تتسلل شمس الظهيرة من خلف ستائر الصالون، فترسم مربعات من الضوء على الأرض، وتُلونُ وجه الأب الشاحب ببقع صفراء باهتة. جلس في صمت، وأصابعه المتشابكة ترتعش فوق ركبته، وعينيه تنظران نحو الشاشة الصامتة للهاتف المحمول. ستنطلق النتيجة منها في أي لحظة، كطلقة مدفع، إما مبشرةً بالنصرِ، وإما ناقوسًا للفاجعة.
ودقّ الجرس. ارتجفت يداه وهو يفتح الموقع الرسمي للكلية. دقائق من صمت مطبق، انتهت بزفير طويل، حاد، مثل المنبعث من رئة مثقوبة. لم يصدق ما تراه عيناه. سطر واحد، بسيط، بلا رحمة: "راسب في جميع المواد".
ساد الصمت ذلك المكان الفسيح، حتى كاد يسمع دقات قلب أبيه تتصادم بأضلعه. نظر إلى "آدم" فوجده جاثماً على مقعد في الزاوية، منكمشًا على ذاته، كتلة من الخزي والصمت. هل هذا هو الطالب النابغ، بطل المحافظة، الذي ملأت صوره صفحات الجرائد قبل عام واحد فقط. الآن، ها هو ذا، لا يجرؤ على رفع رأسه؟!
"آدم ... ما هذا؟" خرج صوت الأب مبحوحًا، يحمل كل دهشة الدنيا وألمها. "قل لي إن ما حدث خطأ ... أخبرني نتيجة من هذه؟! ماذا حدث؟"
ظل الصمت هو السيد. بدا وكأن سكتة قلبية ستخطف الأب الذي بدأ وجهه يتلون باللون الأصفر. "تكلم! انطق بالحق، تكلم!" صرخ، والغضب والرعب في صوته.
ارتعش الابن. ثم، وكأنه يقتلع الكلمات من أحشائه، بدأ يتكلم بصوت خافت، مكسور:
"لم أنجح العام الماضي ... يا أبي ... أنا… لم أنجح بمجهودي."
توقف، وكأنه يبحث عن هواء. ثم استمر، وكأنه يتقيأ كلمات هي أثقل من الرصاص:
"كانت صفقة... اتفقت مع أحدهم. مبالغ طائلة، سماعة دقيقة الحجم، لا تُرى، تصلني منها الإجابات..."
توقف للحظة، نظرة حالمة تلمع في عينيه ثم تنطفئ سريعًا.
"كنت أرتديها في أذني متخيلًا أنها سماعة طبيب كبير، مثل تلك التي حلمت بها منذ كنت طفلاً. لكنها لم تنقل نبضات قلبٍ تحتاج للعلاج، بل نقلت أكاذيب مزينة للناظرين حينها كان 'النجاح الباهر' من نصيبي..."
رفع عينيه لأول مرة، وفيهما بريق من ذاك المجد الزائف: "وصلت إلى القمة... كنت الأفضل... هتف الجميع باسمي".
ثم انطفأ ذلك البريق، وحل محله فراغ قاتل: "أما هذا العام... فلم أستوعب شيئًا. حاولت... حاولت إعادة الصفقة مع طلاب من الدفعات المتقدمة في الكلية... نظروا إليّ كما لو أنني مجنون. رفضوا جميعًا، ولم أعد ذلك البطل الذي يستحق الفخر".
سقطت الكلمات كضربات مطرقة على رأس الأب.
"سماعة؟! هذه الكلمة التي كانت تتردد في البيت حين كان طفلاً يلعب بسماعة الطبيب البلاستيكية، وهو يردد: 'سأكون طبيبًا مشهورًا يا أبي!'... ها هي نفس الكلمة تعود اليوم لتحمل له سماعةً من نوع آخر، سماعةَ مرضٍ وسقوطٍ، لا سماعةَ شفاءٍ ونجاحٍ".
لم يكن ابنه بطلًا، بل سرابًا، مشروعًا مزيفًا ابتلع كل كبريائه.
وفي تلك اللحظة، تسللت إليه ذكرى عابرة: ذلك اليوم منذ سنوات حين قال لابنه وهو يرفع صورته الأولى في السباق المدرسي: "المكان الأول فقط.. هذا ما ننتظره منك". هل كانت تلك بداية الطريق إلى هذه الهاوية؟ هل كان كبرياؤه هو نفسه الوقود الذي أشعل رعب الابن من الفشل؟ ارتعدت فرائصه لاحتمال أن يكون هو الحجر الأول في جدار هذه الكذبة الكبيرة.
بهدوء مفاجئ، لم يعد هناك غضب فحسب، بل انهيار تام، قال الابن وهو يغالب دموعه: "سأنقل ملفي... إلى الآداب، أو الحقوق. ربما هناك... أستطيع النجاح دون حاجة إلى سماعات... أو إلى أن أكون شخصًا آخر".
نهض الأب فجأة، بمشيته غير المتزنة. توجه إلى النافذة المطلة على الحديقة، حيث كانت صور تخرّج ابنه من الثانوية العامة لا تزال معلقة، والياسمين يتفتح بعطر ناعم. لم ينطق بكلمة. وقف هناك، ظهره المنحني لابنه، ينظر إلى ذلك الماضي الجميل الذي كان كله كذبة.
في صمته القاتل، يمكنك أن تسمع صوت انهيار تمثالٍ، قد بناه بيديه، على مدار عشرين عامًا، واكتشف فجأة أنه قلعة من رمال.
ودقّ الجرس. ارتجفت يداه وهو يفتح الموقع الرسمي للكلية. دقائق من صمت مطبق، انتهت بزفير طويل، حاد، مثل المنبعث من رئة مثقوبة. لم يصدق ما تراه عيناه. سطر واحد، بسيط، بلا رحمة: "راسب في جميع المواد".
ساد الصمت ذلك المكان الفسيح، حتى كاد يسمع دقات قلب أبيه تتصادم بأضلعه. نظر إلى "آدم" فوجده جاثماً على مقعد في الزاوية، منكمشًا على ذاته، كتلة من الخزي والصمت. هل هذا هو الطالب النابغ، بطل المحافظة، الذي ملأت صوره صفحات الجرائد قبل عام واحد فقط. الآن، ها هو ذا، لا يجرؤ على رفع رأسه؟!
"آدم ... ما هذا؟" خرج صوت الأب مبحوحًا، يحمل كل دهشة الدنيا وألمها. "قل لي إن ما حدث خطأ ... أخبرني نتيجة من هذه؟! ماذا حدث؟"
ظل الصمت هو السيد. بدا وكأن سكتة قلبية ستخطف الأب الذي بدأ وجهه يتلون باللون الأصفر. "تكلم! انطق بالحق، تكلم!" صرخ، والغضب والرعب في صوته.
ارتعش الابن. ثم، وكأنه يقتلع الكلمات من أحشائه، بدأ يتكلم بصوت خافت، مكسور:
"لم أنجح العام الماضي ... يا أبي ... أنا… لم أنجح بمجهودي."
توقف، وكأنه يبحث عن هواء. ثم استمر، وكأنه يتقيأ كلمات هي أثقل من الرصاص:
"كانت صفقة... اتفقت مع أحدهم. مبالغ طائلة، سماعة دقيقة الحجم، لا تُرى، تصلني منها الإجابات..."
توقف للحظة، نظرة حالمة تلمع في عينيه ثم تنطفئ سريعًا.
"كنت أرتديها في أذني متخيلًا أنها سماعة طبيب كبير، مثل تلك التي حلمت بها منذ كنت طفلاً. لكنها لم تنقل نبضات قلبٍ تحتاج للعلاج، بل نقلت أكاذيب مزينة للناظرين حينها كان 'النجاح الباهر' من نصيبي..."
رفع عينيه لأول مرة، وفيهما بريق من ذاك المجد الزائف: "وصلت إلى القمة... كنت الأفضل... هتف الجميع باسمي".
ثم انطفأ ذلك البريق، وحل محله فراغ قاتل: "أما هذا العام... فلم أستوعب شيئًا. حاولت... حاولت إعادة الصفقة مع طلاب من الدفعات المتقدمة في الكلية... نظروا إليّ كما لو أنني مجنون. رفضوا جميعًا، ولم أعد ذلك البطل الذي يستحق الفخر".
سقطت الكلمات كضربات مطرقة على رأس الأب.
"سماعة؟! هذه الكلمة التي كانت تتردد في البيت حين كان طفلاً يلعب بسماعة الطبيب البلاستيكية، وهو يردد: 'سأكون طبيبًا مشهورًا يا أبي!'... ها هي نفس الكلمة تعود اليوم لتحمل له سماعةً من نوع آخر، سماعةَ مرضٍ وسقوطٍ، لا سماعةَ شفاءٍ ونجاحٍ".
لم يكن ابنه بطلًا، بل سرابًا، مشروعًا مزيفًا ابتلع كل كبريائه.
وفي تلك اللحظة، تسللت إليه ذكرى عابرة: ذلك اليوم منذ سنوات حين قال لابنه وهو يرفع صورته الأولى في السباق المدرسي: "المكان الأول فقط.. هذا ما ننتظره منك". هل كانت تلك بداية الطريق إلى هذه الهاوية؟ هل كان كبرياؤه هو نفسه الوقود الذي أشعل رعب الابن من الفشل؟ ارتعدت فرائصه لاحتمال أن يكون هو الحجر الأول في جدار هذه الكذبة الكبيرة.
بهدوء مفاجئ، لم يعد هناك غضب فحسب، بل انهيار تام، قال الابن وهو يغالب دموعه: "سأنقل ملفي... إلى الآداب، أو الحقوق. ربما هناك... أستطيع النجاح دون حاجة إلى سماعات... أو إلى أن أكون شخصًا آخر".
نهض الأب فجأة، بمشيته غير المتزنة. توجه إلى النافذة المطلة على الحديقة، حيث كانت صور تخرّج ابنه من الثانوية العامة لا تزال معلقة، والياسمين يتفتح بعطر ناعم. لم ينطق بكلمة. وقف هناك، ظهره المنحني لابنه، ينظر إلى ذلك الماضي الجميل الذي كان كله كذبة.
في صمته القاتل، يمكنك أن تسمع صوت انهيار تمثالٍ، قد بناه بيديه، على مدار عشرين عامًا، واكتشف فجأة أنه قلعة من رمال.