طارق حنفي - سحر المعصية...

- اليمُّ ثائر، وموج كالجبال يتلاعب بقاربي الذي مزقت شراعه ريح عاصف.
- ينقصك اليقين.
- الضباب يحيط بي، يحاصرني.
- اليقين يسبقه الإيمان.
- السماء ترميني بمطر كالحجارة.
- الإيمان يطلب التوبة.
- ظلام حالك كقطع الليل.
- تُب، والزم الاستغفار.
- قاربي على وشك الغرق.
- لم يغرق من قبل، ولن يغرق الآن.. وماذا بعد؟
- بعد يقيني أني غارق لا محالة، يأبى اليم إلا أن يلقي قاربي بالساحل، أهبط منه، فأجده أمامي، مخلوقًا بشعًا.
- حارس المعصية.
- يبدو كأنهما اثنان، واحد ينظر إلى الخلف والآخر إلى الأمام.
- بل حارس واحد، بوجه ويدين في الأمام، ومثلهم في الخلف.
- ومن خلفه باب، وشبيه لي يحاول الخروج منه، لكن الحارس يدفعه بيديه الخلفيتين فيعيده إلى الداخل.
- إلى حيث الأسر.
- أحاول المرور منه، تمنعني يداه الأماميتان.
- أهناك مرات لم يمنعك؟
- نعم، أحيانا يتركني أمر، وابتسامة ساخرة تعلو كلا وجهيه.
- ثم؟
- أعبر الباب، فأجد شبيهي يرقد في ماء كريه الرائحة راكد.
- إنها المعصية.
- تزل قدمي؛ فأسقط، تتسلل قطرات من الماء إلى فمي، الغريب أني لا أعافها، والرائحة أستثيغها، كأني مُعاقرهما.
- لذة المعصية.
- تنثني إرادتي، يستحوذ علي شيء ما، ويتكرر شعوري بالمعصية.
- إحياء المعصية.
- ثم أحاول الخروج فيدفعني الكائن إلى الداخل مرة أخرى.
- حارس المعصية، يمنعك من الخروج، ويمنعك من الدخول.
- ويسير الأمر على نفس المنوال في كل مرة يسمح لي فيها بالعبور.
- يأسر جزءًا آخر منك.
- ما الذي ترمي إليه؟!
- شبيهك هو صورتك لحظة ارتكاب المعصية، تقبع هناك، في الأسر.
- أين؟
- حيث تلتقي السماء بالأرض، والروح بالجسد.
- أتقصد النفس؟
- أسيرة نفسك وهواك.
- أسيرة نفسي؟!
- صورتك العاصية تبقى سجينة ذكرى معصيتك.
- أسيرة هواي؟!
- دائمة بدوام الذكرى، مستمرة في شعورها لحظة المعصية.
- لكن، لماذا أحاول العبور إليها؟
- يجذبك الرابط الخفي بينك وبينها؛ فهي منك.
- أمحاولة مني لتحريرها؟!
- ويمنعك الحارس حينئذ.
- لكن، لم أحيانا يتركني أمر؟
- في لحظات ضعفك.
- ليغمرني شعور المعصية مرة أخرى.
- تصبح أشد وطأة.
- ما الأشد وطأة من ارتكاب المعصية نفسها؟
- تكرارها، ثم تصير مصرا عليها.
- أخشى أن يأتي اليوم الذي أصير فيه كلي أسيرًا.
- أتدري كيف يمحو الاستغفار الذنب؟
- كيف؟
- بمحو أثار المعصية نفسها.
- لكنها حدثت بالفعل.
- أغمض عينيك، استغفر، استغفر.
- ها أنا أصل إلى الساحل، ثم أقف أمام الحارس.
- استغفر، استغفر.
- يحاول منعي فأزيحه بقوة عن طريقي.
- استغفر، استغفر.
- أعبر الباب.
- استغفر، استغفر.
- آخذ بيد صورتي، نخرج سويا، نقف أمام الحارس متجاورين.
- استغفر، استغفر.
- الحارس يحاول النظر إلينا مستخدما كلا وجهيه في نفس الوقت؛ فتصيبه الحيرة.
- استغفر، استغفر.
- تضطرب أوصاله، يهتز بقوة.
- استغفر، استغفر.
- ينفتل جسده، يتمزق.
- استغفر، استغفر.
- يلتحم جسدي مع صورتي.
- استغفر، استغفر.
- يذوب كل شيء، ويتحول إلى سائل أصفر.
- افتح عينيك، أخبرني، أما زلت تذكر شعور المعصية؟
- لا، لكن، يا إلهي، طعم الماء الآسن، والرائحة الكريهة، أشعر بالغثيان، أريد أن أخرج ما في بطني.
تخرج أشياء من فمه مصبوغة كلها باللون الأصفر.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...