محب خيري الجمال - ضوء على هامش الوقت

(1)

أمشي على ظِلِّي
لا جهة تُسمّيني، ولا حائط يُقْسِم باسمي،
كلّ ما في الأمر أني وُلدتُ من عَطَسةِ ريحٍ
بين رَجَّتَيْنِ في رحمِ السُدُم،
ومذّاك، وأنا أزحف على قَصَاصاتِ اللّغة،
كأنني يتيمُ الأبجديةِ،
أنقّبُ في لهاثِ المفرداتِ
عن بُكاءٍ يصلحُ للكتابةِ،
وعن مجازٍ
لا يلتفتُ إذا مرّتْ بجانبه اللغةُ على عكازِها.
لم أكن شاعرًا...
كنتُ نُطْفَةَ خطأٍ
سَكَبتْهُ القصائدُ حين ضَجَّتْ أنوثتُها
من يأسِ الصّرفِ والنحوِ.
كنتُ جَنينَ صورةٍ معلّقةٍ
بين زنّارِ الأفعالِ وسُرَّةِ المجاز،
نَزَلْتُ للكتابةِ على قلقٍ
مثلَ سكينٍ طازجٍ في حنجرةِ النُطقِ.

(2)
لا أحدَ يسألُني: من أينَ جئت؟
ولا أنا أُجيدُ تأريخَ الضياعِ.
المدنُ التي مررتُ بها
كانتْ نُسَخًا باهتةً من جنائزَ تُطْرِقُ على نفسها،
تجرّ آلهتَها على عَرَبَاتٍ خشبيّةٍ
وتنثرُ الذِّكْرَ كالعُقْمِ فوق الشُّرفات.
كنتُ أراهم:
يُقَبِّلون وجوهَ موتاهم في نشراتِ الأخبار،
يتعشّون على حطبِ القصائد،
ويزرعونَ في بطونِ أطفالهم
أجنّةَ الرصاصِ،
ثم يَقولون:
هذا هو الوطنْ.

(3)
كنتُ أحاولُ أن أكتبَ دَمًا،
لا حِبرًا،
لكنَّ الأوراقَ كانت تخافُ النزيف.
أكحُّلُ سُطورِي بالجُرْحِ
فتبتسمُ الحُروفُ كأنّ بها مَسًّا من يَتَامَى،
أُطْعِمُ المجازَ من دَمِ مفاصلي
وأرقصُ على وزنِ الكارثةِ،
لا أَعرفُ بحورًا
غيرَ ذاك الذي غرقَ فيه أُوَيسُ القرنيّ
حين قَفزَ عن جَسَدِه في كِساءٍ من الرؤى.

(4)
في فمي عصفورٌ مشلول،
يُغرِّدُ بنَفَسِهِ الأخيرِ،
ويكتبُ وصيّتَهُ في سقفِ القصيدة:
"لا تدفنوني في وطنٍ يأكلُ طينَهُ أهلي."
تَمُرُّ العباراتُ خائفةً
كأراملَ الليلِ على جسدِ مُغتصَب،
وتحملُ الكناياتُ أحمالًا ثقيلة
كأنها أمهاتُ مُجندينَ عادوا بلا رأس.

(5)
في المقطعِ السابع من موتي
لم أكن قد مُتُّ بعد،
لكنني كنتُ أضعُ اسمي على شاهدةِ قَبرٍ
لم يجهزْ بعدُ،
أحملُ مِعولَ الشعرِ،
وأقْرَعُ به لغةَ الأرضِ،
علَّها تَنشقُّ لي عن لُغةٍ أخرى،
أقلُّ خيانةً،
أكثرُ جَمالًا
وأقلُّ تعقيدًا من هذا الإلهِ الذي
لا يُحسنُ الإنصاتَ لنداءاتي.

(6)
تَحُفُّني الصورُ كأفاعٍ خَدَرَها العطش،
تنزلقُ من بينِ سطوري،
تتربّى على جلدي،
وتُلقّنني أسماءَ الأشياءِ بالمقلوب:
الدمعةُ صخرة،
الصلاةُ فُجْرٌ مصلوب،
القصيدةُ فَخٌّ أملس،
واللغةُ...
حانةٌ يديرها قاتلٌ سابقٌ في المساء،
وفي الفجرِ يُدرّسُ البلاغةَ في الأكاديمية.

(7)
لا أطلبُ تأريخًا يُنسَبُ لي،
ولا مكانًا في رفوفِ الكتب،
ما أريدهُ فقط:
أن تُنسى هذه القصيدةُ كما يُنسى الدمُ في حذاءِ القتيل،
أن تُقرأ صدفةً
فتُشبه رصاصةً لم تُطلق،
لكنها -مع ذلك-
قتلتْ كلَّ شيء.
أنا…
الذي كَتَبَتهُ اللغةُ
حينما أرادتْ أن تنتحر
فأخطأتِ الطلقة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...