إبراهيم محمود - هو ذا الحمار..



ليس بيني وبين الحمار أي صلة رحْم
سوى أننا ننتمي إلى الحياة نفسها
" أيقلقكم هذا التنسيب المشترك؟"
سوى أنه محافظ على اسمه حماراً مذ كان
حماراً ما بقيت الحياة
سوى أنني لا أستطيع توصيف أي إنسان أنا
وأنا في خضم إنسانيات تداخل فيها الحابل بالنابل
يمكنني- فقط- أن أضع بعض النقاط لإنارة اسمه
ومن خلال الحمار الذي ينفر منه الكثيرون
وماالذي يستثيرهم ما أن يؤتى على ذكر اسمه
وفي قولة "الحمار- حاشا "
لا تواطؤ بيني وبين الحمار لأجعله موضوعاً لي
ولم يرشِني الحمار لأقول فيه ما ليس فيه
كما هو حال الكثيرين ممن يقولون في أنفسهم
وممن يقول فيهم الآخرون فيهم ما ليس في الاثنين
ما يصلني بالحمار هو ثراء تاريخه
هو " رفعته " في الوقت الذي يُشدَّد على سخفه
ثمة اعوجاج خُلُقي وربما غيرة معتَّم عليها تجاهه من قبل الكثيرين
ليجدوا في الحمار ما يغطون بهم على أنفسهم
لأبدأ إذاً:
هل رأيتم كائناً حياً صريحاً مثل الحمار:
ينهق مهما يشاء" طبيعته التي يعرَف بها " تحثه على كذلك:
هوذا الإخلاص لنسبه!
يمطمط ذيله إلى الوراء ويطلقه في الريح
ويطلق ريحاً وأكثر
مأخوذاً بتكوينه الجسماني
غير عابىء بمن حوله
مستغرق في عالمه
لا يخفي شيئاً
ويمنح نفسه متعة التعبير عن غريزته
وهو يطلق العنان لـ" غرموله "
مندفعاً وراء أتانه في الموعد المتاح
ثم يخلد إلى الراحة
يعود إلى خاصيته الحمارية
دون أن ينظر يميناً وشمالاً.
يمشي تحت وطأة الأحمال
دون أي تذكر
يُمتطى دون أن يبدي تذمراً
لكن حذار منه إذا حرد
ما أعمق غيرته على نفسه
لصبره حدود
حين يضرب بكامل جسمه
وينهي حياته انتحاراً أحياناً..
حسنٌ إذاً
لنقترب نحو المهم فينا وما يصلنا بالحمار:
بالنسبة لهذا الحيوان الذي بين البرّي والوحشي فيه
المأهول بالاقتدار الصامت وعدم التباهي
من أمعن النظر في تاريخه وصلتنا به
إتياناً على ذكر اسمه
تكراراً لاسمه ذماً وتحقيراً واستخفافاً؟
هلّا فكر أحدهم بنوع الخلل الذي ينال منا لحظة طيّه
أي لو لم يكن موجوداً إطلاقاً!
ماالذي كان سيحل محله؟
الحمار المعلّم والرمز والمثل الخفي أو المصرَّح به هنا وهناك:
الذين يقيمون بيننا ويرفسوننا بطرق شتى
الذي ينهقون في وجوههنا وعلى شاشات التلفزة ليل نهار
الذين يزهقون أرواحنا بحركاتهم الرفسية والطائشة
في المعاملات والعلاقات والترفع الأجوف
الذين يتحكمون في مصائرنا
الذين يقودون مجتمعاتنا بصيغ شتى
الذين يبثوننا تصورات ويمضون بنا في طرق وعرة ومهلكة
الذين لا يكفون على الدفع بنا إلى اليأس المحْكم والانتحار قهراً
الذين لا يخفى عليهم أنهم يتحدثون باسمنا ويمثّلوننا هنا وهناك
الذين دوّنت باسمهم الحركي، أو الرمزي، أو بين مزدوجتين ، مدونات يعجز عن حملها تاريخ طويل
الذين يصعقوننا بأصواتهم تحت طية" الفن " ورغم أنوفنا
الذين يطلقون العنان لغرائزهم مأخوذين بقوته في غلمتهم وشبقهم
الذين يودعونه كاريكاتيرات لا أكثر منها تعبيراً عن هزء به
وإمتاعاً لأرواحهم المعلولة وترويحاً عمن يعانون من نخر في النفوس
وليس للحمار أي صلة بكل ما تقدم
أفتريدون بعد كل هذا، أن أصدّق أن أنكرَ الأصوات هو صوت الحمار واقعاً
أن أسخف الحيوانات هو الحمار
أن أغبى الحيوانات هو الحمار
أن أفحش الحيوانات هو الحمار
أن..أن.. أن ..
أن الإنسان خليفة الخالق " الله " على الأرض؟
هل يمكنكم أن تسمعوا " شهادة " الحمار فينا !
ليتخيل من يمتلك القدرة على ذلك، وليعيد النظر فيما قلته وفيما توقفته عن قوله ..؟؟!!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...