نَعَمْ...
يَحِقُّ لي مُقاضاةُ الفنّانِ العبقريِّ "عادل إمام"،
فهو مَن تسبَّبَ لي بأكبرِ كارثةٍ في حياتي...
كيف لا؟!..
وهو مَن تسبَّبَ في محاولتي الإقدامِ على الانتحار، فكِدتُ أنْ أموت،
وبَقِيَ الجُرحُ في صدري، وسيبقى إلى أنْ أموت.
ولِكَي لا يُبدي لي أحدٌ دهشتَهُ واستغرابَه،
ويَنبَري لي للدِّفاعِ عن هذا الفنّانِ العملاق، والذي أحبّه، لدرجةٍ أنْ وقعتُ في مشكلةٍ فظيعة، جراءَ هذا الحُبّ، وهذا التعلُّق، وهذه المُتابعة...
أقول:
ـ صَبْراً عليَّ... سَوف أروي لكم الحكاية، التي لم تَنتهِ عندَ هذا الحدّ، بل كادت أن تتطوَّر ـ لولا لُطفُ الله ـ
وتكونَ نهايتي القَتلَ بسببِها، وفي هذه المرّة على يدِ غيري... وهذا لا علاقةَ له بمحاولة انتحاري.
تسبَّبَ بإبعادِ مَن أُحبُّها عنِّي، بل بحِرماني منها،
ودفَعني للانتحار، وكان من الممكنِ أن يكونَ سبباً لقتلي أنا وفَتاتي...
هذا هو "عادل إمام"... فَنّانُ الشَّعبِ العربيِّ.
وأُقسِم بأنِّي أقولُ لكم الحقيقة، فأنا لا أتّهمه ظُلماً أو عُدواناً... كيف لي أن أَتّهمه، وأنا ـ كما قلتُ لكم ـ كنتُ أُحبُّه، وبقيتُ أُحبُّه، وما زلتُ أُحبُّه.
كان من حقِّي عليه، وعلى الأقل، أن يتوسّطَ لي،
ويُعيدَ إليَّ حبيبتي...
لكنَّه لم يعرفْ بقصّتي،
فهو بعيدٌ عنِّي كلَّ البُعد...
وإلَّا، لو أنّه كان يعلم،
فأنا مُتأكِّدٌ من أنّه لن يتخلّى عنِّي، ولسوف يقفُ معي، ويُصلِحُ الخطأ،
ويُساعدني.
ولِكَي لا يقولَ لي أحدٌ منكم، بأنِّي أطلتُ عليكم بهذه المقدِّمة، ها أنا أدخلُ إلى الموضوعِ مباشرةً:
كنتُ في سنِّ المراهقة،
عُمري بحدودِ السِّتَّ عشرةَ سنة، وكنتُ أُحبُّ... حُبّاً عُذريّاً... أصلاً، لم يكن في زمنِنا ذاك، سِوى الحُبِّ العُذري... خاصَّةً في مَدينتِنا الصغيرة،
المُتزمِّتة، المُتعفِّنة،
والتي لا تَعتَرفُ بالحبِّ من أساسِه، وكان في نظرِ سُكّانِها، كُلُّ مَن يُحبُّ أو تُحبُّ، خارجٌ عن القانونِ،
والأعرافِ، والتقاليدِ،
والشَّرف...
ويستحقُّ مَن يَرتكبُ مثلَ هذه الحماقة، الذّبحَ بسِكّينٍ صدِئة.
وأنا، في تلك الأيّام، وقعتُ في هذه الضلالة...
فقد أَحببتُ...
حُبّاً جَباناً، في العَتمة،
أي عتمةِ القلبِ والرّوح،
حيثُ لم أكن أجرؤُ على البَوحِ بحُبِّي لِمَن أُحبُّ،
أو أتشجَّعَ وأُلقي نظرةً جريئة، مُتَفحِّصة، أو مُتأمِّلة، على مَن أُحبُّ، بشكلٍ مباشر، رغمَ القَرابةِ التي تَربطُنا.
أحببتُها، وكانت تعرفُ بمدى حُبِّي لها، من خلالِ أُختي... لم نتكلَّم بشكلٍ مُباشر عن هذا الحُب،
كان حبّاً صامتاً، خجولاً، مُبطَّناً، غيرَ مرئيٍّ.
وكانت تَصغرني بِبضعةِ أشهر، وهنا كانت تَكمُنُ المُشكلة... فمن عاداتِ أهلِ بَلدَتنا، أن يتزوّجَ الشابُّ من فتاةٍ تَصغُرُهُ بسنواتٍ عديدة، قد تَمتدُّ إلى أكثرَ من عشرٍ... لذلك، تَتزوّجُ الفتاةُ في سِنٍّ مُبكرة.
ولهذا، كانت فَتاتي لا تَصلُحُ أن تكونَ زَوجةً لي.
لماذا؟
لأنّ أُمّي، وأبي، وجدّتي،
لا يُريدون أن يُزوّجوا وَلَدَهُم، قبلَ أن يذهبَ ويُنهِيَ مُدّةَ خدمةِ العَلمِ الإلزاميّة، وأنا صَغيرٌ بَعدُ على الزّواج، وفَتاتي في سِنِّ الزّواج.
أُمّي، وأبي، وجدّتي، يقولون:
– هي من عُمرِك...
سَيكونُ لديها دُستَةُ أولاد،
لحينِ أن تَتزوّجَ أنتَ!
ثمَّ يُسارِعون للقول:
– لا تَنسَ... أنّ لَكَ أَخاً أَكبَر، علينا أن نُزوّجَه... قَبلَك!
بَذَلتُ جُهوداً جَبّارة،
لإقناعِ أُمّي وجدّتي،
لكن دونَ فائدة...
إلى أن وَصلتُ لِمرحلةِ اليأسِ والقنوط، وهكذا بدأتُ كتابةَ الشِّعر...
فاليأسُ هو ما دَفَعني إلى كتابةِ الشِّعر.
أقولُ:
وبينما كنتُ أَتخبّط، وأنا أَبحثُ عن حَلٍّ لمشكلتي،
خطر لي، من بينِ الأفكارِ الكثيرةِ التي راودتني،
أن أذهبَ إلى شُعبةِ النفوس، وأُكبّرَ عُمري ثلاثَ سنوات، لكي أذهبَ للعسكريّة على الفور،
وأَختصرَ المسافةَ الزّمنيّة،
لكي أُحقّقَ مُبتغايَ، وأتزوّجَ ممّن أُحبّ.
لكن...
هُناك مَن نَبّهني بأنّي لن أستفيدَ من هذه الحركة،
بل سَتتزوّجُ حَبيبتي من غيري، وأنا في الخِدمةِ العسكريّة!
وهنا...
بدأت "سينما حلب" تَعرضُ فيلماً سينمائيّاً
للفنّان "عادل إمام"،
وكان اسمُ هذا الفيلم: *"البحث عن فَضيحة"*.
وكانت قصّةُ الفيلم... مُذهِلة:
شابٌّ يُحبُّ فتاة، وأهلُها يرفضونه...
يَتّفق الشابُّ مع حبيبته على إيهامِ أهلِ الفتاة
بأنّها مُتورّطةٌ بالعلاقةِ مع حبيبِها... لدرجة أنّها حامِل!.. وهنا مربطُ الفرس... الفضيحة.
ولقد نجحتِ الفكرةُ في الفيلم... أُعجِبتُ بهذه الفكرة... شَكرتُ "عادل إمام" عليها، فهي لم تَخطُر في بالي من قبل.
شاهدتُ الفيلمَ ثلاثَ عشرةَ مرّة!
حينها، قرّرتُ أن أُقلّد ما حدث في الفيلم.
ذهبتُ، ومن دون أن أُنسّق مع من أُحبّ... أصلاً لا مجالَ لي للاتّفاقِ والتخطيطِ معها...
ذهبتُ لعندِ جدّتي،
تظاهَرتُ بالانزعاج، والخوف، والارتباك.
ولمّا سألتني:
– ما بك؟
أخبرتُها...
بكذبتي طبعاً...
وبأنّني في ورطة... لقد وقعنا، أنا ومَن أُحبّ، في الخطأ...
جُنّ جنونُ جدّتي... غَضِبَت، وانزعجت، وبَكَت، ودَعَت علينا، وقالت:
– بُكره... يَذبحونَك، أنتَ ومقصوفةُ العُمر!
ومن شِدّةِ ما وَبّختني...
كِدتُ أَعترفُ لها بأنّني قد كذبتُ عليها...
لكنّها سرعانَ ما قالت لي:
– إيّاكَ أن تتحدّث أمام أحدٍ بهذا الكلام...
اتركِ الأمرَ لي، وأنا سأجعلُ والدَكَ أن يُزوّجَكَ بها، وبأسرعِ وقتٍ ممكن.
فرحتُ... طارَ عقلي... بل جُنِنتُ!
نعم... لقد نجحتِ الفكرة...
الفضل، كلّ الفضل، يعودُ للعبقريّ "عادل إمام"!
رائعٌ أنتَ يا عادل... عظيمٌ أنتَ يا عادل!
سأتابعُ أفلامكَ دومًا،
سأُشاهدُ الفيلمَ الواحدَ لك... عشراتِ المرّات!
وأقسمتُ أنّي لو ألتقيتُهُ يومًا،
سأنحني على يدِهِ لأُقبّلها...
بفضله، سأتزوّجُ مَن أحبّ!
قالت جدّتي:
– اترك هذا الموضوعَ لي.
وتركته... وأنا في غايةِ السعادةِ والسرور.
لكنّ جدّتي ذهبت إلى أُمّ الفتاة...صارحتها بالحقيقة
... جُنّ جنونُ الأمّ...
لطمت على وجهِها، صاحت، صرخت، بَكَت، مزّقت ثوبَها..خَرّت مغشيًّا عليها... اختنقت... لم يعُد بإمكانِها التنفّس...
وحين صَحَت... نادت على ابنتِها، سألتها، حقّقت معها، لطمتها، ضربتها، شدّتْها من شعرِها،
مزّقت لها وجهَها...
وكانت فتاتي مصدومةً، مندهشةً، مستغرِبة... لا تعرف كيف تدافع عن نفسِها... فقد بكت، وأنكرت، وأقسمت لأمِّها،
وأكّدت بأنّها ما تزالُ عذراء... مثلها... مثل "مريم العذراء".
وطلبت منها أمُّها... أن تُقدِم على الانتحار،
تدارُكًا للفضيحة، ولكي لا يبتلي بها أحدٌ من العائلة.
أخذتْها الأمّ إلى (الداية) القابلة... والكُلُّ يُؤكّد أنّ الفتاة... عذراءٌ... طاهرة.
وانتشر الخبر...بين النِّسوةِ القريبات، حتّى بلغَ الخبرُ آذانَ الجدّة... جدّة الفتاة.
ولذلك... عندما سارعَ أهلي... ليطلبوا لي يدها...
رفضتني الجدّة بشدّة، وقالت:
- يجب على حفيدتها أن تتزوّج من رجل غريب،
حتّى لا يقولَ أحدٌ ممّن سمع بهذه القصّة... هذا إن تزوّجتها أنا، بأني ما تزوّجتها إلّا لأستر عليها.
وهكذا أفقدني... "عادل إمام"... من أحبّ... ولهذا تجدونني أنا ميتًا... منذ أكثر من أربعين سنة.*
مصطفى الحاج حسين.
إسطنبول
يَحِقُّ لي مُقاضاةُ الفنّانِ العبقريِّ "عادل إمام"،
فهو مَن تسبَّبَ لي بأكبرِ كارثةٍ في حياتي...
كيف لا؟!..
وهو مَن تسبَّبَ في محاولتي الإقدامِ على الانتحار، فكِدتُ أنْ أموت،
وبَقِيَ الجُرحُ في صدري، وسيبقى إلى أنْ أموت.
ولِكَي لا يُبدي لي أحدٌ دهشتَهُ واستغرابَه،
ويَنبَري لي للدِّفاعِ عن هذا الفنّانِ العملاق، والذي أحبّه، لدرجةٍ أنْ وقعتُ في مشكلةٍ فظيعة، جراءَ هذا الحُبّ، وهذا التعلُّق، وهذه المُتابعة...
أقول:
ـ صَبْراً عليَّ... سَوف أروي لكم الحكاية، التي لم تَنتهِ عندَ هذا الحدّ، بل كادت أن تتطوَّر ـ لولا لُطفُ الله ـ
وتكونَ نهايتي القَتلَ بسببِها، وفي هذه المرّة على يدِ غيري... وهذا لا علاقةَ له بمحاولة انتحاري.
تسبَّبَ بإبعادِ مَن أُحبُّها عنِّي، بل بحِرماني منها،
ودفَعني للانتحار، وكان من الممكنِ أن يكونَ سبباً لقتلي أنا وفَتاتي...
هذا هو "عادل إمام"... فَنّانُ الشَّعبِ العربيِّ.
وأُقسِم بأنِّي أقولُ لكم الحقيقة، فأنا لا أتّهمه ظُلماً أو عُدواناً... كيف لي أن أَتّهمه، وأنا ـ كما قلتُ لكم ـ كنتُ أُحبُّه، وبقيتُ أُحبُّه، وما زلتُ أُحبُّه.
كان من حقِّي عليه، وعلى الأقل، أن يتوسّطَ لي،
ويُعيدَ إليَّ حبيبتي...
لكنَّه لم يعرفْ بقصّتي،
فهو بعيدٌ عنِّي كلَّ البُعد...
وإلَّا، لو أنّه كان يعلم،
فأنا مُتأكِّدٌ من أنّه لن يتخلّى عنِّي، ولسوف يقفُ معي، ويُصلِحُ الخطأ،
ويُساعدني.
ولِكَي لا يقولَ لي أحدٌ منكم، بأنِّي أطلتُ عليكم بهذه المقدِّمة، ها أنا أدخلُ إلى الموضوعِ مباشرةً:
كنتُ في سنِّ المراهقة،
عُمري بحدودِ السِّتَّ عشرةَ سنة، وكنتُ أُحبُّ... حُبّاً عُذريّاً... أصلاً، لم يكن في زمنِنا ذاك، سِوى الحُبِّ العُذري... خاصَّةً في مَدينتِنا الصغيرة،
المُتزمِّتة، المُتعفِّنة،
والتي لا تَعتَرفُ بالحبِّ من أساسِه، وكان في نظرِ سُكّانِها، كُلُّ مَن يُحبُّ أو تُحبُّ، خارجٌ عن القانونِ،
والأعرافِ، والتقاليدِ،
والشَّرف...
ويستحقُّ مَن يَرتكبُ مثلَ هذه الحماقة، الذّبحَ بسِكّينٍ صدِئة.
وأنا، في تلك الأيّام، وقعتُ في هذه الضلالة...
فقد أَحببتُ...
حُبّاً جَباناً، في العَتمة،
أي عتمةِ القلبِ والرّوح،
حيثُ لم أكن أجرؤُ على البَوحِ بحُبِّي لِمَن أُحبُّ،
أو أتشجَّعَ وأُلقي نظرةً جريئة، مُتَفحِّصة، أو مُتأمِّلة، على مَن أُحبُّ، بشكلٍ مباشر، رغمَ القَرابةِ التي تَربطُنا.
أحببتُها، وكانت تعرفُ بمدى حُبِّي لها، من خلالِ أُختي... لم نتكلَّم بشكلٍ مُباشر عن هذا الحُب،
كان حبّاً صامتاً، خجولاً، مُبطَّناً، غيرَ مرئيٍّ.
وكانت تَصغرني بِبضعةِ أشهر، وهنا كانت تَكمُنُ المُشكلة... فمن عاداتِ أهلِ بَلدَتنا، أن يتزوّجَ الشابُّ من فتاةٍ تَصغُرُهُ بسنواتٍ عديدة، قد تَمتدُّ إلى أكثرَ من عشرٍ... لذلك، تَتزوّجُ الفتاةُ في سِنٍّ مُبكرة.
ولهذا، كانت فَتاتي لا تَصلُحُ أن تكونَ زَوجةً لي.
لماذا؟
لأنّ أُمّي، وأبي، وجدّتي،
لا يُريدون أن يُزوّجوا وَلَدَهُم، قبلَ أن يذهبَ ويُنهِيَ مُدّةَ خدمةِ العَلمِ الإلزاميّة، وأنا صَغيرٌ بَعدُ على الزّواج، وفَتاتي في سِنِّ الزّواج.
أُمّي، وأبي، وجدّتي، يقولون:
– هي من عُمرِك...
سَيكونُ لديها دُستَةُ أولاد،
لحينِ أن تَتزوّجَ أنتَ!
ثمَّ يُسارِعون للقول:
– لا تَنسَ... أنّ لَكَ أَخاً أَكبَر، علينا أن نُزوّجَه... قَبلَك!
بَذَلتُ جُهوداً جَبّارة،
لإقناعِ أُمّي وجدّتي،
لكن دونَ فائدة...
إلى أن وَصلتُ لِمرحلةِ اليأسِ والقنوط، وهكذا بدأتُ كتابةَ الشِّعر...
فاليأسُ هو ما دَفَعني إلى كتابةِ الشِّعر.
أقولُ:
وبينما كنتُ أَتخبّط، وأنا أَبحثُ عن حَلٍّ لمشكلتي،
خطر لي، من بينِ الأفكارِ الكثيرةِ التي راودتني،
أن أذهبَ إلى شُعبةِ النفوس، وأُكبّرَ عُمري ثلاثَ سنوات، لكي أذهبَ للعسكريّة على الفور،
وأَختصرَ المسافةَ الزّمنيّة،
لكي أُحقّقَ مُبتغايَ، وأتزوّجَ ممّن أُحبّ.
لكن...
هُناك مَن نَبّهني بأنّي لن أستفيدَ من هذه الحركة،
بل سَتتزوّجُ حَبيبتي من غيري، وأنا في الخِدمةِ العسكريّة!
وهنا...
بدأت "سينما حلب" تَعرضُ فيلماً سينمائيّاً
للفنّان "عادل إمام"،
وكان اسمُ هذا الفيلم: *"البحث عن فَضيحة"*.
وكانت قصّةُ الفيلم... مُذهِلة:
شابٌّ يُحبُّ فتاة، وأهلُها يرفضونه...
يَتّفق الشابُّ مع حبيبته على إيهامِ أهلِ الفتاة
بأنّها مُتورّطةٌ بالعلاقةِ مع حبيبِها... لدرجة أنّها حامِل!.. وهنا مربطُ الفرس... الفضيحة.
ولقد نجحتِ الفكرةُ في الفيلم... أُعجِبتُ بهذه الفكرة... شَكرتُ "عادل إمام" عليها، فهي لم تَخطُر في بالي من قبل.
شاهدتُ الفيلمَ ثلاثَ عشرةَ مرّة!
حينها، قرّرتُ أن أُقلّد ما حدث في الفيلم.
ذهبتُ، ومن دون أن أُنسّق مع من أُحبّ... أصلاً لا مجالَ لي للاتّفاقِ والتخطيطِ معها...
ذهبتُ لعندِ جدّتي،
تظاهَرتُ بالانزعاج، والخوف، والارتباك.
ولمّا سألتني:
– ما بك؟
أخبرتُها...
بكذبتي طبعاً...
وبأنّني في ورطة... لقد وقعنا، أنا ومَن أُحبّ، في الخطأ...
جُنّ جنونُ جدّتي... غَضِبَت، وانزعجت، وبَكَت، ودَعَت علينا، وقالت:
– بُكره... يَذبحونَك، أنتَ ومقصوفةُ العُمر!
ومن شِدّةِ ما وَبّختني...
كِدتُ أَعترفُ لها بأنّني قد كذبتُ عليها...
لكنّها سرعانَ ما قالت لي:
– إيّاكَ أن تتحدّث أمام أحدٍ بهذا الكلام...
اتركِ الأمرَ لي، وأنا سأجعلُ والدَكَ أن يُزوّجَكَ بها، وبأسرعِ وقتٍ ممكن.
فرحتُ... طارَ عقلي... بل جُنِنتُ!
نعم... لقد نجحتِ الفكرة...
الفضل، كلّ الفضل، يعودُ للعبقريّ "عادل إمام"!
رائعٌ أنتَ يا عادل... عظيمٌ أنتَ يا عادل!
سأتابعُ أفلامكَ دومًا،
سأُشاهدُ الفيلمَ الواحدَ لك... عشراتِ المرّات!
وأقسمتُ أنّي لو ألتقيتُهُ يومًا،
سأنحني على يدِهِ لأُقبّلها...
بفضله، سأتزوّجُ مَن أحبّ!
قالت جدّتي:
– اترك هذا الموضوعَ لي.
وتركته... وأنا في غايةِ السعادةِ والسرور.
لكنّ جدّتي ذهبت إلى أُمّ الفتاة...صارحتها بالحقيقة
... جُنّ جنونُ الأمّ...
لطمت على وجهِها، صاحت، صرخت، بَكَت، مزّقت ثوبَها..خَرّت مغشيًّا عليها... اختنقت... لم يعُد بإمكانِها التنفّس...
وحين صَحَت... نادت على ابنتِها، سألتها، حقّقت معها، لطمتها، ضربتها، شدّتْها من شعرِها،
مزّقت لها وجهَها...
وكانت فتاتي مصدومةً، مندهشةً، مستغرِبة... لا تعرف كيف تدافع عن نفسِها... فقد بكت، وأنكرت، وأقسمت لأمِّها،
وأكّدت بأنّها ما تزالُ عذراء... مثلها... مثل "مريم العذراء".
وطلبت منها أمُّها... أن تُقدِم على الانتحار،
تدارُكًا للفضيحة، ولكي لا يبتلي بها أحدٌ من العائلة.
أخذتْها الأمّ إلى (الداية) القابلة... والكُلُّ يُؤكّد أنّ الفتاة... عذراءٌ... طاهرة.
وانتشر الخبر...بين النِّسوةِ القريبات، حتّى بلغَ الخبرُ آذانَ الجدّة... جدّة الفتاة.
ولذلك... عندما سارعَ أهلي... ليطلبوا لي يدها...
رفضتني الجدّة بشدّة، وقالت:
- يجب على حفيدتها أن تتزوّج من رجل غريب،
حتّى لا يقولَ أحدٌ ممّن سمع بهذه القصّة... هذا إن تزوّجتها أنا، بأني ما تزوّجتها إلّا لأستر عليها.
وهكذا أفقدني... "عادل إمام"... من أحبّ... ولهذا تجدونني أنا ميتًا... منذ أكثر من أربعين سنة.*
مصطفى الحاج حسين.
إسطنبول