السي حاميد اليوسفي - الجزار الذي يتعشى باللفت...

تتبع الطفل أغلب الأشرطة التي نُشرت حول الملعب الذي تم تجديده، وأصبح حديث العام والخاص في وسائط التواصل الاجتماعي. وكان في كل مرة يجلس بجانب والده، ويفرجه على هذه الفيديوهات..
والده محمد شارك في بناء الملعب إلى جانب عشرات العمال. حوالي عام وهو يستيقظ باكرا.. يأخذ معه وجبة الغذاء التي تهيئها زوجته، ويتناول الفطور في الطريق.. يعمل في البرد والشتاء والحر. يتنقل على الدراجة النارية التي ركنها بالبيت منذ الأسبوع الماضي خوفا من مصادرتها بعد الحملة التي شنها الأمن ضد الدراجات المعدلة.. رغم توفره على الوثائق القانونية مثل شهادة الملكية واللوحة المرقمة وبوليصة التأمين، فقد حمد الله وشكره على أن ذلك لم يحدث إلا بعد نهاية العمل من بناء الملعب..
أحيانا لا يفهم كيف تنهى الجهات المسؤولة عما قنّنته بالأمس. لا أحد يعرف ما هو نوع العطب الذي يصيب مزاج أصحاب القرار في الأعلى..
أخبره ابنه بأن رواد وسائط التواصل الاجتماعي يطالبون رئيس الجامعة بتخصيص تذاكر من مباراة المغرب ضد النيجر، تكريما للعمال الذين شاركوا في تحويل ملعب الأمير مولاي عبد الله إلى تحفة فنية تسلب الأنظار..
قال الأب وهو يرسم بسمة خفيفة على شفتيه:
ـ من فمك للسماء.. إذا وقع وحصلت على تذكرة، سأقدمها هدية لك. يكفي أن أشاهد المقابلة في التلفاز.
قبّل الطفل رأس والده، وكاد يطير من الفرح، وخرج يلعب مع الأطفال أمام باب المنزل، ويخبرهم بأن الحظ سيقف بجانبه، وسيحضر مقابلة الفريق الوطني كضيف شرف بعد أن تنازل له والده عن تذكرته...
شرد ذهن محمد، وتساءل باستغراب:
ـ هل تفعلها الجهات المسؤولة، وتمنحنا شرف الدخول بتذاكر مجانية الى الملعب الذي بنيناه بسواعدنا وعرق جبيننا؟!..
تذكر أنه شارك في تشييد العديد من المنازل والفيلات الفخمة، ولم يسبق أن حظي بدعوة أو تكريم.. قد يدعون أو يكرمون أصحاب الشركة التي يعمل معها.. هؤلاء الناس يجنون أرباحا خيالية.. أما أنت يا محمد فاحمد الله واشكره أنك لم تسقط من طابق أعلى، وتتكسر عظامك، وترقد في ذلك الركن من البيت، وأنت مشلول أو عاجز عن الحركة.
قال لنفسه بعد ان اختفت الابتسامة من على شفتيه:
ـ إذا صدق وتمت دعوتنا أو تسلمنا تذاكر مجانية لحضور المقابلة، فلن أصدق بعد ذلك من قال (جزار ويتعشى باللفت)*..


الهامش:
ـ جزرا ويتعشى باللفت: مثل شعبي يعني ان الجزار يفترض ان يتناول اللحم الذي يبيعه بدل اللفت الذي يبدو شيئا عاديا.

مراكش: 29 / 08 / 2025

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...