شريف محيي الدين إبراهيم - الرجل الطري

"أبوكم طري… رجل طري…"
هكذا قالت سعاد لبناتها...
بدت الكلمات وكأنها حجارة ثقيلة تهوي على
قلب زوجها.
جلس عزيز في غرفة المعيشة، يداه متشابكتان على الطاولة، ونظره شاخص في الفراغ.
كان يشعر أن اليوم لن يكون سهلاً.
كل شيء حوله بدا أثقل….
البيت، العمل، الناس.
صوت الساعة على الحائط بدا وكأنه يقرع قلبه ببطء، وكل ثانية تتلو الأخرى تضغط على صدره بثقل لا يُطاق.

قالت سعاد بعصبية، وحركة جسدها تتماوج مع كلماتها الحادة:
"أتعلم، يا عزيز… أنا تعبت!
تعبت من تحملك، من صبرك…"

ابتسم عزيز ابتسامة هادئة، عيناه تلمعان بقليل من الحزن والحكمة.
اقتربت منه قليلاً، ثم قالت بنبرة مثقلة بالمرارة:
"أنت تسمح للجميع أن يمروا فوقك… الأصدقاء، الأهل، الجيران.
كل يوم أرى مدى هشاشتك مع الآخرين ، أنت لين هش حتى مع قطط وكلاب الشارع الضالة…
أنت
تترك كل شيء يمر دون أن توقفه.
الناس لا يحترمون إلا القوي، وأنت للأسف....
أجابها عزيز بنظرة ثابتة، هادئة لكنها حادة. .
نظرت إليه طويلاً، صاحت فيه:
"لماذا لا تتكلم…؟"
كانت كأنها تبحث عن جواب داخلي لنفسها، ثم قالت:
"أبوكم يا بنات رجل طري …"

البنت الكبرى عضّت على شفتها بقوة، تنظر إلى أمها ثم إلى أبيها،
وفي عينيها غضب لا تدري كيف تخرجه.
الصغرى وضعت يدها على الأخرى، كأنها تخاف أن ينهار العالم
كانت تريد أن تصرخ: “أمي… لا تقولي هذا.”
لكن صوتها ظلّ حبيس صدرها،
أما الوسطى فحدّقت في الأرض،
لكن كتفيها كانا يرتجفان بصوت مكتوم لا يسمعه أحد… إلا أبوها.
عزيز رأى ارتجافهما من طرف عينه وشعر أن قلبه ينكمش…
ولم يستطع أن يرفع يديه ليضمّهن؛
كان يعلم أن أي حركة منه قد تشعل نارًا أكبر.

ظلت البنات بين أمّ تهاجم وأبٍ يصمت…
ومشاعر تتصارع:
غضب، خوف ، حب، ومرارة…
لكن دون كلمة واحدة.

نظر عزيز إلى بناته ثم
حرّك رأسه ببطء، ونظر نحو النافذة الصغيرة المطلة على الشارع، حيث كان المطر ينهمر بخفّة، فتنساب قطراته على الزجاج كخيطٍ شفاف.
وتداعَت في ذاكرته مواقف الجحود والخذلان التي طالته من أقرب الناس إليه.
هو رجلٌ بسيط في أعماقه رغم منصبه في عمله ، ذلك المنصب الذي يجعله مسؤولًا عن العشرات، ولكنه لا يرى فيه امتيازًا بل عبئًا يؤديه بضمير.
المال آخر همه، لم يفكر يومًا في استغلال منصبه لجمعه.
تسعده أصغر الأشياء،
يرى دائمًا نصف الكوب الممتلئ، ويقدّر تلك اللحظات الصغيرة.... فنجان القهوة الذي يدفئ يديه، همسة البحر حين يهدأ، لحظة الصفاء التي يخلو فيها بنفسه.
تلك التفاصيل كانت ملاذه…
ودليله على أن الحياة، مهما ثقلت، أبسط بكثير من كل هذا الصخب.

تساءل في نفسه:
هل أحزن على كل يد مددتُها بلا مقابل،و كل قلب احتضنته كي يشفى من جراحه؟!
… لقد كنت لهم كل شيء… والآن يروني مجرد طري
كيف لا يرون ما يحمله ظهري عنهم من جبال؟

جلس حزينا بين الغضب والخذلان،
لمس حافة زجاج النافذة البارد بيده، واستنشق الهواء الرطب.
همس في سخرية مريرة بعد أن نكس رأسه:
"أبوكم يا بنات طري…

حين سمع عزيز طرق الباب..
رفع رأسه ببطء، كأن الصوت جاءه من بعيد.
تقدّم وفتح الباب نصف فتحة.

وقف على العتبة رجلٌ طويل، ضخم الجثة، كتفاه مرتخيتان من الانكسار، ويداه معقودتان أمام صدره كطفلٍ خائف.
كان يبحث بعينيه عن شيء يشبه النجاة.

قال بصوت أجش، مختنقًا:
"أستاذ عزيز… والله… أنا… محتاجك."

تردّد لحظة، كأنه يبتلع مرارة لا يريد أن يخرجها، ثم قال بصوت خافت، مكسور:
"… خدوا مني ما لا يُحتمل."

رفع نظره إلى عزيز كمن يستغيث بآخر خيط في الدنيا، ثم أضاف:
"إنت الوحيد اللي أقدر أروح له…
إنت الوحيد اللي تقدر توقف لهم… وتجيب لي حقي."

لم يسأله عزيز عن شيء.
لا تفاصيل، ولا أسماء.
كانت نظرة واحدة منه وابتسامة هادئة كافية…
فانفرج صدر الرجل قليلاً،
. وكأن مجرد وجود عزيز بجانبه هو الإنقاذ كله

بعد برهة عاد عزيز إلى مكانه عند النافذة، رفع رأسه نحو السماء…
وفي اللحظة نفسها رفعت البنات رؤوسهن نحوه، كأنهن أبصرن ما عجزت عنه الأم؛
فشيءٌ في وقفته الهادئة لمَع في عيونهن كقوّةٍ خفيّةٍ لا تُفسَّر.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...