بتأففٍ وضع منديلًا ورقيًا مبلّلًا بعطرٍ أخّاذٍ على فمه وأنفه، وصاح: المتسوّلون في الخارج ينتشرون كالجراد! إنهم في كل مكان؛ يحتلّون الميادين، يحتمون بأرصفة الشوارع، يبيتون تحت الكباري، وفي مداخل العمارات الحديثة والبيوت القديمة، يفترشون الطرقات المؤدية لدور العبادة، يقتحمون حياتك، لهم جرأة عجيبة في هتك خصوصية المرء!
ثم توقف عن الحديث، وسحب كرسيًّا يجاورني، جلس وقال: أتعرف؟
نظرتُ إليه بغير اكتراث، كأنما أقول له: هات ما عندك.
فأكمل قائلًا: بالأمس كنت مع رفيقة درب، امرأة تحمل كل نقائض الحياة:
دلال وخشونة،
رقة وحدّة طبع.
وجهٌ يخلو من أيّ تعبير، غير أن نظرة عينيها الساحرتين تخبران الناظر إليها بأن بداخلها قدرًا غير قليلٍ من براءةٍ وسذاجة.
مثقفةٌ ذائعة الصيت، غير أنها تهوى من يقرأ لها فنجانها ويخبرها بالغيب كهانةً.
كنا نشرب القهوة معًا، نتبادل الحديث، لا أنكر أن قدرتي على جذب الانتباه أقوى، بل أحيانًا بغلظة، لكنه عنفٌ مستحبٌّ عند الأنثى، تطرب نفسها إليه.
في خضمّ حوارنا الدائر بيني وبينها بالأعين تارة، والهمس أحيانًا، قاطعني صوتٌ أجشّ، كهلٌ يقترب من الستين، قال بجفاءٍ كأنما يصدر أمرًا يجب عليّ تلبيته في التو: لله يا بيه.
ثم عبس وتجهّم، وقال: لقد غابت الضحكة عن فتاتي، تحجّجت بمشاغل وراءها لتفرّ مني، والسبب هو ذلك المأفون!
وحين أعرضتُ عنه وأشحت وجهي للجهة الأخرى، تلقّفتني عجوزٌ ترفل في سوادٍ كالح، تتصنّع رقةً لا تناسبها، قالت وهي تنحني أمامي بتذلّل:
ـ حسنة لله، ربنا يخلي لك الهانم.
قبل أن يعلو صوتي وأردّ عليها، عاجلني طفلٌ يتسنّد على كتف رفيقه، ملابسهما مهلهلة، مدّا أيديهما في صمتٍ، فأعرضتُ عنهما في صمتٍ مقابل.
قلت: الحال ينحدر بالناس من سيّئٍ لأسوأ، والعيشة أصبحت صعبة على كثيرين.
تنهّد الرجل، وقال مخاطبًا نفسه بصوتٍ مسموع: تُرى من أين أتت جيوش المتسوّلين هذه؟!
ولما أدرك أنني لن أجيبه على سؤاله، استأنف قائلًا: أخشى أن يأتي يومٌ يحتلّون فيه البلد.
قلت: سيأتي هذا اليوم أقرب مما تتصوّر.
ردّ ببرودٍ: أكره رؤيتهم، بخاصةٍ في مطلع يومي. حين ألمح أحدهم يصيبني توتّرٌ يستمرّ معي حتى آخر الليل.
تعمّدتُ أن أثير غضبه، فقلت: لعلّهم كذلك، ربما يكرهونك بقدر كراهيتك لهم أيضًا. أزعم أنني أصبت هدفي، إذ استشاط غضبًا، ونفرت عروقه، وقال بلهجةٍ لم تخلُ من جزع: بات المرء يخشى على حياته في هذه البلد! هل من مفرّ؟
قلت: أتهرب من قدرٍ لآخر ينتظرك في أي بلدٍ آخر؟
كان صوته يقترب من الصراخ وهو يقول: أخاف من المتسوّلين، أرى في أعينهم شراسةً غريبة، توسّلاتهم لا تخلو من تهديداتٍ خفيّةٍ وحقدٍ ظاهرٍ في الأعين!
قلت وأنا أغادره بعدما أوصلتُ رسالتي له: هم أيضًا يخشون أمثالك، يرجون يومًا لا يرونكم فيه.
ـ بحنقٍ، قال: من تقصد؟
قلت: الهِكسوس الجُدد، الذين يحتلّون كل شيءٍ الآن في البرّ والبحر والجوّ.
ـ الهِكسوس؟!
قلت: نعم... أولئك الذين تسلّلوا، بتعبير الشاعر، كالنمل من عيوننا، أحكموا سيطرتهم على كل شيء... غير أننا ننتظر "كاموس" وأخاه "أحمس"، وأجزم أننا سوف ننتظر كثيرًا.
ثم توقف عن الحديث، وسحب كرسيًّا يجاورني، جلس وقال: أتعرف؟
نظرتُ إليه بغير اكتراث، كأنما أقول له: هات ما عندك.
فأكمل قائلًا: بالأمس كنت مع رفيقة درب، امرأة تحمل كل نقائض الحياة:
دلال وخشونة،
رقة وحدّة طبع.
وجهٌ يخلو من أيّ تعبير، غير أن نظرة عينيها الساحرتين تخبران الناظر إليها بأن بداخلها قدرًا غير قليلٍ من براءةٍ وسذاجة.
مثقفةٌ ذائعة الصيت، غير أنها تهوى من يقرأ لها فنجانها ويخبرها بالغيب كهانةً.
كنا نشرب القهوة معًا، نتبادل الحديث، لا أنكر أن قدرتي على جذب الانتباه أقوى، بل أحيانًا بغلظة، لكنه عنفٌ مستحبٌّ عند الأنثى، تطرب نفسها إليه.
في خضمّ حوارنا الدائر بيني وبينها بالأعين تارة، والهمس أحيانًا، قاطعني صوتٌ أجشّ، كهلٌ يقترب من الستين، قال بجفاءٍ كأنما يصدر أمرًا يجب عليّ تلبيته في التو: لله يا بيه.
[HR][/HR]
ثم توقف الرجل عن حكايته، عبث في جيوبه، أخرج علبة مارلبورو، أشعل سيجارة، سحب نفسًا قويًّا، كتمه برئتيه قليلًا، ثم أخرجه دفعة واحدة من الدخان، وأكمل حديثه: لقد أخرجني هذا المتسول من حالتي المزاجية! أتعرف؟ أنا أنفق على مزاجي أكثر مما أصرف من مالٍ على طعامي وشرابي، فالمرء دون مزاجٍ معتدل لا قيمة للحياة في نظره.ثم عبس وتجهّم، وقال: لقد غابت الضحكة عن فتاتي، تحجّجت بمشاغل وراءها لتفرّ مني، والسبب هو ذلك المأفون!
وحين أعرضتُ عنه وأشحت وجهي للجهة الأخرى، تلقّفتني عجوزٌ ترفل في سوادٍ كالح، تتصنّع رقةً لا تناسبها، قالت وهي تنحني أمامي بتذلّل:
ـ حسنة لله، ربنا يخلي لك الهانم.
قبل أن يعلو صوتي وأردّ عليها، عاجلني طفلٌ يتسنّد على كتف رفيقه، ملابسهما مهلهلة، مدّا أيديهما في صمتٍ، فأعرضتُ عنهما في صمتٍ مقابل.
[HR][/HR]
ثم سأل: الآن، ما رأيك في هذه الظاهرة؟قلت: الحال ينحدر بالناس من سيّئٍ لأسوأ، والعيشة أصبحت صعبة على كثيرين.
تنهّد الرجل، وقال مخاطبًا نفسه بصوتٍ مسموع: تُرى من أين أتت جيوش المتسوّلين هذه؟!
ولما أدرك أنني لن أجيبه على سؤاله، استأنف قائلًا: أخشى أن يأتي يومٌ يحتلّون فيه البلد.
قلت: سيأتي هذا اليوم أقرب مما تتصوّر.
ردّ ببرودٍ: أكره رؤيتهم، بخاصةٍ في مطلع يومي. حين ألمح أحدهم يصيبني توتّرٌ يستمرّ معي حتى آخر الليل.
تعمّدتُ أن أثير غضبه، فقلت: لعلّهم كذلك، ربما يكرهونك بقدر كراهيتك لهم أيضًا. أزعم أنني أصبت هدفي، إذ استشاط غضبًا، ونفرت عروقه، وقال بلهجةٍ لم تخلُ من جزع: بات المرء يخشى على حياته في هذه البلد! هل من مفرّ؟
قلت: أتهرب من قدرٍ لآخر ينتظرك في أي بلدٍ آخر؟
كان صوته يقترب من الصراخ وهو يقول: أخاف من المتسوّلين، أرى في أعينهم شراسةً غريبة، توسّلاتهم لا تخلو من تهديداتٍ خفيّةٍ وحقدٍ ظاهرٍ في الأعين!
قلت وأنا أغادره بعدما أوصلتُ رسالتي له: هم أيضًا يخشون أمثالك، يرجون يومًا لا يرونكم فيه.
ـ بحنقٍ، قال: من تقصد؟
قلت: الهِكسوس الجُدد، الذين يحتلّون كل شيءٍ الآن في البرّ والبحر والجوّ.
ـ الهِكسوس؟!
قلت: نعم... أولئك الذين تسلّلوا، بتعبير الشاعر، كالنمل من عيوننا، أحكموا سيطرتهم على كل شيء... غير أننا ننتظر "كاموس" وأخاه "أحمس"، وأجزم أننا سوف ننتظر كثيرًا.