لم يفهم الشباب ما يقصده أبو طرطور ولم يحرك فضولهم بشأنه... وعاجله ممدوح بما يبلل به حلمه الجاف:
ـــ قال أبي أيضًا إن وزارة السياحة أرسلت تقريرًا عن ظهور العذراء إلى سفارات مصر والمكاتب السياحية بالخارج.
غير أن «شعبان أبو حامد»، وهو شاب شقي وخفيف الظل ومثقف ويدرس التاريخ في الجامعة، غرس بذرة الشك في يقين الرجل الذي كاد أن يكتمل في ضميره:
- ما يحيرني إن العذراء، منذ وفاة المسيح لم تظهر ولا مرة! فلِمَ ظهرت لنا الآن تحديدًا؟!
ردَّ أبو طرطور قائلاً:
- تعرفون أن «الواد» ميتاؤوس الإسكافي، كل جمعة ينصب فرشته أمام داري... سألته نفس سؤالك يا «شعبان» قال لي:
- العذراء جاءت للرئيس برسالة «تأييد» من السماء بعد النكسة. وإن البابا أكد لهم تجلي العذراء فعلاً.
ضحك شعبان أبو حامد وأشاح له بيده هازئًا:
- يا عم الحاج، البابا كيرلس والرئيس بتاعنا «رأسان في لباس»!
كان ممدوح يقضم أظافره بلا وعي من سخونة الحوار وتوتره... ثم طرح سؤالاً قلب الموضوع رأسًا على عقب:
- ما يحيرني هو لِمَ ستنا مريم هي التي «تجلت/ ظهرت» فوق الكنيسة وليس سيدنا عيسى؟!.. بالعقل كان الأولى بالظهور هو سيدنا عيسى وليس ستنا مريم!
قهقه شعبان أبو حامد وهو يتسلق مثل الأرجيحة جزعًا متدليًا من الجميزة، وقال ساخرًا:
- لأن الزعيم «عايز كده»!!
نهره علي أبو طرطور غاضبًا:
- «واد» يا شعبان: سأكوي لسانك بالماشة بتاعة الجوزة... عمري ما رأيتك تركع راكعة واحدة لله. والسيجارة بين شفتيك مثل الزمارة في نهار رمضان... يعني لا يهمك محمد ولا المسيح ولا العذراء... خليك في حالك.
هبط أبو طرطور من الجميزة، قاطفًا ما تيسر له من لبنها، ثم جمع حوله الشباب ناصحًا:
ــ تجلي ستنا مريم هو الصحيح... من فينا: مسلمون ومسيحيون، يختلف على ستنا مريم؟! فيه إجماع عليها... أما لو ظهر سيدنا عيسى فوق الكنيسة «الدنيا هتولع» لأن فيه خلاف عليه: نحن نقول عليه إنه «نبي» وهم يقولون عليه إنه «إله»... يعني ظهوره يبقى «فتنة كبيرة»... ومصر تحتاج إلى الوحدة الوطنية يا أولاد والاصطفاف خلف الزعيم جمال عبد الناصر. ربنا ينصره... ربنا ينصره على أعدائنا ولاد الكلب أعداء الدين.
ضحك شعبان حتى كاد يسقط على الأرض وهو ينادي:
- يا عم علي إذا كنت أنت «أبو طرطور». فنحن لسنا طراطير.
ضج المكان بالضحك: ههههههه.
-اخرس «يا قليل الحيا» ويا «قليل الرباية» والله لولا أبوك المدرس المربي الفاضل لقصفت رقبتك بالمنجل.
أقبل عليه «أبو حامد» مبتسمًا بود يمسح على كتفه ويلثم عمامته ليسترضيه:
- أنا غلطان لك يا عم «علي» لا تغضب والله كلنا نحبك ونأنس للكلام معك.
- خلاص، خلاص، اقعد يا «قرد» ندخن سويًا حجرين معسل.
تحلقوا حوله، متدثرين بالضحك والنكات والقفشات... في حين مال «أبو حامد» على أذن عم «على أبو طرطور». ودس في سيالته «قرش حشيش» هامسًا له «حلاوة الصلح يا كبير!»... وممدوح مطرقًا. لم تفارق الابتسامة وجهه الجميل... مكتفيًا بالمشاهدة، زاهدًا في الحشيش والدخان و«كركرة» الجوزة.
• جزء من رواية "التقفيصة" . محمود سلطان . إصدار مؤسسة شمس للنشر والإعلام طبعة القاهرة 2024
• تطلب الرواية من وتساب 01288890065
ـــ قال أبي أيضًا إن وزارة السياحة أرسلت تقريرًا عن ظهور العذراء إلى سفارات مصر والمكاتب السياحية بالخارج.
غير أن «شعبان أبو حامد»، وهو شاب شقي وخفيف الظل ومثقف ويدرس التاريخ في الجامعة، غرس بذرة الشك في يقين الرجل الذي كاد أن يكتمل في ضميره:
- ما يحيرني إن العذراء، منذ وفاة المسيح لم تظهر ولا مرة! فلِمَ ظهرت لنا الآن تحديدًا؟!
ردَّ أبو طرطور قائلاً:
- تعرفون أن «الواد» ميتاؤوس الإسكافي، كل جمعة ينصب فرشته أمام داري... سألته نفس سؤالك يا «شعبان» قال لي:
- العذراء جاءت للرئيس برسالة «تأييد» من السماء بعد النكسة. وإن البابا أكد لهم تجلي العذراء فعلاً.
ضحك شعبان أبو حامد وأشاح له بيده هازئًا:
- يا عم الحاج، البابا كيرلس والرئيس بتاعنا «رأسان في لباس»!
كان ممدوح يقضم أظافره بلا وعي من سخونة الحوار وتوتره... ثم طرح سؤالاً قلب الموضوع رأسًا على عقب:
- ما يحيرني هو لِمَ ستنا مريم هي التي «تجلت/ ظهرت» فوق الكنيسة وليس سيدنا عيسى؟!.. بالعقل كان الأولى بالظهور هو سيدنا عيسى وليس ستنا مريم!
قهقه شعبان أبو حامد وهو يتسلق مثل الأرجيحة جزعًا متدليًا من الجميزة، وقال ساخرًا:
- لأن الزعيم «عايز كده»!!
نهره علي أبو طرطور غاضبًا:
- «واد» يا شعبان: سأكوي لسانك بالماشة بتاعة الجوزة... عمري ما رأيتك تركع راكعة واحدة لله. والسيجارة بين شفتيك مثل الزمارة في نهار رمضان... يعني لا يهمك محمد ولا المسيح ولا العذراء... خليك في حالك.
هبط أبو طرطور من الجميزة، قاطفًا ما تيسر له من لبنها، ثم جمع حوله الشباب ناصحًا:
ــ تجلي ستنا مريم هو الصحيح... من فينا: مسلمون ومسيحيون، يختلف على ستنا مريم؟! فيه إجماع عليها... أما لو ظهر سيدنا عيسى فوق الكنيسة «الدنيا هتولع» لأن فيه خلاف عليه: نحن نقول عليه إنه «نبي» وهم يقولون عليه إنه «إله»... يعني ظهوره يبقى «فتنة كبيرة»... ومصر تحتاج إلى الوحدة الوطنية يا أولاد والاصطفاف خلف الزعيم جمال عبد الناصر. ربنا ينصره... ربنا ينصره على أعدائنا ولاد الكلب أعداء الدين.
ضحك شعبان حتى كاد يسقط على الأرض وهو ينادي:
- يا عم علي إذا كنت أنت «أبو طرطور». فنحن لسنا طراطير.
ضج المكان بالضحك: ههههههه.
-اخرس «يا قليل الحيا» ويا «قليل الرباية» والله لولا أبوك المدرس المربي الفاضل لقصفت رقبتك بالمنجل.
أقبل عليه «أبو حامد» مبتسمًا بود يمسح على كتفه ويلثم عمامته ليسترضيه:
- أنا غلطان لك يا عم «علي» لا تغضب والله كلنا نحبك ونأنس للكلام معك.
- خلاص، خلاص، اقعد يا «قرد» ندخن سويًا حجرين معسل.
تحلقوا حوله، متدثرين بالضحك والنكات والقفشات... في حين مال «أبو حامد» على أذن عم «على أبو طرطور». ودس في سيالته «قرش حشيش» هامسًا له «حلاوة الصلح يا كبير!»... وممدوح مطرقًا. لم تفارق الابتسامة وجهه الجميل... مكتفيًا بالمشاهدة، زاهدًا في الحشيش والدخان و«كركرة» الجوزة.
• جزء من رواية "التقفيصة" . محمود سلطان . إصدار مؤسسة شمس للنشر والإعلام طبعة القاهرة 2024
• تطلب الرواية من وتساب 01288890065