د. حسين عبدالبصير - محطة القطار...

كان الصباح باردًا، والسماء تميل إلى رمادية خفيفة. خرجتُ من البيت ممسكًا بيد أبي. كان اليوم مختلفًا، كأنه بداية طريق لا أعرف أين ينتهي. الحارة القديمة ما زالت نائمة، والناس يتثاءبون خلف نوافذهم، لكنني كنت أشعر أن العالم بأسره مستيقظ داخلي.

حين اقتربنا من المحطة، تزايدت الأصوات. ضوضاء متشابكة: بائع شاي يصب اكوابه على عجل، امرأة تنادي على أطفالها، حديدٌ يصرخ على القضبان، وصافرة القطار تقطع كل شيء بقوة. المحطة بدت لي مدينة كاملة. وجوه كثيرة لا أعرفها، عيون تبحث عن مقعد، أقدام تلهث نحو الرصيف.

تشبثت بيد أبي أكثر. التفت إليّ، ابتسم، وانحنى حتى صار وجهه قريبًا من وجهي وقال:
ـ "العلم يا بني هو قطارك إلى الغد. إن لحقته وصلت، وإن ضيعته بقيت وحيدًا على الرصيف."

لم أفهم تمامًا، لكن صوته رسخ في أعماقي.

دخلنا بين الزحام، وكل خطوة كانت تخلع من قلبي جزءًا من الطفولة. كنت أتعثر، وهو يسندني برفق، كأن يده جسر يعبر بي الفوضى.

حين وصلنا إلى الرصيف الآخر، أفلتت يده فجأة. رفعت بصري أبحث عنه… فلم أجده.

ارتبكت. رأيت نفسي أمد يدي في الفراغ، لكن اليد التي امتدت لم تكن يد طفل، بل يد عجوز مرتجفة، عروقها نافرة، وأصابعها متيبسة. نظرت إلى انعكاسي في زجاج عربة القطار، فرأيت رجلًا طاعنًا في السن، ظهره محني، وعصاه خشبية، وحقيبة جلدية قديمة متخمة بأوراق وصور. لم أعد أنا الطفل الذي عبر الرصيف قبل لحظة.

كان القطار واقفًا، وأبوابه مفتوحة. أصوات المسافرين تتعالى، كلٌّ يحمل أمله أو حزنه أو غربته. وأنا واقف على الحافة، بين طفلٍ يضيع وأبٍ غاب وعجوزٍ يثقل كاهله العمر.

تذكرت كلمات أبي: "قطارك إلى الغد." فابتسمت ابتسامة خافتة، وأحسست أن الغد قد عبر بالفعل، وأنني لم أبقَ إلا راكبًا أخيرًا على رصيف الذكريات.

جلست على مقعد خشبي في المحطة. أخذت أراقب القطارات وهي تأتي وتذهب. رأيت وجوهًا شابة تلمع بالحماسة، عائلات تودّع أبناءها، وأطفالًا يشدون على أيادي آبائهم. كنتُ أرى نفسي في كل واحد منهم.

مرت السنوات كأنها قطارات متلاحقة. جلستُ طويلًا على الرصيف، أرقبها. يومًا كنت طالبًا أبحث عن مقعد في عربة مزدحمة. يومًا آخر صرت معلمًا أرافق الآخرين. ثم مديرًا يودّع أجيالًا تلو أجيال. وأخيرًا لم أعد سوى عجوزٍ يراقب المشهد من بعيد، لا ينتظر قطارًا بعينه، لأن القطارات جميعها مرّت.

حين دقّت الساعة الكبيرة المعلقة في قلب المحطة، شعرت أن الرحلة اكتملت. نهضت ببطء، وارتكزت على عصاي، وحملت حقيبتي التي لم يبق فيها سوى صور باهتة ودفاتر قديمة. نظرت حولي. لم أجد أبي، ولم أجد يدي الصغيرة تبحث عن يده.

لكنني شعرت أن ابتسامته ما زالت ترافقني، معلّقة بين ضوضاء المحطة وصفير القطار.

مضيت بخطوات بطيئة نحو البوابة. المحطة خلفي تضج بالحياة، وأنا أسير إلى الخارج. كنت أعلم أن القطار الأخير قد رحل، ولم يبق لي سوى ذكريات العبور الأول.

صرت عجوزًا. وما تبقى لي إلا أن أظلّ مسافرًا في قطارات الذاكرة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...