لم يكن الشارع سوى نهرٌٍ هائجٌ من الخُطَى المتعجِلة، وجوه تتراكضُ كأنها تُطاردُ شيئًا لا يُدرَك، بينما كنتُ أُجاهدُ لأشقَّ طريقي في قلب الزحام. لم أرَ سوى موضع قدمي، أتفادى الأكتاف، وأتسللُ بين جدران من الضَوء والصوت، أركضُ من المنشية صوبَ محطة الرمل، حيث موعد لا يحتمل التأجيل.
ثم... يدٌ خفيفةٌ لامسَت كتفي. توقفتُ. التفتُّ. فإذا بها... هي. هل للمفاجآت أن تكون بهذا العُمق؟ هل يُعقَل أن تَظهر الآن، في هذا المكان، بعد خمسة عشرَ عامًا من الغياب؟!
لكنها لم تمرْ كالغُرباء، بل نظرَت إليَّ كما لو أنَّ الفُرقةَ لم تكن يومًا، كأنَّ القلب بقيَ معلَّقًا بي من حيث افترقنا.
تَسمَّّرتُ. الأجسادُ تدفعني، تمرُّ بي، تَعبُرني، ولا أشعر بشيء. قالت، وملامحها تفيض بالدهشة والطمأنينة: "مهلًا... إلى أين تمضي هاربًا هكذا؟"
عجزتُ عن الجواب. عِطرُها وحدَه تكفَّل بإسكاتي، تمدَّدَ في صدري كأنفاسٍٍ قديمة بعثَتها الريحُ من زمنٍ بعيد.
توقَّفنا أمام "البُن البرازيلي". هناك، انزلقَت ذاكرتي. نفْس المكان الذي شهد آخر لحظاتنا، حين كنَّا شابَين نتقاسَم قهوةً باردة ونقاشًا مُشتعلاً.
يومها قالت إنها تلقَّت عرضًا من جامعةٍ مرموقة في الخارج. دعَتني للسفر معها، ربما نجدُ هناكَ عملًا لي. لكنني... خِفتُ. أغلقتُ البابَ على "ربما"، كمَن يخشَى أن يلمِسَ حُلمًا لا يستطيع بلوغه.
غادَرتُ - ساعَتها - بعد أن همسَت، ودموعها تسبقها: "لا تَقسُ أكثر..." وعلِمتُ لاحقًا... أنها سافرَت. تزوجَت. واختفَت.
واليوم، ها هي تعود. نفس الصَوت. نفس النظرة. قالت بابتسامةٍ هادئة: "ما زلتَ كما أنتَ، سوى بعض البياض في شَعرك."
ابتسَمتُ، لكنه ابتسامٌ ثقيل. كأنَّ صوتُها يعزفُ موسيقى قديمة على وتَرٍ لم ينقطع. نظرتُ في عينيها، ثم أغمضتُهما للحظة. وحين فتحتُهما... وجدتُها تُبادلني النظرة ذاتها.
شدَدتُ على يدها، فشدَّت. سألتُها بصوتٍ خافت:
ــ "أما زلتِ تذكرينني؟ بعد كل هذا العُمر؟"
قالت، بنفس النَّبرة التي حفِظها قلبي:
ــ "وهل تُنسى؟... يبدو أنكَ أنتَ مَن نَسِي."
كلماتها اخترقَت جدار الزمن، فأيقظَت فيَّّ سؤالًا نائمًا: ما الذي نسيتُه؟ حبُّها؟ أم الندم الذي دفنتُه تحت ركام السنين؟
قلتُ، محاولًا الفرار من ارتباكي:
- "والحجاب... زادكِ جَمالا."
ابتسمَت، وسحَبتني إلى جوارها على الرصيف. صارت ظهورنا للشارع، لكن قلوبنا... تعود إلى الوراء. كم مرَرنا بهذا الشارع؟ كم حرَّكَ هواءُ البحر خصلات شَعرها، فتناثرَت على كتفيَّ كوشاح من حنين؟
لم أدركُ كم مَضى من الوقت. حتى أحسَستُ بنَقراتٍ خفيفة على ظهري. التفتُّ... كانت زَوجتي. عائدة من عملها، الكائن في نهاية الشارع.
سألتُها، وصوتي بالكاد يُسمَع:
- "متى جئتِ؟"
قالت، وعيناها تُبحرانِ في وجهي:
- "منذُ ابيضَّ شَعرُك..."
ثم... يدٌ خفيفةٌ لامسَت كتفي. توقفتُ. التفتُّ. فإذا بها... هي. هل للمفاجآت أن تكون بهذا العُمق؟ هل يُعقَل أن تَظهر الآن، في هذا المكان، بعد خمسة عشرَ عامًا من الغياب؟!
لكنها لم تمرْ كالغُرباء، بل نظرَت إليَّ كما لو أنَّ الفُرقةَ لم تكن يومًا، كأنَّ القلب بقيَ معلَّقًا بي من حيث افترقنا.
تَسمَّّرتُ. الأجسادُ تدفعني، تمرُّ بي، تَعبُرني، ولا أشعر بشيء. قالت، وملامحها تفيض بالدهشة والطمأنينة: "مهلًا... إلى أين تمضي هاربًا هكذا؟"
عجزتُ عن الجواب. عِطرُها وحدَه تكفَّل بإسكاتي، تمدَّدَ في صدري كأنفاسٍٍ قديمة بعثَتها الريحُ من زمنٍ بعيد.
توقَّفنا أمام "البُن البرازيلي". هناك، انزلقَت ذاكرتي. نفْس المكان الذي شهد آخر لحظاتنا، حين كنَّا شابَين نتقاسَم قهوةً باردة ونقاشًا مُشتعلاً.
يومها قالت إنها تلقَّت عرضًا من جامعةٍ مرموقة في الخارج. دعَتني للسفر معها، ربما نجدُ هناكَ عملًا لي. لكنني... خِفتُ. أغلقتُ البابَ على "ربما"، كمَن يخشَى أن يلمِسَ حُلمًا لا يستطيع بلوغه.
غادَرتُ - ساعَتها - بعد أن همسَت، ودموعها تسبقها: "لا تَقسُ أكثر..." وعلِمتُ لاحقًا... أنها سافرَت. تزوجَت. واختفَت.
واليوم، ها هي تعود. نفس الصَوت. نفس النظرة. قالت بابتسامةٍ هادئة: "ما زلتَ كما أنتَ، سوى بعض البياض في شَعرك."
ابتسَمتُ، لكنه ابتسامٌ ثقيل. كأنَّ صوتُها يعزفُ موسيقى قديمة على وتَرٍ لم ينقطع. نظرتُ في عينيها، ثم أغمضتُهما للحظة. وحين فتحتُهما... وجدتُها تُبادلني النظرة ذاتها.
شدَدتُ على يدها، فشدَّت. سألتُها بصوتٍ خافت:
ــ "أما زلتِ تذكرينني؟ بعد كل هذا العُمر؟"
قالت، بنفس النَّبرة التي حفِظها قلبي:
ــ "وهل تُنسى؟... يبدو أنكَ أنتَ مَن نَسِي."
كلماتها اخترقَت جدار الزمن، فأيقظَت فيَّّ سؤالًا نائمًا: ما الذي نسيتُه؟ حبُّها؟ أم الندم الذي دفنتُه تحت ركام السنين؟
قلتُ، محاولًا الفرار من ارتباكي:
- "والحجاب... زادكِ جَمالا."
ابتسمَت، وسحَبتني إلى جوارها على الرصيف. صارت ظهورنا للشارع، لكن قلوبنا... تعود إلى الوراء. كم مرَرنا بهذا الشارع؟ كم حرَّكَ هواءُ البحر خصلات شَعرها، فتناثرَت على كتفيَّ كوشاح من حنين؟
لم أدركُ كم مَضى من الوقت. حتى أحسَستُ بنَقراتٍ خفيفة على ظهري. التفتُّ... كانت زَوجتي. عائدة من عملها، الكائن في نهاية الشارع.
سألتُها، وصوتي بالكاد يُسمَع:
- "متى جئتِ؟"
قالت، وعيناها تُبحرانِ في وجهي:
- "منذُ ابيضَّ شَعرُك..."