المنام: 21
رأيتُ في منامي:
أنّي أوقفت عربتي غير بعيد من مسجد اليمامة الأثري*، قريباً من بيت صديقي (ع) الذي توفي والده البارحة، وترجلت قاصداً تقديـم واجب العزاء.
دخلت مـجلس العزاء فانتبهت لثوب والده الأصفر الـمتسخ وقد عُلّق على مشجب خشبي جانب التلفاز الـمُطفأ، والـمُعزّون يتراشقون بلوم غير مفهوم، عندها نـهض صديقي (ع) والتقط ثوب والده وجرى به إلى حاوية النفايات الرمادية الكبيرة الـمقابلة لبيتهم، وألقاه فيها بين ركام غير قليل من نفايات أهل الـحي، وَقَفل عائداً.
فجأة سـمعنا صريراً عالياً لإطارات عربة مُسرعة، فخرج الـمعزون ليجدوا صديقي (ع) قد سقط ميتاً، ومراهق أبرص الوجه يقف يسار الـحاوية مُـنتشلاً الثوب ويده مدسوسة في جيبه الأيسر.
المنام: 22
رأيتُ في منامي:
أنّي دخلت بيتنا الطيني القديـم** غرب حي العزيزية، وطفتُ بـحجراته ومـمراته وباحته الصغيرة، ثـم صعدت الطابق الثاني وطفت بغرفه وشرفاته، وهناك في غرفة شرقية عثرت على جِرَار زجاجية طويلة الأعناق مـملوءة إلى نـهايتها ماءً بارداً، وغير بعيد عنها وُضِعَت قدور أُترعت زيتاً تسبح فيه عناكب سود كثيرة، ثم تراجعت وأتـممت طوافي حتى صعدت إلى السطح، وراقبت من أعلاه امتداد الـحي لأرى مزارع النخيل الباسقة بـمد النظر، ومن خلفها تقوم عشر هضاب متباينة تغطيها صخور بركانية صغيرة يلوح عليها ما يشبه الدخان.
المنام: 23
رأيتُ في منامي:
أَنّي أمشي بـخطىً بطيئة بين بيوت حيّ قديـم أعرفه، وخفقات قلبي تتصاعد ثـم تـهدأ ثـم تعود وتتصاعد، رأيت مئات الوجوه التي تعرفني وأعرفها من قبل، تداخلت نداءاتـهم الـمتحشرجة، وبعضهم سـمعت استغاثته الثقيلة، وجُـملٌ غاضبة، وأخرى ساخرة، وأصوات خليطها من الضحك الصارخ والبكاء الـمُر.
لاحقتني الوجوه ذاتـها، وأنا بالكاد أقتلع قدمي من طينٍ داكنٍ ثقيلٍ يُـمسك بـهما، رأيت نفسي وقد وقفت نـهاية الـحي، وعلى طرفه الأيـمن وُضِعَت طاولة قصيرة، إحدى قوائمها ربطت بسلك كهربائي، وطرف سلك آخر يلتف حولـها، فكرت بالـمتابعة هرولة والـخروج من الـحي سريعاً، انتبهت لكائن لزج في يدي، فككته فسقط واختفى. قاسيت ضجيجاً يـجيء من خلفي ولا أرى أصحابه، وعادت الأصوات ذاتـها، فهرولت نـحو الطاولة وركلتها بقوة فسقطت، وسقطتُّ من بعدها بأمتار.
قصص مختارة من مجموعتي القصصية:
منامات نوح عبدالرحيم وأحواله ــ 2024م
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*مسجد اليمامة الآثري: الأكبر بعد الـحرمين الشريفين وبُني في العصر العباسي.
** بناه جدي لأبي من الـجص والطين في الستينيّات الـميلادية، وفيه نشأت عائلتنا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ماجد سليمان، أديب سعودي
صدر له حتى الآن أكثر من 20 عملاً أدبياً
تنوَّعت بين الشعر والرواية والمسرحية والقصة وأدب الطفل.
رأيتُ في منامي:
أنّي أوقفت عربتي غير بعيد من مسجد اليمامة الأثري*، قريباً من بيت صديقي (ع) الذي توفي والده البارحة، وترجلت قاصداً تقديـم واجب العزاء.
دخلت مـجلس العزاء فانتبهت لثوب والده الأصفر الـمتسخ وقد عُلّق على مشجب خشبي جانب التلفاز الـمُطفأ، والـمُعزّون يتراشقون بلوم غير مفهوم، عندها نـهض صديقي (ع) والتقط ثوب والده وجرى به إلى حاوية النفايات الرمادية الكبيرة الـمقابلة لبيتهم، وألقاه فيها بين ركام غير قليل من نفايات أهل الـحي، وَقَفل عائداً.
فجأة سـمعنا صريراً عالياً لإطارات عربة مُسرعة، فخرج الـمعزون ليجدوا صديقي (ع) قد سقط ميتاً، ومراهق أبرص الوجه يقف يسار الـحاوية مُـنتشلاً الثوب ويده مدسوسة في جيبه الأيسر.
ثم استيقظتُ من نومي
* * *
المنام: 22
رأيتُ في منامي:
أنّي دخلت بيتنا الطيني القديـم** غرب حي العزيزية، وطفتُ بـحجراته ومـمراته وباحته الصغيرة، ثـم صعدت الطابق الثاني وطفت بغرفه وشرفاته، وهناك في غرفة شرقية عثرت على جِرَار زجاجية طويلة الأعناق مـملوءة إلى نـهايتها ماءً بارداً، وغير بعيد عنها وُضِعَت قدور أُترعت زيتاً تسبح فيه عناكب سود كثيرة، ثم تراجعت وأتـممت طوافي حتى صعدت إلى السطح، وراقبت من أعلاه امتداد الـحي لأرى مزارع النخيل الباسقة بـمد النظر، ومن خلفها تقوم عشر هضاب متباينة تغطيها صخور بركانية صغيرة يلوح عليها ما يشبه الدخان.
ثم استيقظتُ من نومي
* * *
المنام: 23
رأيتُ في منامي:
أَنّي أمشي بـخطىً بطيئة بين بيوت حيّ قديـم أعرفه، وخفقات قلبي تتصاعد ثـم تـهدأ ثـم تعود وتتصاعد، رأيت مئات الوجوه التي تعرفني وأعرفها من قبل، تداخلت نداءاتـهم الـمتحشرجة، وبعضهم سـمعت استغاثته الثقيلة، وجُـملٌ غاضبة، وأخرى ساخرة، وأصوات خليطها من الضحك الصارخ والبكاء الـمُر.
لاحقتني الوجوه ذاتـها، وأنا بالكاد أقتلع قدمي من طينٍ داكنٍ ثقيلٍ يُـمسك بـهما، رأيت نفسي وقد وقفت نـهاية الـحي، وعلى طرفه الأيـمن وُضِعَت طاولة قصيرة، إحدى قوائمها ربطت بسلك كهربائي، وطرف سلك آخر يلتف حولـها، فكرت بالـمتابعة هرولة والـخروج من الـحي سريعاً، انتبهت لكائن لزج في يدي، فككته فسقط واختفى. قاسيت ضجيجاً يـجيء من خلفي ولا أرى أصحابه، وعادت الأصوات ذاتـها، فهرولت نـحو الطاولة وركلتها بقوة فسقطت، وسقطتُّ من بعدها بأمتار.
ثم استيقظتُ من نومي
قصص مختارة من مجموعتي القصصية:
منامات نوح عبدالرحيم وأحواله ــ 2024م
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*مسجد اليمامة الآثري: الأكبر بعد الـحرمين الشريفين وبُني في العصر العباسي.
** بناه جدي لأبي من الـجص والطين في الستينيّات الـميلادية، وفيه نشأت عائلتنا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ماجد سليمان، أديب سعودي
صدر له حتى الآن أكثر من 20 عملاً أدبياً
تنوَّعت بين الشعر والرواية والمسرحية والقصة وأدب الطفل.