شريف محيي الدين إبراهيم - الشخباط اللخباط، وطفل المعجزة الأديب الكبير

ما هذا الكلام الفارغ؟
هكذا صدمتني كلمات أبي!!

صحتُ في حماس:
ــ "يا أبي… هذه مقاطع من أحسن كُتّاب الإسكندرية!"

أزاح أبي الكتب جانبًا وقال بلا انفعال:
ــ "هؤلاء مجرد ناس نرجسيين، كائنات فارغة، لا موهبة، ولا لغة، ولا قيمة، ولا حتى حدثٌ شيقٌ مسلٍّ.
هؤلاء لا يعرفون حتى كيف يحكون حدوتة لطفل. الأدب شيء عميق عظيم ساحر… ألم يقرأوا لتوفيق الحكيم، نجيب محفوظ، يوسف إدريس؟
هؤلاء لا يقرؤون حتى الصحف والجرائد!"

ارتبكتُ، واندفعتُ محتجًا:
ــ "يا أبي، هؤلاء كبار! تُنشر أعمالهم في الصحف والمجلات، ويحصدون الجوائز."

ابتسم ابتسامة جافة وقال:
ــ "هري… كل ما قرأتُه هري."

خرجتُ تلك الليلة، وجلستُ بينهم. كانوا يملأون القاعة ثقة، وكأنهم فوق النقد.
الناقد الكبير كان يقف وراءهم جميعًا: يوجّه، يصحّح، يعيد كتابة ما ينهار، ثم يطلق مقالات مدوية تجعلهم نجوماً. كان بوق دعاية لا يكلّ، وبعلاقاته كان يفتح لهم الأبواب المغلقة.

رأيته بعيني ذات مساء، يلتقط نصًّا باهتًا، يشطب نصفه، ويعيد ترتيب الجمل حتى صار شيئًا آخر. ثم ابتسم في كبرياء وقال:
ــ "الآن صار أدبًا."
صفّقوا بجنون، بينما صاحب النص نفسه جلس يهز رأسه، كأنه صاحب المعجزة.

ظننتُ أن أبي لا يفهم. كنتُ أقدّسهم كما قدّستُ الناقد نفسه.

لكن حين مات الناقد الكبير، انفضّ السحر. جلسوا على المقاعد نفسها، لكن بلا سند. انكشفوا كأصوات متكسرة.

رفع الأول دفتراً صغيراً وقال بلهفة:
ــ "اليوم كتبت نصًا عظيمًا!"
لكن القاعة لم تعد تصفق. تبادلوا نظرات شاردة، كأنهم يسمعون صدًى ميتًا.

أما الثاني، فقرأ بصوت متعجرف من قاموسه:
ــ "استشففتُ من مرقشٍ المترجرج…"
ثم صاح:
ــ "المشكلة ليست في نصي، بل في عقولكم الضحلة."
ضحك بعضهم في سخرية، وانصرف آخرون. بقي وحده بين معاجم لا تفهمه.

والثالث بعثر أوراقه بجنون:
ــ "هذه الجملة أضعها في الآخر… أقدّم المفعول وأؤخر الفاعل… ثم أبعثر البقية!"
كان يلوّح بالأوراق في الهواء، فتسقط بعضها تحت الأقدام، ولا يلتفت أحد. لم يرَ فيه أحد سوى مشعوذ فقد سحره.

أما الرابع، فجلس في عزلته يهمس لمريدٍ وحيد:
ــ "انتظروا النص القادم… سيهزّ الأرض."
وهو الوعد نفسه الذي ظل يردده عشرين عامًا، وكأنه ينتظر وحيًا سماويًا.

حينها فقط رأيت حقيقتهم:
الأول لم يكن إلا الطفل المعجزة الذي كبر في العمر وظل صغيرًا في الكتابة.
الثاني هو المتقعّر الذي غرق في المعاجم حتى ابتلعه الغبار.
الثالث مجرد الشخباط اللخباط الذي لا يعرف من نصه سوى الفوضى.
والرابع… نبي آخر الزمان الذي ينتظر وحيًا لا يجيء.

وذات مساء، عدتُ لأبي. وضعت دفتري أمامه بخجل. قرأ قليلاً، ثم رفع رأسه وقال:
ــ "هنا… في صدق."

لم يزد. ولم يحتج أن يزيد.

خرجتُ إلى الشارع، وكان موجُ البحرِ يضرب الشاطئ بلا كلل، أمواج عنيفة تتكسر وتعود، كأنها تكتب الحكاية الأبدية.
وكان الكورنيش ما يزال يفرز أصواتًا جديدة تختلط بصرخات الباعة وضحكات الأطفال وهمس العشاق.

وقبل أن أغادر الشاطئ، اعترضني "الطفل المعجزة". كان يمسك دفتراً مهترئًا، يلوّح به كمن يرفع سيفًا. قال بحدة وسخرية:
ــ "ظننت نفسك كاتبًا؟ لو لم يمت الناقد، لبقيتَ تصفق لي حتى آخر يومك."
ثم ضحك ضحكة قصيرة جافة وأضاف:
ــ "صدقك هذا لن يطعمك خبزًا."

وقفت أمامه، أنظر إليه في صمت. لم أرد. فقط تذكرتُ ابتسامة أبي الجافة وكلمته: "هري".

تركته يضحك وحده بدفتره، وعدتُ أسير.

كنت ممزقًا بين صدى عبارة أبي القديمة:
ــ "ما هذا الكلام الفارغ؟"
وبين يقين آخر أخذ يتشكل ببطء: أن الكتابة الصادقة لا تحتاج نبيًّا، ولا بوقًا، ولا حتى معجزة… إنها تحتاج فقط أن تكتب كما يكتب البحر على رمله، فيعود الموج ليؤكد الصدق كل مرة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...