محمود حمدون - الزيارة الأخيرة لعنترة

وممّا قاله "عنترة العبسي" ولم أعقله منه حينما عُدته في أخريات أيامه — لعلمي أن الخرف يؤثِر صحبة الرجال في نهايات أعمارهم:

-إن تملّكني الحنين إلى "عبلة"، أنطلق بسيارتي العتيقة إلى مغسلة على أطراف المدينة، أضع العربة بين أيدي الصبية هناك، يعملون فيها إرادتهم وصنعتهم.

لكن تمنعني شيخوختي من الوقوف طويلًا لمتابعتهم، كعادتهم يرأفون بي ويحضرون كرسيًا خشبيًا صغيرًا، أقعد عليه ثم أظل فترة أنقل عينيّ بينهم وبين سيارتي، شاشة هاتفي السوداء، قد أفيق حينما تهب نسمة لطيفة، أو تعوي جراء في الجوار، أو تموء هررة، ومنها ما يقترب ناحيتي بحذر، منهم من يتمسّح في ساقيّ كأنما يعرفني من بعيد...

ثم توقف "عنترة" قليلًا... قلت لنفسي وأنا أتمعن في وجهه أبحث عن لحظة التوهج التي تسبق الانطفاء: لعل "عنترة" يغفو أو ينازع أو يتذكر بعضًا من ماضيه المجيد. ظللت فترة أتمعن في وجهه، تغيّرت هيئته كثيرًا، لم يعد الفارس الذي قرأت عنه، نال المرض منه، يوشك أن يرحل عن عالمنا...

لكنّي — على العموم — لم أصدّق من قبل عنترة، فالشعراء أعرف عنهم أنهم يقولون ما لا يفعلون، لذلك مسحت براحة يدي جبهته الملتهبة من أثر الحمى، همست في أذنه:

- لعلك تتوهم ما لم يحدث؟

-أو ربما هي تلك الرؤى الضبابية التي تصحب المغادر للآخرة؟

لكن الشيخ أمسك عن الكلام، رفع جزعه بوهن، أدار بصره حوله، ثم التفتَ إليّ، سألني: -من أنت يا رجل؟

- كأنك تشبه "عمارة الزيادي" خصمي اللدود. ثم ألقى رأسه على الوسادة، عبثت أصابعه بضعف تحت وسادته، جاهد بيأس أن يصل إلى سيفه...

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...