قال لي بائع التذاكر:
- أتذكر أني رأيتكَ البارحة هنا، أليس كذلك؟
- نعم، لقد وصلتُ المحطة متأخرًا، فاضطررت لتأجيل الرحلة.
قاطعني مندهشًا:
- ألم تسمع نشرة الأخبار؟ ألم تقرأ الصّحف؟!
نفيتُ بهزةٍ من رأسي، لكن لم يمهلني طويلًا، إذ قال وكأنه يسردُ فيلمًا سينمائيًا:
- ليلة البارحة، بعد ساعة من موعد الانطلاق، تعرّض القطار لحادثة كبيرة أودتْ بحياة عدد كبير من الرّكاب من بينهم السائق، ومساعده وآخرون جرحى بين الموت والحياة!
وأنا ما أزالُ تحت تأثير الصدمة، أضاف:
- لقد توقفتْ جميع الرحلات لإشعارٍ آخر...
وهو يهم بالقيام من مقعده لغلق الشّباك، قال:
- أنت محظوظ، أنصحك بذبح عجل كبير تقربًا إلى الله شكرًا على نجاتك!
وأنا في الباص، شدّني منظر السماء والشوارع والبنايات، وظلالها المائلة، كأني أراها للمرة الأولى. شعرتُ بحنين جارف إلى أهلي، والبيت الذي يضمنا، والشوق الأكبر كان لغرفتي المشمسة، ونافذتها المطلة على مزرعتنا الكبيرة. أخذتني - ولا أدري لماذا - قشعريرة حينما خطر على بالي حصاني الرمادي وكلبي الأسود وخرافنا الكثيرة.
تذكرتُ شاي العصر قرب النهر، وأنا متكئ على جذع شجرة الكالبتوس العجوز، أسندت رأسي إلى زجاج نافذة الباص، وأغمضت عيني ببطء، فبدأتْ المشاهد تضمحل رويدًا رويدًا وتذوب.
استقبلني أهلي غير مصدقين أعينَهم. لقد ظنوا أنني من ضمن الأموات أو الجرحى. قالت لي أمي وهي تضع أمامي الشاي والحلوى التي أحبها، بينما عيناها مليئتان بالدموع:
- لولا أن زوجة الجزار كانت من الذين ماتوا في الحادث، لعملت احتفالًا كبيرًا.
وختمت حديثها:
- دعواتي لك هي التي جعلتك تتأخر عن موعد القطار!
كنت على وشك سؤالها عن الذين ماتوا في الحادث، ماذا عن دعوات أمهاتهم؟ لكني سكتُ كي لا يزعجها سؤالي؛ ولأنها أيضًا انشغلت مع والدي، الذي أجزم - بما لا يقبل الشّك - أنه إشارة من الله كي لا أسهو أو انقطع عن الصّلاة مرة أخرى .
وددتُ أن أسأله: هل يكون الموت بهذه القسوة عقوبة عادلة لمن ينقطع عن الصّلاة؟!
سماعُ أصواتٍ ولغطٍ كثيرٍ، جعل والدي يقفز من مكانه ويتجه صوب باب الدار. إنهم أقرباؤنا وبعض الجيران، جاؤوا مهنئين على سلامتي، كل أحاديثهم تدور على أنني شخص مبارك، وأنني ذو كرامات، وما نجاتي من حادثة القطار إلا دليل واضح على ذلك.
نظرت بتأنٍ إلى كل ما يُحيطني، بدأتْ الأفكارُ تهاجمني دون رحمة، كأن رأسًا ثانيةً قد استبدلتْ برأسي. تحاول زعزعة إيماني بأشياء كانت من قبل راسخة وثابتة، قلت لنفسي بصمت: ربما هذا ما يجب فعله، عليّ إفراغ ما في رأسي من أفكار لاستقبال أخرى.
وأنا ما أزال أعاني الارتباك، دخل جاري الذي يعمل صحفيًا، سحبني من كوعي قائلًا:
- كنْ مستعدًا يوم غد لأجري معك مقابلة صحفية.
سألته:
- لماذا؟
أجاب بصوت فيه الكثير من الاستغراب:
- لماذا؟! لأنك الناجي الوحيد، ما حدث معك يشبه ما نشاهده في الأفلام!
قاطعته:
- لكني لم أركب القطار؛ لقد تأخرت فقط!
قال غامزًا بعينيه:
- لا تقلق، سأرتب لك قصة مشوقة، هذه لعبتي...
قاطعته مرة أخرى:
- كم عدد ضحايا القطار؟
صمتَ قليلًا ونظرات عينيه تدور في الفراغ... تبحث عن إجابة ... قال بعد أن مطَّ شفتيه وبانت تجاعيد جبينه:
- لا أعلم بالضبط، تجاوز عددهم الأربعمائة راكب .. هذا ما سمعته. لو كنت مكانك لصليت لله كل يوم ألف ركعة!
هل حقًا يحتاج الله إلى إنهاء حياة أربعمائة إنسان ليأخذ مني ألف ركعة؟ هناك إشارات أقل دموية بإمكانه إرسالها.
صوتي كان ضعيفًا أمام ضجيجهم تلك اللحظة.
طلبت من أختي عند حلول المساء نقل فراشي إلى سطح الدار، كنت بحاجة إلى فضاء أوسع من أجل الأفكار التي تزاحمتْ في رأسي تحاول الفرار من سجنها ...
بعد دقائق انشغلت عن كل شيء بالنظر إلى النجوم، التي ملأت السماء، والقمر المكتمل الذي سرعان ما حملني لعالم النوم.
في الحلم وجدتني محاطًا بألواح خشبية تتّكئ على بعضها البعض وثمّة ظلالٌ حزينة لكنها حقيقية، لاحتْ لي من ثقوب صغيرة في تلك الألواح. بينما كان صوت أمي وهي تولول يأتيني متسللًا وهي تتساءل:
"يا ولدي، لو ركِبتَ القطار بدل الباص لكنتَ الآن حيًا بيننا."
......
نُشرتْ في مجلة الآداب والفنون الورقية العدد ( 85 ) 2025 شهر أيلول..
تحياتي للدكتور علي لعيبي رئيس التحرير والأستاذ الصحفي جمال عابد Jamal Abid .
دوام التألق والازدهار لمجلتنا الرصينة
- أتذكر أني رأيتكَ البارحة هنا، أليس كذلك؟
- نعم، لقد وصلتُ المحطة متأخرًا، فاضطررت لتأجيل الرحلة.
قاطعني مندهشًا:
- ألم تسمع نشرة الأخبار؟ ألم تقرأ الصّحف؟!
نفيتُ بهزةٍ من رأسي، لكن لم يمهلني طويلًا، إذ قال وكأنه يسردُ فيلمًا سينمائيًا:
- ليلة البارحة، بعد ساعة من موعد الانطلاق، تعرّض القطار لحادثة كبيرة أودتْ بحياة عدد كبير من الرّكاب من بينهم السائق، ومساعده وآخرون جرحى بين الموت والحياة!
وأنا ما أزالُ تحت تأثير الصدمة، أضاف:
- لقد توقفتْ جميع الرحلات لإشعارٍ آخر...
وهو يهم بالقيام من مقعده لغلق الشّباك، قال:
- أنت محظوظ، أنصحك بذبح عجل كبير تقربًا إلى الله شكرًا على نجاتك!
وأنا في الباص، شدّني منظر السماء والشوارع والبنايات، وظلالها المائلة، كأني أراها للمرة الأولى. شعرتُ بحنين جارف إلى أهلي، والبيت الذي يضمنا، والشوق الأكبر كان لغرفتي المشمسة، ونافذتها المطلة على مزرعتنا الكبيرة. أخذتني - ولا أدري لماذا - قشعريرة حينما خطر على بالي حصاني الرمادي وكلبي الأسود وخرافنا الكثيرة.
تذكرتُ شاي العصر قرب النهر، وأنا متكئ على جذع شجرة الكالبتوس العجوز، أسندت رأسي إلى زجاج نافذة الباص، وأغمضت عيني ببطء، فبدأتْ المشاهد تضمحل رويدًا رويدًا وتذوب.
استقبلني أهلي غير مصدقين أعينَهم. لقد ظنوا أنني من ضمن الأموات أو الجرحى. قالت لي أمي وهي تضع أمامي الشاي والحلوى التي أحبها، بينما عيناها مليئتان بالدموع:
- لولا أن زوجة الجزار كانت من الذين ماتوا في الحادث، لعملت احتفالًا كبيرًا.
وختمت حديثها:
- دعواتي لك هي التي جعلتك تتأخر عن موعد القطار!
كنت على وشك سؤالها عن الذين ماتوا في الحادث، ماذا عن دعوات أمهاتهم؟ لكني سكتُ كي لا يزعجها سؤالي؛ ولأنها أيضًا انشغلت مع والدي، الذي أجزم - بما لا يقبل الشّك - أنه إشارة من الله كي لا أسهو أو انقطع عن الصّلاة مرة أخرى .
وددتُ أن أسأله: هل يكون الموت بهذه القسوة عقوبة عادلة لمن ينقطع عن الصّلاة؟!
سماعُ أصواتٍ ولغطٍ كثيرٍ، جعل والدي يقفز من مكانه ويتجه صوب باب الدار. إنهم أقرباؤنا وبعض الجيران، جاؤوا مهنئين على سلامتي، كل أحاديثهم تدور على أنني شخص مبارك، وأنني ذو كرامات، وما نجاتي من حادثة القطار إلا دليل واضح على ذلك.
نظرت بتأنٍ إلى كل ما يُحيطني، بدأتْ الأفكارُ تهاجمني دون رحمة، كأن رأسًا ثانيةً قد استبدلتْ برأسي. تحاول زعزعة إيماني بأشياء كانت من قبل راسخة وثابتة، قلت لنفسي بصمت: ربما هذا ما يجب فعله، عليّ إفراغ ما في رأسي من أفكار لاستقبال أخرى.
وأنا ما أزال أعاني الارتباك، دخل جاري الذي يعمل صحفيًا، سحبني من كوعي قائلًا:
- كنْ مستعدًا يوم غد لأجري معك مقابلة صحفية.
سألته:
- لماذا؟
أجاب بصوت فيه الكثير من الاستغراب:
- لماذا؟! لأنك الناجي الوحيد، ما حدث معك يشبه ما نشاهده في الأفلام!
قاطعته:
- لكني لم أركب القطار؛ لقد تأخرت فقط!
قال غامزًا بعينيه:
- لا تقلق، سأرتب لك قصة مشوقة، هذه لعبتي...
قاطعته مرة أخرى:
- كم عدد ضحايا القطار؟
صمتَ قليلًا ونظرات عينيه تدور في الفراغ... تبحث عن إجابة ... قال بعد أن مطَّ شفتيه وبانت تجاعيد جبينه:
- لا أعلم بالضبط، تجاوز عددهم الأربعمائة راكب .. هذا ما سمعته. لو كنت مكانك لصليت لله كل يوم ألف ركعة!
هل حقًا يحتاج الله إلى إنهاء حياة أربعمائة إنسان ليأخذ مني ألف ركعة؟ هناك إشارات أقل دموية بإمكانه إرسالها.
صوتي كان ضعيفًا أمام ضجيجهم تلك اللحظة.
طلبت من أختي عند حلول المساء نقل فراشي إلى سطح الدار، كنت بحاجة إلى فضاء أوسع من أجل الأفكار التي تزاحمتْ في رأسي تحاول الفرار من سجنها ...
بعد دقائق انشغلت عن كل شيء بالنظر إلى النجوم، التي ملأت السماء، والقمر المكتمل الذي سرعان ما حملني لعالم النوم.
في الحلم وجدتني محاطًا بألواح خشبية تتّكئ على بعضها البعض وثمّة ظلالٌ حزينة لكنها حقيقية، لاحتْ لي من ثقوب صغيرة في تلك الألواح. بينما كان صوت أمي وهي تولول يأتيني متسللًا وهي تتساءل:
"يا ولدي، لو ركِبتَ القطار بدل الباص لكنتَ الآن حيًا بيننا."
......
نُشرتْ في مجلة الآداب والفنون الورقية العدد ( 85 ) 2025 شهر أيلول..
تحياتي للدكتور علي لعيبي رئيس التحرير والأستاذ الصحفي جمال عابد Jamal Abid .
دوام التألق والازدهار لمجلتنا الرصينة