إبراهيم الديب - رائحة الشواء...

اطوي احد شوارع الاسماعيلية تحت قدمي أثناء إحدى مأمورياتي :فداهمتني رائحة شواء لا تقاوم، لعل ما زاد من تأثيرها وتفاعل معدتي وغريزة الجوع معها : ارجائي تناول الطعام حتي انتهي ما يتوجب على انجازه قبل تسرب ساعات النهار ، صارفا نظري عن أمر الشواء ورائحته، ولكن دون شعور مني وجدت نفسي مشغولاً بالبحث عن المطعم الذي صدرت منه الرائحة وقام بإرسالها لأنفي فواصلت البحث عن المصدر بشغف شديد ، مثلما سرت في طرق عدة أكثر شقاء مما أسير فيه الان وأشد منه وعورة أثناء بحثي عن أجوبة: لتساؤلات عقلي فأخذت اعب من معارف شتي ولكنها كانت مجرد شرارة بأنه يتوجب عليك أن تواصل سعياً بلا سقف لتحصيل المعرفة وستكتشف انك كلما توغلت وازددت إلتهاما لما سطر في بطون الكتب ستقف خلالها على سر نفسك أن؛ عقلك أصبح أكثر جوعا من ذي قبل..
احساس غريزي أن كل خطوة من قدمي تقربني من المطعم وقلت في نفسي لقد استطاعت الرائحة سحبي خلفها فما بال الشواء نفسه، كنت في هذه الفترة من العمر شديد الحساسية والمثالية فكل شيء ف كل ما امارسه ممارسته فى :اللعب الصداقة, العمل, الطعام , حريص على أن تكون ممارسته بصورة مثالية لا يخصم منه شيئاً ، كانت نظرتي للحياة في مقتبل العمر: رومانسية جميلة حالمة ، قبل قيام الأيام بخصم الكثير من كل ما كونته عن أفكار مثالية تم نسفها من الواقع قبل اغتياله الكثير من أحلامي ،ثم كان عبثاً من الحياة بي، ولم اتورع أنا عن العبث بها .
أصبحت أمام المطعم ، بابه مزين بأحبال من أعلى لأسفل ،مطرزة بالخرز الملون، ففرقت بين حباله بيدي وهممت: بالدخول وإذا بكائن عملاق على هيئة بشري:يرتدي جلبابا فضفاضا مد ذراع له قريباً من جذع شجرة ثم اطبقه على: رقبتي جامعا ياقة الأفرول والزراير وجذبني بشدة لتصطدم رأسي ببطنه الرجراجة، كان وجهي يعلو سرته مستقرا أعلى بطنه ،أما رأسي الذي كان في ارتفاع وهبوط فسببه شهيق العملاق وزفيره ،ثم نظرت لوجهه فاتحا نصف عين واحدة لاستكشاف الامر والوقوف على سر هذا الكائن،وماذا يريد مني .؟
فقام بسؤالي علة الفور ماذا تريد؟ فقلت بتلعثم:
ـ تناول الطعام فقال بقرف ونظرة متوعدة ولهجة مهددة بعد ابعادي عن كرشه للخلف تسمح بتلاقي نظراتنا:
- اسمع يا دفعة :هنا مطعم كباب وكفته ثم رفعني بذراعه فوجدت نصفي الاعلى بداخل بالمطعم إلا قيلا، وظل العملاق وبقيتي على بابه، وبلهجة آمرة :
- ان كنت تريد طعاما، وهو يدور ويلف بي في اتجاه معاكس وما زال الأفرول والزراير في قبضة يده ومعهما رقبتي وأنا معهم ،ثم مشيراً على: مطعم فول وطعميه : فعليك بالذهاب لتناول الطعام قبل نفاذ صبري معك فقلت :
- أعرف أنه مطعم كباب وكفته فلم يعد الأمر بالنسبة لي مجرد رغبة في تناول الشواء الذي جرجرتني رائحته لهنا قدر ما هو دفاع عن كرامتي المهدرة، فقمت بإخراج الكرنيه المحشور في جيب السترة الملتصق بكرش العملاق بصعوبة لطغيان حدود الرجل على بعضها البعض لترهل لحما وشحما أخفى رقبته وجزء قفصه الصدري، بعد ظهور الكرنيه في يدي شاهد العملاق ورقة نقدية من فئة العشرة جنيهات تطل من تحت جلدة تحفظه فلمعت عينه بفرح كشيخ منسر حظي بالعثور على ضحية وفريسة بلهاء.
ثم لف بي مرة أخرى، أقوى و أشد من سابقتها ، ولكن هذه المرة بداخل المطعم الذي يملكه ووجدت نفسي اجلس على طاولة ،من يشاهد هيئة العملاق من الخارج تخبر عن عمدة، أو وجيه من أثرياء الريف.. ولكنك إذا أمعنت النظر فيه أكثر سترى ابن ليل ،و قاطع طريق، ولص قديم ، وضع أمامي الطعام الذى كنت صرفت النظر عن تناوله أثناء عملية خنقي و رجرجتي على كرشه ، ولكن غريزة الجوع غلبت على احساس الثأر لكرامتي ،و وجدتني مستغرقا بين وحدات المضغ والبلع والهضم ملبي نداء المعدة بانسجام وتناسق ....ثم نادي العملاق على الجرسون وأشار ناحيتي أسأل البيه إذا كان في حاجة لشيء، وكان يقصدني. !
*******

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...