د. محمد الهادي الطاهري - رحلة عجيبة

حدّثوه عن صبيّة في سنّ الزواج تبعد عنه بضعة أميال فعقد العزم على خطبتها من أبيها. كان قد جرّب الخطبة مرّات عديدة ولكنّه لم ينجح. كان طلبه مرفوضا لأسباب عدّة : لأنّه أصغر إخوته، لأنّه يتيم لا أب ينوب عنه في مثل هذه المراسم، ولا أمّ له تلتقط الأخبار وتعدّ العدّة قبل طرق الأبواب، لأنّه كان راعيا يقضي أغلب أيامه في سفوح الجبال. في الطريق إلى منزل أبيها كان الوقت صيفا، وكانت الأرض التي يدوس عليها كثيفة الغبار، وكان على رأسه مظلّة عريضة تغطّي كتفيه، وفي يمينه عصا غليظة. لم يشأ أن ينظر في الطريق الممتدّ أمامه كي لا يستثقل السير فيه واختار أن يصبّ نظره على الأرض التي يدوس عليها فوجد نفسه في هيئة المُطرق تمور الخواطر في صدره ورأسه فلا تستقرّ. وتثاقلت خطواته فصار يترنّح. لذّة غريبة سرت في جسده وحرّكت لسانه بنغمات بدوية عذبة فمضى يدندن بصوت غير مسموع. استعذب مشيته الثقيلة ونغماته العذبة وراح ينقر الأرض بعصاه الغليظة كأنّه يبحث عن إيقاع يناسب خطواته ونغماته، وتسارعت نقرات العصا على الأرض فثار غبارها وتشكّلت منه غيمة خفيفة أحاطت به من كل ناحية. لم يعد للطريق حضور في ذهنه، ومضى يطويه دون شعور والغيمة يزداد ظلّها فوق رأسه ولا شيء هناك غير نقرات العصا الغليظة على الأرض اليابسة وتدويم في الرأس ولذّة تسري. ساعات مضت والراعي يقطع الطريق بالنقر والغناء وغيمة الغبار. صبيان شاهدوا الغيمة الكثيفة وسمعوا نقرا لطيفا وغناء خفيفا فولوّا مذعورين يحسبون الجنّ فيها. وتصايحوا فخرج المزارعون من أكواخهم يستطلعون فهالهم الأمر وولّوا هاربين.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...