شريف محيي الدين إبراهيم - الثقافة والباذنجان

ازدانت القاعة باللافتات والورود البلاستيكية، وعلى المنصّة تدلّت لافتة ضخمة:
المؤتمر السنوي بالثغر: الثقافة وتعريف المثقف.

جلس النقاد وأساتذة الجامعة في صفٍّ طويل خلف طاولة عريضة تشبه سورًا عازلًا.
أمامهم أكواب ماء مصطفة، وأوراق متخمة بالمصطلحات الثقيلة، بينما القاعة غصّت بوجوه باهتة، نصفها جاء مجاملة.

رفع أول النقاد صوته بلهجة حاسمة:
– المثقف الحقيقي هو الذي يدرك جدلية العلاقة بين البنية الفوقية والبنية التحتية، أمّا ما يكتبه المبدعون الجدد فهو خربشات لا قيمة لها.

قهقه زميله متعاليًا:
– حتى الكبار قبلهم لم يكونوا أكثر من هواة، نحن من نمنح النص قيمته، نحن من نصنع التاريخ الثقافي، لا الشعراء ولا القصاصون!

أطرق ثالثهم إلى الورق ثم رفع رأسه:
– القارئ العادي لا يفهم شيئًا، هو مجرد متلقٍّ سلبي. نحن نكتب للصفوة، للوعي المتقدّم.

في القاعة، تململ الحاضرون، بعضهم أطرق، وبعضهم تظاهر بالانتباه.

ممدوح، كاتب ذكي موهوب ، استقبله النقاد باستهانة.
قالوا له: يمكن أن يجيء منك شيء، لكنك تحتاج إلى مزيد من الثقافة والبحث والتعلّم.
نصحوه أن يحضر المؤتمر الأدبي ليهتدي بخبراتهم. جلس في الخلف، وأنفاسه تختنق بين جدران من الملل والورق الأصفر والغرور.
هل هذه هي الثقافة؟!
هل هذا هو المثقف؟

وفجأة انحرف النقاش إلى موضوع عجيب.
قال أحدهم وهو يلوّح بيده:
– خذوا مثلًا: الباذنجان! نعم، الباذنجان، هل هو خضار أم فاكهة؟ هذا سؤال ثقافي بامتياز!

قهقه آخر ساخرًا:
– الباذنجان خضار قطعًا، ولا يحتاج الأمر إلى نقاش. لكن المثقف الحقيقي هو من يضع تعريفًا فلسفيًا للباذنجان، يربطه بالهوية الجمعية.

ثار ثالثهم وصفع الطاولة:
– خطأ جسيم! الباذنجان فاكهة علميًا لأنه يحتوي بذورًا. والحديث في غير هذا عبث ثقافي سطحي.

تدخّل رابعهم ووجهه محمرّ:
– أنتم لا تفهمون شيئًا! الباذنجان رمز للتاريخ الزراعي في بلادنا... يا سادة، الباذنجان إن كنتم لا تعلمون أعمق من كثير من الروايات الأدبية.

تشابكت الأصوات. كل ناقد يعلو صوته، يتجادلون حول الباذنجان كما لو كان محور الحضارة الإنسانية. ضحك بعض الحاضرين بخفوت، وهمس رجل لجاره:
– والله لو كانوا يتكلمون عن محشي الباذنجان لكان النقاش أمتع.

في المقاعد الخلفية بدأ الانسحاب يتسرّب مثل عدوى.
رجل نهض وهو يتمتم بامتعاض: جئت أبحث عن الثقافة، فوجدت غرورًا فارغًا.
امرأة تقلّبت صفحات كتاب المؤتمر ثم ضحكت بمرارة: سبعمئة صفحة صفراء من الهراء… كلام مكرور، ثقيل الظل، لا يغني ولا يسمن من جوع.
شاب عند الباب هز كتفيه ساخرًا: يا خسارة أجرة المواصلات… كنت أشتري بها سندوتشات كبدة إسكندراني أرحم.
أمينة المكتبة الصغيرة، التي جاءت بفضول بريء، همست لنفسها: لو وضعت كتب المؤتمر على هذه الطاولة لصارت أثقل وزنًا، لكنها لن تصير أكثر نفعًا.

حتى المقاعد الأمامية راحت تفرغ تدريجيًا، ولم يبقَ سوى المتشاجرين على المنصّة.

ممدوح ساخرًا: خسارة الوقت الذي ضاع. فقراء البلد كانوا أولى بتلك المصاريف المهدرة على الورق والطباعة، والقاعات والفنادق والطعام.

تذكر بداياته... كلماته الأولى على ظهر كراس المدرسة... تذكر أمه التي قالت له ذات مساء: اكتب يا ولدي… يمكن أن تنقذ الكلمة روحًا.
تذكر ابتسامة صديقه، أول قارئ لقصة كتبها، وتذكر سخرية ناقد متعجرف قال له: أنت لست إلا هاويًا. شعر أنه يتنفس بصعوبة، وكأن القاعة كادت تفرغ من الأكسجين.
كان العرق الغزير يتفصّد من كل جسده، وقد أوشك على الاختناق.
هرب خارجًا...

عند باب القاعة استقبله الليل برائحة البحر وصوت أمواج تضرب الميناء. على الرصيف المقابل، حلقة صغيرة من الناس حول صياد عجوز بملامح بسيطة وثياب مهترئة، لكن عينيه تلمعان كبدر قديم.

جلس طفل عند قدميه، وامرأة تشد ثوبها البالي، وبائع متجوّل يمسح عرقه، وشابان كانا يتجادلان ثم صمتا ليسمعا.

ابتسم العجوز وبدأ يحكي:
– كان البحر هائجًا يومًا، وكنا نرتجف من البرد والذعر في المركب... الناس خائفون. لكن طائرًا صغيرًا لم يخف، وقف على سارية المركب وغنّى... هدأ الموج ليستمع. ومنذ ذلك اليوم، يتذكر البحر أن في داخله قلبًا، لا عاصفة فقط.

ضحك الطفل حتى بانت أسنانه، سالت دمعة من عين المرأة، رفع البائع رأسه كأنه استعاد أمله، والشابان تبادلا نظرة صامتة مليئة بالنور.

اقترب ممدوح مأخوذًا بالمشهد. جلس بينهم وسأل العجوز بخفوت:
– وهل الطائر مثقف يا عمّي؟

ابتسم العجوز:
– المثقف يا بُني ليس من يحصي التعريفات، ولا من يصرخ فوق المنصّات. المثقف من يترك أثرًا في قلبك. الثقافة ليست ورقًا، بل حياة. هي مثل الطائر الذي يواجه العاصفة.

في تلك اللحظة، ترددت في أذنه أصوات النقاد: الباذنجان خضار… الباذنجان فاكهة… الباذنجان رمز… لكن صوت العجوز بدا كأنه خارج من زمن آخر، كأن البحر نفسه أرسله ليحكي.

وفجأة امتزج صوت العجوز بصوت أمه القديم: اكتب يا ولدي… يمكن أن تنقذ الكلمة روحًا.
ارتجف قلبه، وشعر أن الحكمة التي ضاعت في القاعة وُلدت من جديد هنا...
على الرصيف، عند حكاية صياد وطائر وبحر.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...