أحمد عبدالله إسماعيل - الفرز...

في القرى والمدن، تردَّد صوتُ الشيخ نور الدين كأذانٍ قديمٍ في ذاكرة الناس. يمضي بين الصفوف الانتخابية بخطواتٍ واثقة، والناخبون يهتفون كمن يرفع رجاءً إلى السماء:
“ابن البلد هو الحل .. صوت النصر والأمل!”

وفي الجهة المقابلة، كانت الشاشاتُ الرقمية تُطلق سهامها المسمومة:
“بالأمس شتم الحكومة، واليوم يمدحها! أيُعقَل أن نأتمن مصير أمةٍ لرجلٍ تتلوّن مبادئه بتغيّر اتجاه الريح؟”

وحين أعلن القاضي النتائج مع أول ضوءٍ للصباح، انشق الصمتُ صرخةٌ واحدة:
“أُعلن فوز السيد كمال عبد الهادئ، مرشح حزب الأغلبية…”
جملة هزّت القرية والقرى المجاورة كرجفةٍ تحت الأرض.

في مكتبه الهادئ، جلس نور الدين على سجادة الصلاة، كأن الأرض وحدها قادرة على احتمال ما في صدره. دخل عليه صديقه الشيخ يونس محاولًا تضميد جراح الخيبة.

لكن نور الدين قاطعه بنبرةٍ حادّة:
“لا تُلقِ عليّ آيات المواساة… القضية ليست فيمن يشاء الله أن يؤتيه المُلك، بل فيمن يشاء المسئول عن الفرز أن يؤتيه الكرسي!”

قال يونس مستنكرًا:
“أتسخر من القدَر يا شيخ؟”

فأجاب بعينين مطفأتين:
“أنا لا أسخر من القدر… بل من هذا الصندوق الزجاجي الذي صنعناه بأيدينا، ثم سمحنا له أن يصبح إلهاً يقرر مصائرنا! ليست الخسارة ما يوجعني… بل الكذبة التي انكشفت. كذبت على نفسي حين ظننتُ أن الصناديق الزجاجية تعني شيئاً حقيقياً.”

سكت يونس، فقد عرف أن صديقه لم يكن يبحث عن عزاء، بل عن اعترافٍ يحرّره.

في جناح زوجته مريم، كانت تهمس في الهاتف كأنها تتحدث عن غريب:
“انتهى كل شيء يا خالد … سقطت الرهانات كلّها.”

دخل الشيخ فجأة. توقف الكلام.
سألها بصوتٍ حادّ:
“مَن خالد يا مريم؟”

قالت مترددة:
“ابن عمي… يسأل عن حال أخته.”

نظر إليها نظرةً كشفت كل ما تراكم بينهما منذ سنوات:
“هل تظنينني أعمى يا مريم؟ أنت لم تريدي الشيخ… أردتِ مستقبلاً سياسياً يلمع حولي، فتوهمتِ أنكِ ستسطعين معه.”

ارتجفت ملامحها ثم قالت بجرأة يائسة:
“وما العيب في ذلك؟ رأيتُ فيك طريقًا إلى عالمٍ أوسع من رجل ثري محبوب يلقي خطب الجمعة!”

هزّ رأسه، كمن يودّع وهماً طويلاً:
“اذهبي يا مريم… الآن أنا شيخٌ خاسر. لا شباب ولا كرسي، ولا وعود. أنتِ حرّة من كل شيء.”

كان صوته حزينًا أكثر منه غاضبًا.

بعد أسابيع، جلس الشيخان على طاولةٍ خشبية صغيرة، يتبادلان الشاي وكأنهما يشربان مرارة الأيام.
قال نور الدين وهو يحدّق في البخار المتصاعد:
“أربعة عقودٍ في العمل العام … ثم يأتي كرسيّ واحد ليخبرني أن كل شيء يمكن أن يُهدم بكذبة.”

ابتسم يونس بمرارة:
“الكراسي ليست سُلّماً يا نور… إنها أقفاصٌ ذهبية. من يجلس عليها يظن نفسه ملكًا، وهو في الحقيقة محجورٌ على حريته.”

تنفس نور الدين بعمق، كمن توصل أخيرًا إلى نواة الحقيقة:
“أدركت حماقتي الكبرى. مشكلتهم لم تكن مع شخصي … بل مع محبة الناس لي. وجودي كان خارج معادلاتهم، خارج قدرتهم على التحكم بالصندوق.”

وقف، واتجه نحو النافذة. خلف الزجاج، كانت القرية تبدو صغيرة كخريطةٍ قديمة فقدت حدودها.
قال بصوتٍ مفعم بقرارٍ جديد:
“سأعود إلى العمل العام … لكن ليس كما كنت. لن أدعو الناس لاصديقزكل ما يسمعونه بعد اليوم. سأدعوهم إلى الحقيقة نفسها… الحقيقة التي لا توضع في صندوق ولا تُعدّ بالأرقام.”

التفت إلى يونس، وفي عينيه بريقُ رجلٍ خرج لتوّه من تحت الأنقاض:
“بعد فرز كل الأحداث التي مررت بها، يمكنني القول إن دوري في المسرحية التي تشبه الانتخابات الحقيقية قد انتهى … الآن بدأت رسالتي. سأنصت إلى صوت الناس، لا صوت الكرسي.”

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...