نجوي عبدالجواد - سرقة الحاجة فاطمة...

يالا يا بنت إنتِ وهي الخبازة على وصول كفايانا نوم. صحوا رجالتكم يصلوا الفجر.
فتحت عائشة عينيها منذ النداء الأول وهمّت بالنزول من سريرها المرتفع، بينما وضعت زينات المخدة على رأسها و تجاهلت الصوت إلى أن خبطها زوجها على ذراعها حتى تقوم. لامفر طالما انطلق صوت الحاجة فاطمة فلا إمكانية لنوم. عائشة زوج الابن الأوسط ، أما زينات فزوج الأصغر . الخبيز اليوم هو استمرار للإعداد لزيارة ابنها الأكبر الموظف الكبير في مصر. الفجر يا ولاد. تنادي الحاجة فاطمة . يستيقظ الرجلان وينطلقان للمسجد بينما تتبادل السلفتان تحية الصباح وتهبطان لتكونا طوع أمر الحاجة فاطمة.
صباح الخير يا حاجة فاطمة.
صباح الخير يا عيشة تعالي ورايا خدي فطورك انتِ وزينات . تسير خلفها عيشة وتقفان عند غرفة الكرار. تخرج الحاجة فاطمة مفتاح الغرفة من صدرها وتشير إلى بلاص الجبنة وصفيحة العسل، تفهم عائشة وتضع في الطبقين بحكمة ترضى عنها حماتها.
يا صبَّاح يا عليم يا رزَّاق يا كريم مفيش كباية لبن؟! مفيش قرص فطير؟!، مفيش بيضتين؟!، كل يوم قريش وعسل.
اصَّبحي يا زينات واقصري الكلام.
صحي الواد يا عيشة علشان يفطر مع أبوه وعمه.
ما تخلوه نايم وراه إيه.تقول زينات.
قلت صحوه لازم يتعلم النشاط ويعرف الرزق في البكور.
يجلس الرجلان على الأرض ووسطهما الطفل يقاوم النوم وعلى الطبلية أمامهم صحن كبير مملوء كشك بلبن.
انتظروا يا ولاد. جاءت الحاجة فاطمة بقطعة زبد كبيرة ووضعتها على اللبن. شرع ولداها وحفيدها في تناول الفطار وبعد تناول عده ملاعق قال الابن الأصغر :أنا زهقت من الكشك بلبن ده، فيه طبيخ؟
فيه يا ضنايا وإن مكنش فيه نطبخ لك مخصوص.
تعيشي يا حجة . يرد الابن.
تفتح الحاجة الحجرة وتعطي الحلة لزوجته لتسخنها وتأتي بها.
مش كان كل كشك بلبن وخلي الطبيخ للغدا؟! تقول زينات .
عمي في عينك أنتِ هتبصي له في اللقمة، الخير كتير يا بت. تصرخ الحاجة فاطمة.
تزمجر زينات وتقول في نفسها هو الخير ده مش واصل لنا ليه.؟!
تحضر الخبازات ويبدأ العمل الشاق
تحت إشراف عيشة و زينات والمشرف العام الحاجة فاطمة. انتهت النسوة من تناول البيض المقلي والعجوة بعد رفض الحاجة فاطمة للطبخ لهن. كفاية عليهم كده، البيض ده أكل الوسية.
اللحمة اللي جت كتير. تقول زينات .
أعوذ بالله من عنيكي يا شيخة، أنا قلت للزفت وهبة يغطي المقطف وأنا بس اللي استلمه منه.
كنتِ عند الطيور وهو كان رايح يجيب الزبدة من الحجة آمنة.ترد زينات
سنته سودة، اللحمة اتنظرت يا عيني يا بني.
ومين بقى اللى نظرها يا حاجة فاطمة احنا عنينا رويانه وولاد أصول ومش بنبص في حاجة رايحه لابنك حتى لو كانت مقطف كبير مليان لحمة مشفية من غير دهن. ترد زينات على اتهام الحاجة فاطمة.
غوري يا بت من وشي الساعة دي أحسن لك.
تسحب عيشة زينات من أمام الحاجة فاطمة وهي تقول وحدوا الله يا جماعة.
زفرات تخرج من الحاجة فاطمة ومن زينات بعد أن تدير وجهها مبتعدة عن الحاجة فاطمة، لا إله إلا الله.
امتلأت حجرة الكرار بالكراتين التى ستصحبها الحاجة فاطمة وولداها لزيارة الأخ الأكبر الموظف الكبير في مصر. تصعد عيشة إلى حجرتها لتخرج طقم السفر لزوجها بينما يذهب الابن الأصغر إلى الموقف ليحضر العربة التى سوف تقلهم إلى محطة القطار في المدينة.
الجو هادئ بأسفل، الحاجة فاطمة التفتت يمنة ويسرة ثم وضعت مفتاح الكرار داخل فردة الحذاء الذى وضعته خارج الحمَّام مباشرة.
توارت زينات إلى الخلف حتى لا تراها الحاجة فاطمة.
صوت البابور أسفل صفيحة المياه داخل الحمام يغطي على صوت أقدام الحفيد .
تلحظ زينات الطفل فتشير إليه ليحضر حيث تقف. يستجيب فورا حيث تضع إصبعها على فمها في إشارة له ألا يتكلم. يؤمي برأسه دون أن يفهم السبب. تقول زينات :تحب تقرمش قوالب سكر يا حسن.
تبدو على وجهه السعادة . تشير إلى حذاء الجدة :هات المفتاح من الجزمة من غير ماتحس بيك الحاجة . يسرع الانفلات من يدها. تمسك به مرة أخرى محذرة أن يكتشف أمره. يبتسم موافقات،
يتسلل إلى حيث الحذاء ويتمكن بخفة حسدته عليها زينات من إحضار المفتاح.
صوت غرف الماء داخل الحمام ينبئ أن الحاجة فاطمة أوشكت على الانتهاء. لن تفوِّت زينات هذه الفرصة، حافية أسرعت تفتح الحجرة بهدوء، عثرت على مكعبات السكر، أخذت حفنة كبيرة ووضعتها في الجيب العميق لحسن وأمرته بأن يأكلها في الشارع، أسرع من الطائرة كان حسن، ظل يأكل السكر على الباب حتى اقترب عمه بالسيارة.
انتهت الحاجة فاطمة وخرجت مرتدية لبس الغياب وسحبت حذاءها والتقطت المفتاح من مكانه. نزل ابنها الأوسط وجاء الأصغر ومعه وهبة ، فتحت الحاجة فاطمة الحجرة وحمل وهبة الزيارة تباعا. فرغت الحجرة إلا من الجبن والسمن والعسل والخبز. نادت على عائشة وأوكلت إليها المفتاح وأملت عليها كيفية التصرف في غيابها.وعهدت لخادمها المقربة برعاية الطيور وجمع البيض وشراء كيلو اللحم كل سبت للبيت مع تحذير شديد اللهجة من انخفاض معدل البيض عن المعتاد.
قبّلت عائشة يد الحاجة وكذا فعلت زينات مع حفلة توديع وتحميل السلامات والتحيات لسلفتهن وأخيهم الموظف الكبير. لم يمنح الابن أمه فرصة لاستغراب تصرف زينات حيث ألح في الخروج وسرعة الركوب.
تمنح زينات الخادمة العجوز الإذن في زيارة ابنتها على أن تأتي غدا مساء. يتغلب الشوق على الخوف من عدم تنفيذ أوامر الحاجة. متخافيش، روحي لمى البيض وعديه وحطي أكل وميه لبكرة واقفلي العشش بالمفتاح، حلو كده.
يخليكي ليه يا ست الستات.
ده إيه الرضا ده على وهيبة.
أومال مش بني آدم نحس بيه.
تغلق زينات الباب خلف وهيبة، وتسرع إلى حجرتها وتعود بثروتها الكبيرة التي اقتنصتها. وهي تقول :يالا عليكي الطبيخ النهاردة نروي بدنا.
تفتح عائشة فمها وتظل تستجوب زينات إلى أن استوت اللحمة. تضع زينات ثلاثة أطباق أمامها وعيشة وحسن، تشرع هي وحسن بالأكل في تلذذ، بينما صورة الحاجة فاطمة وقد دخلت عليهم لتضبطهم قد رسمت على طبق اللحم الخاص بعيشة. فهربت من النظر إليه.
أدركت زينات مشكلة عيشة الخوافة فقالت لها مشجعة :أخذت من كل كرتونة قطعة، الكمية كبيرة لن تكتشف وإن يعني وإن اكتشفت فالمفتاح معها إحنا مالنا! ولن تعترف أبدا بأنها خايبة واتسرقت. تقول هذا وهي تضحك هي والصغير. تطمئن عائشة من كلامها لكنها لاتكاد تمضع جيدا فصورة الحاجة فاطمة مازالت تتمثل أمامها كلما أمسكت بقطعة لحم .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...