إبراهيم محمود - الكُرَة في مرماك... نص

مسكونٌ بداء مزمن من قولة
" الكرة في مرماك "
لا أدري ما صفة هذي الكرة لأسمّيها كرة
لا أدري ما جهة هذا المرمى لأشير إليه مرمىً .
صغيراً كنت أتحسر على جسم كروي أدحرجه
وأدحرج معه طفولتي
يؤانس كلٌ منا الآخر
كرة بالونية، قماشية، حجرية.. لا فرق..الألفة قاسمنا المشترك
تتدحرج نحوي قبل ملامستها
وتشاركنا الجهات الأربع براءتنا من دون مرمى
الجهات مرمانا كانت
يا هذه الكرة الدائرية حباً
ليتدحرج عمر بي وبالكرة
لا أعود أنا ذاك، ولا الكرة تلك
صرتُ خيالاً مقصياً عني
صارت الكرة عمراً غفل الاسم
هاهي القطيعة بيني وبين الكرة
صرتُ الآخر الآخر مني:
من كنتُ، ومن أكون أنا؟
ماذا كانته الكرة، ومن تكون تلك
في قولة: الكرة في المرمى التبس الاسم على المسمى
صار الأبغض من الأبغض لي لحظة سماعي: الكرة في مرماك
يا هذا الطفل الذي كنته
هلّا تشهد لي قليلاً بما كنته؟
يا تلك الكرة الأهلية التي حفظتني عن ظهر قلب
هلّا تشهدين لنفسك قليلاً بما لا تكونيه؟
لا يعد هناك من تفريق بيني وبين الكرة
بيني وبين المرمى
من أين جيء بكرة مثقلة بالشبهات
بمرمى ملغوم بالترهات
صيّرت الكرة كثيراً
كيف أدحرج هكذا؟
صيرتُ المرمى كثيراً
كيف أُنصَب هكذا كثيراً؟
***
إن زل لسان: الكرة في مرمك
إن نبتْ خطوتك: الكرة في مرماك
إن رمشت عينك: الكرة في مرماك
إن أظهرت ابتسامة: الكرة في مرماك
إن مددت يداً زاهدة: الكرة في مرماك
إن آزرت طائراً جريحاً: الكرة في مرمان
إن تهجأت شكراً: الكرة في مرماك
بشر كرَات
بشر مرام ٍ
كرات مرام وبالعكس
كيف لهذا الأمر بغير حساب
متى أعرفني كرة
متى أعرفني مرمى
هو حساب من لعبة هندسة الكرات والمرامي
***
إن قلتُ : وطناً، فثمة شبهة في النية
إن قلت: شجرة، فثمة شبهة في المعنى
إن قلت: نهر، فثمة شبهة في الغاية
إن قلت، بحر، فثمة شبهة في التعبير
إن قلت: أفق، فثمة شبهة في الرمز
إن قلت: جهات، فثمة شبهة في التدبير
إن قلت: أمي، فثمة شبهة في التكوين
إن قلت: أبي، فثمة شبهة في التنسيب
إن قلت : حياة، فثمة شبهة في المفهوم
إن قلت: موت، فثمة شبهة في الآخر
إن قلت" اسمي، فثمة شبهة في الجنس
***
يسألونني: من أنت؟
أرد:ليتكم تسمونني
يسألونني: اسمك
أرد: ليتكم تسمعونني إياه
يسألونني: ما عمرك؟
أرد: ليتكم تحددونه
يسألونني: من أين أنت ؟
أرد: ليتكم تعلِمونني
يسألونني: ما جنسيتك؟
أرد: ليتكم تذكّرونني بها
يسألونني: ماذا تعمل؟
أرد: ليتكم تخبرونني
يسألونني: ما دينك؟
أرد: ليتكم تتهجونه
يتردد صوت مدوّ:
أخذوه إلى " تحت " ليستيقظ
***


يا وطناً أكبر من أكبر مما أتصور
يا وطناً أوجع من جرح غائر فيما أتفكر
يا وطناً أعلى من أعلى مما أتخيل
يا وطناً أخفض من ظل فيما أرى
يا وطناً ما كنت سواه لولاه
يا وطناً ما عدتُ إياه ولا حتى سواه
كم وطناً بُثَّ لتكون الغريب علي باسمك
كم إنساناً طُعِن فيّ لأنفيك عقِب سيجارة
من أي كرة خرجت وفي أي مرمى تختفي؟
بأي كرة أقدَّم، ولأي مرمى أوجَّه ؟

***
هأنذا على أعتاب السبعين
ولم أعش في حسابي الأنسي سبعين يوماً
خارج منطقة" الكرة في مرماك "
كيف يقاس عمر، حياة، موت، بمعيار: الكرة في مرماك ؟
أسأل ما لو الوطن
كي أودعه وجهي في الحال
أسأل ما صوت الوطن
كي ألبسه صوتي من دون تردد
أسأل ما طعم الهواء لأؤنس روحي
أسأل ما لحن الليل الساكن لأّذيبه في كأس خيالي
أسأل ما إعراب البحر لأهذب قواعد وجودي
أسأل ما هندسة الأرض لتستقيم قامتي دون تعثر
أسأل ما سورة السماء، لأفتتح بها يومي كل صباحي
أسأل ما بذرة الصواب لأضيء غابة أفكاري
أسأل ما نطفة الحب لأمنح قلبي معنى
أسال ما أصل الحق، لأهتدي إلى حياتي
***
كم ساءلت الوطن عمّن يكون فأبكى واستبكى
كم ساءلت الحياة عمن تكون فسقطت مغشية عليها
كم ساءلت الموت عن يكون، فانذهل في الحال
كم ساءلت الماء عما يكون فغارت عيناه
كم ساءلت التربة عما تكونه فاختفت الأشجار
كم ساءلت الطريق عما يكون فتداخلت الجهات
كم ساءلت الحجر عما يكون فتشظى في مكانه
كم ساءلت شرطي السير عمن يكون فتجلطت صفارته
كم ساءلت السماء عما تعنيه فانبرت سواداً دبقاً
كم ساءلت الله عمن نكون فامتلأ الكون عويلاً
والكرة لا تزال في المرمى
لا أحد مستثنى من داء مزمن في قولة :
الكرة في مرماك

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...