د. سيد شعبان - من دفتر الحكايات...

من دفتر الحكايات!
مضت الأيام ومايزال بي حنين إلى أن أكتب ما أهمله التاريخ؛ فالسرد في جماله يعتني بتلك المنمنمات التي يغفل عنها المؤرخون؛ إنهم يدونون الوقائع التي اشتهرت وذاع صيتها؛ عشت زمني بكل أبعاده؛ جبت البلاد طولا وعرضا؛ انتميت للوطن؛ قرأت لأعلامه واستمعت لزعمائه؛ أبحث عن الكتاب في مظانه؛ سكنت القاهرة ردحا من الزمن؛ تعلم أنني قارئ جيد للتاريخ؛ استهوتني صفحاته فيها الكثير مما خفي. خلت نفسي أحد صناعه؛ سفيرا أو زيرا وانتهى بي المطاف معلما، لست آسى على مامضى فتلك قدرة الخالق؛ نحلم وينتهي ما نتمنى محطما تحت صخرة الواقع؛ جاءتني سهام الغدر ممن كنت أحسبه حائط الصد فإذا به معول الهدم؛ تعاليت على تلك الجراح حيث الزمن كفيل بعلاجها.
هذه صفحة وجب أن تحكى فتسرد، أحيانا كنت ألعق جراحي أنطوي على نفس محطمة، كتبت أيامي ومن كان له فضل علي؛ حاولت الترميز ما وسعتني حيلة الأدب؛ درويشا مرة ومجذوبا أخرى، تخطيت عقبات الحكي؛ نجحت في قليل من كتاباتي وأخفقت في كثير منها؛ تعاطيت حرفة الأدب كانت أحلامي تفوق قدراتي؛ مضت بي محنة تلو أخرى، أقف عند منتصف الطريق أتلفت ناحية الغول الذي يتربص بي فأقذفه بحجر مما يقف في طريقي. أمسك بالقلم فأدون صفحة قد تستبد بي سطورها؛ أدهشني أدب العقاد الممتليء بالعظمة؛ ثم استدرجني يحيى حقي بحلاوة سرده؛ كنت أنفر من نجيب محفوظ- فعل التلقي الخاطيء- والآن صرت من مجاذيبه، فالمعاصرة حجاب!
لم أتعاط الوهم؛ فأنا ابن رجل عرك الشدائد؛ غالب قدره وهو غالب؛ نأيت في بلاد الله وتلك صفحة لما يحن بعد أوان سردها. بائع الملح والراهب حنا وبنت من دسوق وحرفوش وأبوالأرجاب؛ على باب الله ومصر عتيقة وعروسة المولد وقرد أفريقي بعضها ضمن في مجموعاتي القصصية وأكثره على صفحتي.
أدقق نظري فيما تراه عيني، يأتي الليل فتتابع أمامي بكل أجزائها، لم أنطو على حقد ولم أتدثر بغائلة، لم تكن لي رغيبة فيما استهوى لداتي، أوشك العقد السادس أن ينتصف؛ اشتعل الرأس شيبا، أمسك بمعول أبي وأعيش في جلبابه؛ صرت أشبه به، غير أن نزعة تستبد بي، بت مولعا بهذه الحكاية حتى كتبت يوما مع عبدالفتاح كليطو " والله إن هذه الحكاية لحكايتي"!
لست الشاطر حسن يركب السحاب ولا أنا فيلسوف العصر إنما أنا رجل يحب أيامه؛ يجتهد أن يترك أثرا في دنياه تذكر وقد تحمد.
أحمد لمن حببني في القراءة؛ فتح كوة في جدار العتمة؛ انبثق النور فتبعته؛ هذا أنا!
أنبأني العراف يوما بأنني سأغدو طائرا بثلاثة أجنحة؛ تملكني العجب من نبوءته؛ كيف لمن عاش عمره يدب فوق الأرض أن يطير!
ويا ترى أين يكون الجناح الثالث؟
أنبأني بأنني سأركب جوادا يعدو بي في الصحراء، يسابق الريح ويلامس وجه القمر.
أنبأني العراف بأنني سأغدو مرفوع القدر؛ صدقت نبوءته، فالمقصلة تعلو فوق الرقاب!
هزأ بي ذلك القاريء للكف، أنا فقير من المال ومن الجاه ومن كل شيء، ياله من عراف يتسول بجملة لا تتغير؛ يضرب الودع ويوشوش الحجر، في مدينتا يجري الناس وراء باعة الأوهام ومذيعي نشرات الأخبار، يصدقون أنفسهم، ينظرون في النهر فيراقصون أحلامهم.
يرتدون ثيابا من خيوط العنكبوت.
ترى هل تنبأ العراف بأنني سأغدو جحا في زمانه، أو المتنبي في ديوانه، أنا لا أملك مال قارون ولا حكي شهرزاد، كذب العراف.
هل وجدني العراف أمسك بالفرشاة الألوان ومن ثم أرسم وجه الفتاة التي أحببت يوما؟
قال العراف إنني مجنون، صدق، شعري المتناثر وفمي المملوء بالكلمات، أحلامي المؤجلة لتباع غدا في سوق المدينة، لا يشتري واحد تلك البضاعة المزجاة؛ الناس تجري بل تعدو خلف الفاتنات لا تلك الألغاز التي لا نفع لها، يمضغون النبوءات ويتسلون بشهد الكذب في محضر الوالي.
بل أنا العراف ملته النبوءات، عاش زمنا في جحر وراء النهر. تزوج ابنة ملك الجن الأحمر وعبر سبعة أبحر، له في كل بلد قصر وخدم، صحف وأغنيات وذوات القد والخد فالبلاد من غير العراف لا تعرف للحلم معنى ولا للربيع مغنى!
ليت لي عين العراف فأرى من الغيب الأقدار.
طبعا فيها حاجة حلوة؛ لم أتمالك نفسي من التعجب؛ تملكه اليأس يرى كل شيء خطئا؛ ينظر إلى نصف الكوب الخالي، حاولت التبسط معع وسع طاقتي، ذكرته بتلك الملح والطرائف التي يتمتع بها أبناء البلد، كاد ينفجر من الغيظ وأنا منشرح الصدر، ابتدرته سائلا:
ألا تمتلك أموالا تزيد عن ثروة أغنى رجل في الدنيا؟
أجابني:
بضعة مئات من الجنيهات؛ لا أرصدة لي في بنك وليس لدي غير وظيفتي، قلت له تعال أسرد عليك نعم الله عليك؛ أخرجت ورقة وقلما؛ اعتذر بأنه شبع من الحكم والمواعظ!
انصرف عني، أخذت أفكر في أحواله، رأيته نمطا من الناس يكثرون الضجيج الفارغ،

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...