محمد محمود غدية - خلف النافذة...

يرى العالم من فوق
مقعده المثبت خلف نافذة
لا تغلق، الا ساعات النوم،
لا احد يقدر على زحزحة المقعد من مكانه،
عيناه تقفزان من محجريهما مثل كرة تتدحرج، تدق الأبواب والنوافذ وتفتحهما دون استئذان،
تلك الجميلة المعجونة بالقشطة فى لون سنابل القمح، ذات عينين سوداوين، دأبت هى الأخرى على النظر اليه، وقد اختفى نصفها خجلا، خلف ستار شفيف من الوجد، هى ابنة لرجل يقرأ
فى جريدة أغلب الوقت، وقد تدلت نظارة القراءة على أنفه
موشكة السقوط،
خلف نافذة القطار،
يتسلى فى اغواء العابرين، يعيش الوحدة بعد وفاة
زوجته وزواج الابناء والبنات وتباعدهم، اكتملت الوحدة والوحشة فى خروجه للمعاش، يريد امرأة تقاسمه مهجة انسامه الدافئة، تخلصه من قشوره الصلدة، ثم تطحنه وتعجنه وتلتهمه، يخاطب الليل الذى طال مكوثه،
وأنس المقام عنده أن يغادره،
دون جدوى؛
مسحور ومأسور بصاحبة العينين السوداوين،
التى بادلته الابتسام،
ليست مثل النساء الداهنات وجوههن بطلاءات تخفى اعمارهن الحقيقية، رفض
ان يصبغ شعره، فخور بسبائك الفضة التى تزين رأسه كتيجان الملوك، لديه يقين ان لكل سن جمالها، يحتاج لبعض الأجنحة المعينة على التحليق ليقترب اكثر، يشبع النظر ويعيش الحالة والاحتواء والغواية، بعد ان
مل اشتياقه الساكن،
وباتت الرؤية شحيحة
لا يستطيع معها تمييز
الصورة والحركة، بالاضافة لحرمانه سماع موسيقات همس الشفاه والنجوى،
يصرخ وينادى رفقة الزمن، وفرحة الروح المتيبسة،
ونور الايام الحالكة ؟
فى ضربة مفاجأة حطم المقعد و أغلق النافذة،
بعد احساسه انه كان يلامس الفراغ، ويعيش داخل فقاعة كبيرة، تعزله عمن حوله، صمت مطبق مقبض، وسط هالة من ضباب مصفر غير صاف،
اختار المقهى والجريدة، واصحاب جدد، ليسوا فى جودة القدامى، زهر وقرقعات الطاولة، وصراخ شيش جوهار والدش،
حتى كان يوما، ابصر سوداء العينين، تتبضع فى السوق القريب من المقهى، فعاجلته
بطلقة من عينيها، ليترك المقهى وينسحب خاسرا العشرة طاولة، لم تكن
هناك اجنحة تعينه على
التحليق، وانما ثرثرات
عرف فيها ان قطار الزواج
لم يمر بدارها،
ضحك قائلا : ان قطار الزواج
مر بداره ودهسه، وهو ارمل، رأى من النساء الكثيرات، ولشقوته وقع عليها اختياره .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...