د. سيد شعبان - بنت حلوة!...

بعدت عن الكتابة منذ فترة، شغلت كثيرا برتق ثيابي، لم تعد في خزانتي غير التي تهرأت وسرح فيها الزمن، مضت رغبتي في الألوان الزاهية تلبسها أنثى جميلة، ثوبها من قطن مشجر مطرز بالورد. أسترجع الصور الجميلة لتلك الفتاة.
خدها يحمر حين يعابثها الديك الرومي يصيح وراءها يكاد يفتك بها تغيظه الثياب الحمراء والفتاة ذات الخد يقطر دما، تملأ الدنيا بهجة، أبحث عنها في طيات ذاكرتي، ربما هي الآن سيدة في بداية العقد الخامس، تغضن وجهها، أصايتها ملوحة، لم تعد الفتيات ترتدين تلك الثياب ذات الورد المشجر، لا أستطيع معرفة بعضهن، إنهن أشبه بالمسخ.
أقف عند موقف السيارات، أتصفح وجوه العابرات، ربما هذه هي أو لعل هذه ابنتها، يعتريني الخجل، لم أعهد من نفسي ذلك الممتسكع في الطرقات، غير أن تلك البنت الحلوة ماتزال تسكن ذاكرتي.
تشغلني نون النسوة، إنها أغنية مفرداتها تتراقص، ساعة العصاري يمسك عم رمضان بنايه المصنوع من بوص الغاب يقف عند ضفة النهر ثم يراوح بأنامله مصدرا لحنا بديعا، نلتف حوله، نسأله هل هي بنت حلوة؟
يتنهد ثم يتساقط الدمع من عينيه!
كانت أمي تحدثني عن عروس النيل، ذيلها يشبه سمكة البلطي، ترتدي فستانا من حرير أصفر، من يومها كلما رأيث امرأة تذكرت البنت الحلوة، هل اندثرت تلك المفردة من لغتي؟
لكم أكره معلمي؛ طمس صورة البنت الحلوة، جعلها شيطانا يقبل ويدبر، يمنعض حين تبتسم زميلتنا هدى، ينهرنا إذا نظرنا إليها، كانت البنت الحلوة.
حين كبرت نبتت لحيتي، تخشب وجهي، لم تعد عيني ترى بنتا ذات ضفيرة،
امتلأت شاشات العرض بصور الفتيات، لكن واحدة منهن لم تحظ بحلاوة البنت التي رسمها أحد زملائي في الفصل.
يؤلمك أن تغيب البراءة، لوحات الفصول معتمة، لا تحسن الفتيات خلط الألوان، صرن لايمتلكن غير هواتف غبية يرددن أغان تافهة.
هذا أوان قطف الياسمين، تعبق الأجواء بالعطر.
سألني مدير إحدى الصحف اليومية:
لم فتر قلمك،؟
لم تعد تكتب مقالات مثيرة أو قصصا جميلة.
طمأنته أنني بخير، أخفي عنه بعض هم لازمني، هل أحكي له عن ذلك اللص الذي سرق مفتاح بيتي؟
هذا شأن خاص لن يهتم به أحد، تخيلوا يسرق دارك كما يفعل الصهاينة ثم يهرع إلى الصلاة، من يشاهده يجد معه مسبحة يتمتم بأوراد الشيطان.
يأتي المحمر ترامب يدفعون له أكياس الجبلية، يقهقه النتن ساخرا.
معه بنت شقراء لكنها ليست حلوة.
أي كاتب هذا!
يجد نفسه بلا جذر، لمن يكتب أتحسبونه حجرا؟
هذه حكاية تتكرر، سارق في ثياب حمل وديع.
مايحدث لصغار غزة، تلك الأعضاء كما حبات الرمال المبعثرة، هل يمتلك قلم رفاهية الكتابة على أوراق الورد؟
أبحث عنها ليلة يكون القمر بدر التمام، هذه صورة تثير فضولي، هل تجلس في شقتها كتب أبيات شعر؟
إنها منشغلة برتق ثياب زوجها المحال إلى التقاعد، يشكو من غبش عينيه، هي الأخرى تعاني من الوحدة، لايدري عن عالمها شيئا، ربما لم يشاهدها بالثوب ذي الورد المطر.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...