فوز حمزة - الصباح الذي انتظرته... قصة قصيرة

تركتُ القلم يقودني بخطوات خفيفة، كمن يضع يده في يد صديق يعرف عنه أكثر مما يعرف هو عن نفسه.
لم أعتد ترك السيطرة لشيء غير عقلي، لكنني رغبتُ هذا الصباح أن أكون ألين، أن أخُلي بيني وبين الطمأنينة بابًا مفتوحًا.
قررت أن أترك بعض العادات تتساقط دون وداع عن كتفي كأوراق ذابلة اثقلتني.
تخليتُ عن قهوتي التي باتتْ تربكني أكثر مما توقظني، تلك الرفيقة التي صرت أحبها بحذر.
أبعدتُ هاتفي عني كي لا يصفع وجهي بافتتاحيات قاتمة، ولا بمنشورات مكررة تستهلك روحي بدل أن تنعشها.
كان هناك شعور ينساب في داخلي، هادئ وشفاف، كأن أحدهم يمرر راحة يده فوق صدري قائلًا:
- اهدئي... أنتِ هنا، وكل شيء بخير.
شعور لا اسم واضح له، لكنه قريب من السلام، قريب من أن أعود إليّ بعد غيابٍ طويلٍ.
تقدمتُ نحو الشرفة، تلك الزاوية التي تشبه صدرًا مفتوحًا نحو السماء. نظرتُ نحو الرصيف حيث تقف شجرتي تلوح بأغصانها المتسللة إلى الداخل كأنها تطلب صداقة أو رفقة.
وأنا أتلمس أوراقها الناعمة، قلتُ لها بنبرة لا يسمعها غيرها:
- صباح الخير أيتها الخضراء... يا مَن لم تخذليني يومًا.
ارتشفتُ من شاي الأعشاب الذي بدأ يفقد سخونته بقدر ما اكسبني من هدوء، وبين رشفة ورشفة، أنسل إلى مسامعي نباح كلب الجيران.
كان صوته يخدش الهدوء، لكنه بدا في ذلك الصباح حيًا وسط مدينة تتثائب وتكاد تخلو من الصخب.
فتحتُ رواية كنت قد هجرتها منذ أشهر، قلبتُ صفحاتها ببطء، لكن الكلمات لم تنادِني ولا العوالم التي فيها جذبتني كما كانت تفعل. شعرت بثقل لطيف من الملل يتسرب إليّ، فوضعتها جانبًا دون ندم، كأنني أقول لها:
- ليس اليوم... روحي تحتاجُ شيئًا آخر.
ظللتُ جالسة، أراقب ضوء الشمس وهو يتسلل من بين الأوراق الخضراء راسمًا بقعًا صغيرة ذهبية فوق الجدران، تساءلتُ: كم من الأشياء الجميلة تمرُّ بنا ونحن منشغلون بما يرهقنا؟
كم صباحًا ضيعت لأنني كنتُ أبدأ يومي بالسباق بدلًا من التنفس؟
سحبتُ هاتفي أخيرًا، ليس هروبًا، بل مصالحة.
نظرتُ إليه كمن يعود إلى شيء يعرف أنه ليس مثاليًا، لكنه جزء من يومه. ثم قمت بتحضير فنجانٍ من القهوة، تلك التي أعلنتُ صباحًا أنني سأهجرها.
ضحكتُ في داخلي...
عليّ مرة أخرى أن أفاوض عاداتي لا أن أقاطعها تمامًا.
قلتُ لنفسي:
يكفيني اليوم أنني حاولت... وأنني أنصتُّ لصوتي الداخلي ولو قليلًا.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...