شريف محيي الدين إبراهيم - بابٌ موصَد...

كيف لحمدي أن يفعل هذا؟!
يرفض استقبال أبيه، وهو شيخ هرم، مريض لا تكاد ساقاه تحملانه؟!

حمدي، صديقي الطيب، المهذّب؟!
يطرد أباه؟!
كنت مذهولًا، لا أعي ما يحدث حولي…
الموقف صعب، شديد القسوة، يفوق قدراتي الاستيعابية، وأنا مجرد طفل صغير.

منذ أكثر من ثلاثين عامًا، لم يكن الناس كما هم اليوم.
في شارعنا العتيق ، في عمارتنا القديمة ، كنا كالأهل، لا تُغلق بيننا الأبواب، وكأن ثمة رباطًا خفيًا يجمعنا جميعًا.
كانت رائحة الخبز الساخن تفوح من أفران الشارع تختلط بنكهة الفول المدمس ، وبنداء الباعة: "أهرام، أخبار ،جمهورية … عرق سوس ساقع… فشار سخن!"
أصوات متداخلة، لكنها تصنع موسيقى يومية تحفظ إيقاع المكان.

كنّا صغارًا نلعب بالكرة، والبلي الزجاجي، والنحلة الخشبية، نلعب السلم والثعبان والليدو، نركض في ساحة الحي الترابية بين بائع اللبن وصوت بائع الجرائد، نضحك ونركض حفاة، لكن أعيننا لا تكفّ عن التطلّع إلى مدخل الطريق، كأن الفرح لا يكتمل إلا بطلّة حمدي.
حمدي يكبرنا ببضعة أعوام؛ كنّا نراه الأخ الأكبر، الحامي، والمهرّج الظريف بضحكته ونكاته التي تذيب الغيم، وصوته الذي يملأ الأزقّة حياة.
لم يكن بهجتنا وحدنا، بل كان عون الكبار قبل الصغار: يحمل عن أبي حقيبته الثقيلة، ويقف صابرًا في طابور الخبز ليعود به فرحًا إلى جارتنا العجوز،
يقدّم خدماته لجميع سكان العمارة، بل والشارع كله.

وإذا تأخر عنّا، لا نطيق غيابه؛ فنهرع إلى شقته، نصعد الدرج الضيق المزخرف برائحة طعام الجيران، نطرق الباب بلهفة، فتطلّ علينا أمّه زينب بوجهٍ يغشاه التعب، لكنها حنونة مثل أمّهات الشارع ، تسألنا عن أمهاتنا:
– "ذاكرتوا؟ حلّيتوا الواجب؟"
فنتمسّك بطرف ثوبها، نرفع أعيننا إليها ببراءةٍ متوسّلة، فتبتسم ابتسامةً مُنهكة، ويمتلئ قلبنا بالدفء.
وما إن يطلّ من خلفها، حتى يضيء وجهنا جميعًا، ويعلو هتافنا بالفرح.
---

كان يقف على عتبة بيت حمدي، مترنحًا، كتفاه منكسرتان، وعصاه ترتجف.
رفع عينيه نحو الباب وطرق عدة طرقات خفيفة.

فتحت زينب الباب... شهقت من المفاجأة... صرخت في ذهول :
– "محمود… إيه اللي جابك بعد السنين دي كلها؟!"

في لحظةٍ تذكرت كل شيء.

مني وشاكر هرعا إليه...
صاحت منى وهي تبكي :
– "ادخل يا أبي، البيت بيتك."

أما حمدي، فظل واقفًا على العتبة، عيناه تقدحان شررًا، صرخ
– "أي بيت؟
بيتُ من؟!
البيت الذي تركه لأمي وحدها؟!"

تجمع الجيران ، أمام باب شقة حمدي.
: نساء بملابس البيت، رجال بجلابيبهم، أطفال نصف عراة بأقدام حافية.

قال أبي غاضبًا:
– "اتقِ الله يا حمدي! ….. وبالوالدين إحسانا
أمي أيّدت بحزن:
– " ارحم ضعف أبوك،وعجزه،الرحمة دلوقتي هي اللي حتُكتب في صحيفتك."

الجيران أيضًا هاجموا:
– "حرام عليك يا حمدي!"
– " أمك قلبها أبيض وأنت قلبك أسود !"
– "سيب الراجل يدخل خليه يعيش بينكم … ده خلاص كبر."

همس محمود في حزن:
– "أنا أبوك يا حمدي."

اقترب شاكر متوسّلًا:
– "سامحه يا أخي… لقد هرم، لم يعد أمامه إلا القليل... ما يبقاش قلبك زي الحجر.

لكن حمدي انفجر بصوتٍ ارتجّت له جدران السلم:
– "قلب حجر؟!
مَن صاحب القلب الحجري؟
أنا؟
ولا الرجل إللي افتكر فجأة أنه أب
ولا أنتم، يا جيراني الأعزّاء؟!

لما تشوف أمّك تبات جعانة، عشان احنا نشبع،
لما تشوفها تسهر الليل، ترقّع هدومنا المقطعة ،وتخيط أحذيتنا الدايبة… ساعتها لازم يتحوّل قلبك إلى حجر!

أمّي أطعمتنا بدموعها…
سَهرت على عيانا
باعت ذهبها،
ضيّعت أجمل سنينها في الشقاء والكدح والمرمطة…

سكت أبي لحظة ثم صاح:
– "الغفران يا ابني... سامح... أبوك
مهما عمل، له حق البر عليك."

لكن حمدي أدار وجهه نحوه بعينين دامعتين وصوتٍ جريح:
– "وأنا صغير، كان فين حقي عليه؟!
فين برّه بينا؟!
أمي، وهي ضهرها بيكسر عشان نكمل تعليمنا
كان هو مع مراته التانية؟"
الجيران صمتوا، طأطأوا رؤوسهم،
أمي دمعت عيناها، قالت:
– "وزينب… كانت مبتسمة على طول.
عمرنا ما شوفنا منها شكوى."

واصل حمدي وهو يختنق بالدموع:
– "ضحكي، وابتسامتي كانت بتداري حاجات كتير…"
قالت أمي :
– "في كل زيارة كنت بشوفكم سعداء… شاي وعصير وكحك وأحسن واجب ضيافة… حتى عيالك يا زينب على طول نضاف، مهندمين، شاطرين في المدارس، بيتك جميل مرتب… وانتِ في الحقيقة كنتِ بتعاني وعمرك ما شكيتِ لحد."

جلس محمود على الدرج، كأنه حجر انكسر.
مد يده المرتعشة نحو حمدي
لكنه صرخ:
– "رجعت ليه دلوقتي؟!
لما فلوسك خلصت وصحتك راحت؟
مراتك الثانية رمتك في الشارع… دلوقتي افتكرت ولادك اللي رميتهم
بسبب كرهك لأمهم....
ذنبها إيه الست دي ؟
إنها مش جميلة … طخينة، سمرا، دميمة…؟!
بتقرف منها… مش كده؟
إيه اللي حصل دلوقتي… إيه اللي اتغير؟!
دلوقتي معدتش بتقرف منها؟!
زمان هربت منها ورحت اتجوزت الصغيرة الحلوة
اهي الغندورة بتاعتك رمتك في الشارع، وطبعا ، قالت لك عيالك أولى بيك؟

في تلك اللحظة، غطّى الصمت المكان.
محمود أطرق رأسه، لم يجد كلمة يرد بها، بدا كطفل ضائع، عيناه زائغتان، يده المرتجفة تبحث عن سند.
همس بصوت مكسور:
– "غلطت… رميتكم… ضيّعت عمري وضيّعتكم معايا."
وانهار باكيا.

انفجرت زينب بالبكاء، ورفعت يديها للسماء:
– "يا رب شيل العمى اللي في قلب عيالي… واجعل لهم قلب لا يعميه الحقد."

أبي أطرق رأسه وقال بمرارة:
– "الظاهر إن إحنا كلنا عميان…"

أغلق حمدي الباب في وجوهنا جميعًا، و
"انطفأت أصوات الحارة فجأة، وصار السلم يعجّ بالهواء الخانق، بينما ظل الباب واقفًا بيننا، كأنه جدار من زمنٍ آخر."

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...