعب، تراجعت خطوة، تذكّرت أن عليها أن تبقى "سهلة المعشر"، "خالية من التعقيد".
لكنها كانت تتآكل من الداخل، لم تعد تعرف مَن تكون حين لا تؤدي دوراً، تساءلت ذات ليلة، وهي جالسة وحدها في العتمة: ماذا لو توقفت عن التظاهر؟ ماذا لو قولت "لا" لأول مرة دون أن شرح؟ هل سيبقون؟ هل سيحبّني أحد إن لم أكن دائماً الهادئة، المهتمّة، المستمعة الجيدة؟ إن كنت فقط… أنا؟
كانت وحدتها لا تأتي من غياب الآخرين من حولها، بل من غياب نفسها وسط حضورهم، كانت موجودة في حياة الكثيرين، لكنها لم تكن موجودة في حياتها هي، ووسط كل تلك الأصوات التي تمدح "عطائها"، "قوتها"، "قدرتها على التحمل"، كانت تشعر وكأنها تصرخ داخل جدار زجاجي… يرونها، لكن لا أحد يسمعها.
هي لم تكن بحاجة إلى مَن يمدح سهولة وجودها، كانت تحتاج مَن يرى فوضاها ولا يخاف، مَن ان يُمسك بيدها حين تتعب دون أن يشعر بالإحراج، مَن أن يبقى… حتى وهي على حقيقتها، دون قناع، دون تمثيل أو إدعاء بالقوة...ولكن، لم يبقَ أحد!
بقلم: ضحى أحمد الباسوسي
كانت إذا ضحكت، خافت أن تكون الضحكة عالية فتُزعج، وإذا حزنت، خبّأت حزنها خلف جملة سريعة وابتسامة ساذجة. تعلّمت مبكراً أن تكون "سهلة"، أن تُحبّ دون أن تُثقِل، أن تساند دون أن تنتظر المقابل، ظنّت أن هذا ما يجعلها محبوبة، أن تكون المريحة، البسيطة، التي لا تطلب، لا تسأل، لا تُعاتب.
مرّت السنوات، وكانت تظن أن الحبّ يعني أن تُخبيء نفسها لتُفسح للآخرين مساحة أكبر، أن تتقلص هي ليتّسع قلبها لهم فقط، كانت تمسح دموعهم بينما ينهار قلبها بصمت، كانوا يرونها "القوية"، و"الجميلة في صبرها"، لكنها كانت في داخلها تنزف، لم يسأل أحد: ما ثمن هذا الثبات؟ كم مرة أرادت أن تصرخ وقالت بدلاً منها: لا بأس؟
في كل علاقة، كانت تتقمص الدور المطلوب منها، الصديقة الداعمة، الحبيبة الصبورة، الابنة المثالية، لم تكن تُظهر ما يُزعجها، بل كانت تُخفيه وتخجل من وجوده أصلاً، كما لو أن مشاعرها عبء على من حولها، وكلما أحسّت بالتعب، تراجعت خطوة، تذكّرت أن عليها أن تبقى "سهلة المعشر"، "خالية من التعقيد".
لكنها كانت تتآكل من الداخل، لم تعد تعرف مَن تكون حين لا تؤدي دوراً، تساءلت ذات ليلة، وهي جالسة وحدها في العتمة: ماذا لو توقفت عن التظاهر؟ ماذا لو قولت "لا" لأول مرة دون أن شرح؟ هل سيبقون؟ هل سيحبّني أحد إن لم أكن دائماً الهادئة، المهتمّة، المستمعة الجيدة؟ إن كنت فقط… أنا؟
كانت وحدتها لا تأتي من غياب الآخرين من حولها، بل من غياب نفسها وسط حضورهم، كانت موجودة في حياة الكثيرين، لكنها لم تكن موجودة في حياتها هي، ووسط كل تلك الأصوات التي تمدح "عطائها"، "قوتها"، "قدرتها على التحمل"، كانت تشعر وكأنها تصرخ داخل جدار زجاجي… يرونها، لكن لا أحد يسمعها.
هي لم تكن بحاجة إلى مَن يمدح سهولة وجودها، كانت تحتاج مَن يرى فوضاها ولا يخاف، مَن ان يُمسك بيدها حين تتعب دون أن يشعر بالإحراج، مَن أن يبقى… حتى وهي على حقيقتها، دون قناع، دون تمثيل أو إدعاء بالقوة...ولكن، لم يبقَ أحد!
بقلم: ضحى أحمد الباسوسي