ليال الحربي - حين خان الأب ابنه...

كان شابا في العشرينيات من عمره، بوجه لا يزال يحمل شيئا من ملامح الطفولة وبرئة أنهكتها سجائر سومر وظهر محدودب من الانحناء الطويل فوق الأرض الزراعية. يخرج فجرا من منزله ويعود إليه ليلا، كان النهار مساحة لا يجوز أن يشهد وجوده. هناك، قرب دجلة، كان يجد شيئا يشبه حياته، ساكنا، غامضا وغير مبال بأحد. يحدّث النهر مثل صديقه الأخير، يضع فيه أفكاره، خيباته وتلك الأسئلة التي يخجل من أن يسمعها بشر.

كان ينظر إلى الناس كما لو أنهم جنس آخر، كائنات ثقيلة اللسان والدم، لا تشبهه في شيء وحدها أخته كانت تتفهم شيئا من هذا الغياب، كانت تطلب أن ترافقه ويرضخ لها غالبا. إلا الآن. وقفت أمامه تنتظر أن يمنحها إذن الذهاب معه لكن وجهه انغلق وسحب نظراته منها كما يسحب المرء يده من باب ساخن

في البيت كان كل شيء محملا بالعداء. الأب، الرفيق الحزبي، رجل يرى العالم بلون واحد ويرى ابنه الآخر_ الجندي الفار— مثل وصمة عار ، خطيئة تمشي على قدمين وتنام في منزله. كيف يمكن لرجل مثله أن يتحمل رؤية عدوه نائما في بيته. على مائدة الفطور، بينما كان الجميع يجلس على الأرض وبين الخبز والشاي، طالع الأبُ ابنه ثم رفس كأس الشاي بقدمه. أمسك بياقة دشداشة ابنه وشد رقبته بقسوة رجل يعتقد أن السلطة تبدأ من يده.

الأب مخاطبا ابنه:
_ إن لم تسلم نفسك، سأشتكي عليك في الحزب
الأم مخاطبة الأب الحزبي:
_ دعه ، اتركه ،سيذهب من حاله، اتركه

تقدمت عليه فرقة مشاة الأُخوة فأبعده إخوته عنه بالقوة. تخلص من قبضة الأب وركض إلى الأرض الزراعية وتلاشى فيها وعند الغروب عاد ليجد الأب واقفا بانتظاره وبجانبه الأبناء الذين شكلوا سدا من الأجساد. يكرر تهديده لأبنائه، ولزوجته ولشباب الحي وللعالم

صرخ الأب في وجه ابنه:
_ سأشتكي عليك إن لم تُسلِّم نفسك للحزب الآن!

فقال الابن، مذعورا من أبيه:
_ لن أُسلّم نفسي… لن أعود إلى الحرب ثانية، لا أريد العودة!

كان صوته رقيقا، مرهقا، كما لو أنه يقرأ جملة لطالما قرأها في داخله.ثم فجأة، صمت البيت. الأب غادر. والبيت نفسه بدا خائفا كما لو أنه يعرف أن شيئا سيئا على وشك الحدوث

قال الأخ الأكبر نحو الأصغر المذعور:
_ والدك خرج الآن ليبلّغ عنك الحزب، اذهب… اهرب قبل أن يعودوا، سيأتون لإعدامك!

اجتاحت موجة باردة صدر الابن وهرب من المنزل بقدمين عاريتين. ظل يركض ليلا دون ضوء شارع أو ضوء قمري يدله. كانت قدماه تعرفان إلى أين تسيران به فهو، طوال شهرين كاملين، ستين يوما وستين ذهابا وإيابا إلى البيت، صارت قدماه تعرفان الطريق عن ظهر قلب، كحيوان مطارد لا يملك سوى العودة إلى المسار ذاته.

اجتاز الأرض الزراعية وصولا إلى الأرض الرخوة الطينية. أمامه الماء وخلفه أبيه مع الأمن والجيش والحرب والجبهات وشظايا الحرب وأصوات الحرب. راح يخاطب ذاته " لا، لن أعود هناك مجددا.. لا!
سيأتون إلي ويمسكونني، وسأُعدم… سأموت"

طالع عن يمينه ويساره، رغم أن الليل أليل، كان باستطاعته رؤية المتر عنه. فركض بمحاذاة النهر وهو يردد "لن أموت… لن أموت…"

عثر على قارب صياد، فجره عن الجرف ودفعه إلى الماء ثم قفز فيه وأطلقه يمضي. لم يكن هناك مطر ولا سيول فقط آب الهادئ وصوت الصرار في الليل. ترك الموج يحمله ببطء. تمدد على القارب وتكور على ذاته مثل جنين مذعور. كل شيء يلاحقه. كل شيء يريد موته. تناهى إلى سمعه أصوات بشرية قادمة باتجاه النهر. هم يبحثون عنه… هم لن يتركوه يحيا ليوم آخر

في ليل آب، كان البرد يندى على جسده فانتزعه من نومه. حركة الموج الخفيف أدارت رأسه كمن يسقط في حلم معلق. فتح عينيه كان القمر قد وصل إليه بعد منتصف الليل. الأصوات البشرية وصرير الصفارة خفُت حتى كادت تتلاشى… لقد نسوه هناك حتى منتصف الليل.

هدأت نبضات قلبه وراح البرد يصعد جسده، من قدميه العاريتين. ممددا مثل منحوتة من خشب، مال برأسه قليلا نحو السماء وهو يطالع السماء المقمرة. كانت روحه تتراقص مع الطبيعة. أحس بالأمان وأنه محمي الآن بعيدا عن أبيه، بعيدا عن الأمن والحزب والمنزل.

سقطت عن عينيه دمعة، بالكاد أحسّ بها وهي تنزل على خده متجاوزة أذنه وتسقط على أرضية القارب. دمعة بحجم مطر صيفي.

لم يغمض عينيه، ظل يطالع السماء شبه الخالية من النجوم، وتستمع أذنه إلى صوت هدير النهر مع نبضات قلب هادئة، حتى شمَّ عطر الفجر. عدّل جلسته وضوء القمر ينير دربه الآن، مسك المجداف وعاد به إلى جرف النهر. سار الهوينى عائدا نحو المنزل. عاد خفيفا وحرا وطليقا. فتح الباب، كان مفتوحا، لم يكن موصدا. الجميع نيام. في هدأة الفجر، سحب وشاح أمه الأسود من حبل الغسيل ودخل صالة الضيوف الموجودة في مدخل المنزل.

مع صلاة الفجر استيقظت الأم لتتوضأ وتصلي. وجدت باب الصالة مردودا. فتحته… وأطلقت صيحتها.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...