تلاميذ،أسلاك التعليم الإعدادي والثانوي،الذين ولجوا أبواب مدرسة"بار- سور-أوب" (sur-Aube-Bar)،خلال العام الدراسي 1919، اكتشفوا أستاذاً جديداً لمادتي الفيزياء والكيمياء، اسمه : غاستون باشلار .
كان يبلغ من العمر وقتها،خمسة وثلاثين سنة. هو أيضاً، ينحدر من نفس البلدة. الحرب التي جُنِّد في إطارها، ضمن فيلق جنود الخيَّالة لمنطقة "Pont-à-Mousson"، منذ 2 أغسطس 1914، ألزمته بالبقاء لمدة ثمان وثلاثين شهراً داخل الخنادق فاستحق وسام صليب الحرب مع تنويه نظام المجموعة، يفسر في قسم كبير منه، كما الحال كذلك بالنسبة لأبناء جيله، تأخر تعيينه، بحيث لم يغادر الجندية إلا شهرماي 1919.
في الأصل، لم يكن باشلار موجَّهاً كي يلج المدرسة من أجل التعلم،بل ينتمي إلى ذاك الصنف من التلاميذ "المقتادين إلزاماً"،من طرف الذين سماهم بيغي (Péguy) بـ "جنود الخيَّالة"، أي مجموعة من الأساتذة "المنخرطين"،في المشروع "اللائكي"، بالتالي تطلع طموحهم نحو تحويل غير المتعلمين داخل المدن والقرى،إلى تلاميذ جيدين يعرفون القراءة والكتابة، كي يصيروا مواطنين مؤهلين. فعلاً، استطاع هؤلاء كسب رهانهم.
ولد غاستون لوي بيير باشلار، في منطقة "بار- سور- أوب"، يوم 27 يونيو1884، كان والداه يملكان محلاً لبيع الجرائد والسجائر،وجدُّه امتهن إسكافياً.بعض الصور الفوتوغرافية المؤرخة لتلك الفترة، تظهر أمه وأبوه،بوزرتين بيضاء وزرقاء، يقفان بمحاذاة الشارع الوطني، أمام دكانهما الذي يحمل اسمهما.
ساكنة منطقة "بار- سور- أوب"، قاربت وقتها أربعة ألف وستمائمة وستِّ وثلاثين شخصاً.كنيسة القديس"ماكلو"، تسود القرية بجرسها ومنارتها، ثم نرى وادياً مخترقاً التلال، مداعباً الجسور حين عبوره البلدة.
إذن،بقي الجمال الطبيعي، عنصراً جوهرياً دامغاً، محدِّداً مزاج غاستون باشلار، الذي يقول: ''لقد ولدت بين فضاءات بلدة تزخر سواقي وأنهاراً في منطقة شامبانيا (champagne)، توصف بكثيرة الأودية،لأنها كانت كذلك. بالتالي،ستكون أجمل المآوي بالنسبة إلي، وسط مجرى واد صغير،وعلى حافة ماء منساب، ثم عند أحضان ظل قصير لشجر الصفصاف وكذا السوخر، مع حلول شهر أكتوبر، بضبابه على النهر… إن منطقة ''لوفالاج" (le vallage)، بثمانية عشر موضعاً طولاً، واثنتي عشر عرضاً، تشكِّل عالماً، عجزت عن اكتشافه كلياً، لأني لم أستكشف جميع وديانه''.
هذا الاستحضار،بمثابة إيقاع نَغَمي لكل الوجود:''وأنا أحلم على ضفة النهر،أوجِّه كل خيالي إلى الماء،ماء أخضر صاف، تخضرُّ به الضفاف.لايمكنني الجلوس بجانب الجداول،دون أن يستغرقني تأمل شارد عميق،فأحلم بسعادتي''.ثم،أخيراً هذه الصورة: "منظر،على تلِّ منطقة "بار- سور- أوب" نسميه بجبل سان جرمان، يقدم عالَماً دائرياً صغيراً، مغلقاً جداً، تشكِّل قبة الجرس، مركزه''. باشلار،الطفل الصغير، كان يتوغل وسط الغابات،راوياً بأنَّ: ''جدّه تاه فيها،خلال فترة زمانية ما"،فتكرست لديه "غابة، مرتبطة بالأسلاف".
بالتأكيد،شكَّل هذا الحضور السائل للطبيعة،المناخ الحسي لأولى انطباعاته التي التقط عبرها الصور والادراكات المبهرة،وأبقى من خلالها على ذاكرة شعرية مدهشة ويقظة:" تحيى أشجار حافة النهر،وفق بعدين.ينمِّي ظلّ جذعها،عمق البِركة.إننا،لانحلم بجوار الماء،دون صياغة جدلية بين الظل والعمق. يبدو،أنه لا نعرف شيئاً عن المواد المتأتية، من عمق المياه،والتي تعمل على تغذية الانعكاس.الطَّمي،مستحضر قصدير مرآة تشتغل،مؤلفاً بين ظلمة المادة وكل الظلال التي تمنح لها. أيضاً يطوي قعر النهر، بالنسبة للرسام،على مفاجآت مذهلة''. يأتي كل يوم، بوفرة من الحقائق والأحلام الجديدتين.
يبدو ضرورياً لإطار سياق الحديث،قبل استحضار شهادات حول حياته البسيطة جداً، استدعاء الذكريات، واستدعاء قوّة الخيال ذاتها، التي ألهمته وحدَّدت أفق مساره.
هكذا،يتكفَّل أبوه كل صباح بمهمة وكذا سحر،أن يوقد النار داخل غرفة غاستون، الذي يستيقظ وعينيه مفتوحتين على شرارات الشعلة،ثم مماتلثه لمشاعره،نحو هذا الأب الساحر،وقوته الهادئة، مع المتعة البروميثوسية التي تكشف الإنسان إلى ذاته.
يتأسس تقليد جديد،مثل نوع من القٌداس،بحيث لايفوض الأب ممارسة هذه الكهانة، إلى أيِّ شخص ثان.بالتالي،يتلقى الطفل الصغير،أصول التمتع بالنار التي تنير بطاقتها وإيحاءاتها،شخصيته الشابة،المتوقدة أصلاً. لقد غدا نصيراً للنار،معلنا فيما بعد،عن مايلي: "لم يعرف قط، طفل المدينة، هذه النار الملتهبة بين ثلاث قطع حجرية،ولم يتذوق أبداً فاكهة البرقوق المقلي،ولا الحلزون التي تنساب متزلجة، فوق الجمر الأحمر''.
إذن،انطلاقاً، من منزل ولادته، توطدت شيئاً فشيئاً،وتطورت مثل حقل مغناطيسي، شخصيته وتسيّدها على الواقع:"ماإن أتجاوز مخاوف الرواق…،وأنزل الممشى الذي يهتدي بي نحو المطبخ،حتى أصعد الأدراج الثلاثة،التي تقود نحو غرفة الأكل. توجد مغارة في القبو، كما نعثر على عش في تسقيفة البيت. إنه، غصن و ورق... هناك يجلس الطفل بجانب أمِّه،في الجزء الأوسط.هل يذهب بذات قطعة القلب،إلى القبو وتسقيفة البيت؟ بالنسبة للأول أو الثاني،تتعدَّد العوالم جداً... أنزلُ إلى القبو، بشمعدان صغير في اليد، كما حدث في الزمن القديم…،بما أنَّ السُلَّم، وعر،متهالك،والخطوات تتزحلق! ثم، ها أنا،أتحسَّس الأرض،تبدو حالكة ومبلَّلة…،بعض الأحجار التي تشكل دعامة للبراميل…، ثم كم الأحلام والأفكار،التي تتأتى إلي خلال اللحظة الواحدة،التي أملأ فيها ليتر ماء من البرميل "!
هكذا،يستوطن الطفل الصغير بيته،مما يغنيه بالدلالات:"داخل تسقيفة المنزل، المكان الذي تظهر داخله الاستياء المطلق،دون رقيب…،مكان القراءات اللانهائية…،التنكُّر بارتداء ألبسة أجدادنا، مع شالٍ و أوشحة. تسقيفة المنزل،عبارة عن تراكم للحياة الجافة، حياة تبقي على نفسها،وهي تجفُّ….هاهو الزيزفون وقد جفَّ، يحدث صريراً بين الأصابع، ثم عناقيد الزبيب المتدلية وسط البرميل، بريق رائع حيث تعكس العناقيد تلك الألوان اللامعة جداً''.
يستحضر كل عمل باشلار،إعادة اكتشاف بطيء للتأملات الشاردة،المرتبطة بمرحلة الطفولة،التي ستغذي دينامية فكره.
إذن،أثناء اليوم الواحد،سيجتاز باشلار،أربع مرات نفس الجسر قاصداً وجهة المدرسة،عبر الأشجار الرائعة،وغابتها ثم جذوعها الكثيرة العقد.كل يوم،يمرُّ بمحاذاة سواقي مستنقعات، ثم تستحوذ عليه تأملات شاردة،على امتداد المسالك المخضرَّة والرطبة، تماماً كما يشعر في خضم تكاسل ناعم،لحظة استيقاظه،وهو يتأمل الحطب والعيدان،تطقطق وسط المدفأة.
داخل الفصل الدراسي،باشلار مدعو إلى اكتساب إجباري للمعرفة. لكن،الصبيّ البالغ من العمر إحدى عشرة سنة،سيتفاعل مع مقتضيات أساتذته مستنداً على تجواله السعيد،الحر والفتي، ثم تعطشه للصور الجديدة:"إنَّهم يعرفون،يظنون أنهم كذلك،يقولون بأنَّهم يعرفون…،يشرحون إلى الصبي دائرية الأرض،تدور حول الشمس.مسكين هذا الطفل الحالم،الذي لايتم الاستماع إليه؟كم سينطلق،تأملك الشارد،حينما تغادر الفصل الدراسي،كي تصعد إلى ربوة ما، أو بالأحرى هي ربوتك«.
على امتداد سبع سنوات،تابع باشلار دراساته في المدرسة الابتدائية لمنطقة"بار-سور-أوب" ثم الإعدادية. لما بلغ تسعة عشر سنة، تقدّم بطلب للحصول على وظيفة معيد، بإعدادية "سيزان". تحوُّل بسيط، لايوفر غير دخل زهيد، لكنه استمر فيه حتى سنة 1902،عندما اختار أن يصبح مستخدماً مؤقتاً ضمن قطاع البريد والتلغراف، في منطقة "روميرمون"،ثم قضى سنتين من خدمته العسكرية، باعتباره جندياً خيَّالاً، مختصاً بالإرسال البرقي، ضمن الفيلق الثاني عشر في منطقة "بون -أ- موسون".
سنة 1907،أنهى باشلار خدمته العسكرية،وقد بلغ من العمر الثالثة والعشرين فاتجه مرة ثانية إلى قطاع البريد والتلغراف، في مدينة باريس،بمحطة القطار الشرقية، حيث بقي موظفاً "مؤقّتاً" طيلة ستة أشهر، قبل أن يتمَّ دمجه.
سكن أولاً،غرفة بشارع ''ألبي"،منفتحة على ساحة. عندما سأله صديقه الشاعر جون لوسكور،عن الأشياء التي اكتسبها حين قدم إلى باريس،كي يشتغل في البريد،أجاب مازحاً: ''أسماء الشوارع، بحيث تنساب"r"، بكيفية جامدة''. هذا الإقرار المتهكم شيئاً ما، يقرُّ بكثير من التحفظ الطبيعي،لدى الرجل،لكن كذلك طريقته في تأمل وقائع الحياة ودور الذاكرة. لاينبغي أن ننسى، أنه أمر يستحضر،الصدى الفوري، قياساً لفكر شابٍّ ، قادم من الريف،ولج بغتة متاهة"معجم"اللوحات الاشهارية للشارع، وكذا الحلم بين أحضان عاصمة، توحي بسحرعن مقبرة التاريخ.
طيلة ست سنوات،مارس باشلار وظيفته، مشتغلاً بالضبط ستين ساعة خلال أسبوع واحد، وهي المدة الزمانية المعتادة، لعمل موظف بالبريد. سنة 1909،أراد التحضير لمباراة التلغراف التي تقدم أفضل الموارد،للحاصلين على شواهدها. احتل الرتبة الثالثة سنة 1912، غير أنَّ المطلوب فقط منصبان.في نفس السياق،نال شهادة الإجازة في العلوم الرياضية. حقاً، لقد كانت بحق "أوقات فراغه" جادة.
نصل إلى سنة 1914،حيث تقدم باشلار بملتمس حقِّ التفرغِ، كي يترشح إلى الدورة المقبلة،المباراة التي تجري كل سنتين.حصل على منحة،قصد التسجيل في شعبة الرياضيات الخاصة بكوليج "سان لوي"، كـ"طالب حر".كانت الحرب،على الأبواب. ارتبط باشلار بفتاة صارت مدرِّسة، فقرر الزواج بها. لم يتردَّد في الإسراع ببلورة رغبته تلك، فتم عقد قرانهما يوم 8 يونيو، ثلاثة أسابيع قبل أن يستدعى كجنديٍّ عريف،ضمن فيلق الخيالة. وبما أنه طلب تفرعاً، لدواعي "الشأن الخاص"، فلن يستفيد من الامتيازات الإدارية.
تنتمي زوجته جين روسي،إلى أسرة تألَّفت من أربعة أطفال:لوسي التي تكبرها بعشر سنوات،وحظيت بزواج بورجوازي،ومارغريت التي تكبرها بثلاث سنوات،ثم أخوها أندريه القريب جداً منها، الذي اختفى، منذ سبتمبر 1914 .
يوم 2 أغسطس رحل باشلار ضمن وحدة محاربة،وقد بلغ من العمر ثمان وثلاثين سنة،فمكث عند خطِّ النار لمدة ثمان وثلاثين شهراً.أول إجازة،خولت له معاودة اللقيا بزوجته جين شهر ديسمبر 1915،كي يحتفلا بالسنة الميلادية الجديدة.
سنة1917،مرضت زوجته،ولكي يتمكن من علاجها،وهو المناهض الحكيم ل"الروح العسكرية"،التمس مواصلة دروسه كضابط،مثلما تخوِّل له مرتبته الجامعية،كي يتمكن أخيراً من تحقيق راتب أحسن.هكذا،عاد ثانية إلى الحياة المدنية وعبرها زوجته، ثم انتهت خدمته العسكرية يوم 16 مارس 1919 قطن الزوجان بمنطقة "فواني" (voigny) على بعد ست كيلومترات من "بار-سور-أوب"،وبفضل إجازته في الفيزياء والكيمياء، أصبح أستاذاً في كوليج "بار-سور-أوب"،شهر أكتوبر 1919 كل يوم،يطوي الأستاذ الجديد مشياً، مسافة طويلة.
إشارة أكَّدها الدكتور دانييل جيرو،أحد معارفه القدامى:''كل صبيحة، يترجَّل باشلار صوب الثانوية في بار- سور- أوب. خلال الظهيرة، يتناول وجبة الغذاء عند والديه، ثم يعود مساء إلى فواني(voigny)،مشياً دائماً، بحيث يقطع يومياً مسافة اثنتي عشر كيلومترا، طيلة السنة الدراسية''. باشلار نفسه،قال بهذا الخصوص:''كل يوم وباختلاف الفصول، أطوي نفس المسافة ذهابا وإيابا، دون التأخر قط،عن مواعيدي الدراسية ''.
زوجته التي تعاني صحِّيا باستمرار،أنجبت في "فواني" يوم 19 أكتوبر 1919، فتاة صغيرة ستحمل اسم سوزان ،أياماً قليلة بعد تقلد باشلار لوظيفة التدريس. توفيت جين يوم 20 جوان 1920،نفس الاعتراف السابق يقر مايلي:''بلا شك، أصيبت الشابة المسكينة، بسلٍّ رئوي، انتشر إلى حد كبير، خلال تلك الحقبة"، حتماً لقد أسرعت ظروف الولادة بإنهاكها.
سنلاحظ باندهاش، أنه على الرغم من تلك الحقبة التي اتسمت بتوتُّر كبير ومحن قاسية - بدايات وظيفته التدريسية،ولادة ابنته ثم ترمُّله- استطاع غاستون باشلار خلال السنة ذاتها أي 1920، الحصول على إجازة في الفلسفة،بعد سنة من الدراسات. ثم سنة 1922، شهادة التبريز وتدريسه للفلسفة في "بار- سور-أوب" إلى جانب الفيزياء والكيمياء، فوحدت بيداغوجيته بين التجربة والفكر،راسماً نموذجاً يبعث على الإعجاب. كتب باشلار: ''لحظة مآسي الحياة الكبرى، فإننا نستمد الشجاعة من دعامة طفل''.
لم يكشف عن أيِّ شيء،سواء الظرفية القاسية التي عاشها بحدَّة،ولا إرادته وشجاعته أو التغير المفاجئ، بل فقط جملة لخَّصت فعله ومشاعره وكذا فلسفته الشخصية،مخالفاً بذلك مجازر المحاربين،والحِداد الأكثر حميمة،ثم المجهودات المدهشة التي تحتمها الدراسات، محتفظاً فقط ببداهة المكتسبات التي شَكَّلت جواباً عن المصاعب التي تجاوزها، ثم موضع دينامية عقل جبار وجيد وبسيط :''تمكت فقط الأشياء الايجابية''.
هذا الطفل المنحدر من أسرة قرويين،ثم صاروا فيما بعد حرفيين،اعتُبر وريث جينيالوجيا متواضعة،غير أنَّ جيناته تحمل منظومة طاقية بيولوجية وحسية وذهنية، جعلت باشلار موهوباً وصاحب مزاج كبير. بالنظر إلى ذلك،لايتعلق الأمر بصدفة، بل قوة تستيقظ وتلهمه سبره لأغوار البنيات وكذا تغيرات الشخصية البشرية.
خلال تلك الحقبة،طَبَّق المجتمع الفرنسي قاعدة إجبارية التعليم، مما شَكَّل حظَّاً أولياً أتيح أمام الشباب الذَّكي،وغاستون باشلار نموذجهم الأكثر جلاء،ثم التحوُّل الذي يتحقق للذكاء المتوقِّدِ بفضل المعرفة الجديدة. وضع يعكس في الآن ذاته،الحظِّ المجتمعي وسلطة الفكر المذهلة التي ينبغي تثمينها مع تطور الفكر.
قياساً لأواخر القرن التاسع عشر، يمثِّل أولاً جيل باشلار، رمزاً لهذا الانتقال الهادئ الذي يتهيَّأ ثم تحقق،محدِّداً المرور من المجال الفلاحي والذهنية الجماعية الذي تمثِّله،إلى الحاضرة ثم الصناعة والمعرفة.
قبل ذلك،عملت مدرسة"باربيزون"وكذا الانطباعيين،على تأبيد الدقائق الأخيرة للسعادة "القروية''،التي تعكسها مشاهد مجتمع يتطور على إيقاع السكك الحديدية،سينتقل خلال فترة لم تتجاوز قرناً، من مليار نسمة إلى أربع مليارات،حيث تضاعفت مدة متوسط العمر. تبلور كل قيمة للحياة الإنسانية،انعكاساً لهذه السرعة.أمكن للتقدم، أن يطبع حضوره مثل انزعاج من الواقع البشري. تلك،هي المعطيات الجديدة.
حفيد إسكافي من منطقة "بار-سور-أوب"،انتمى إلى زمن جيل،على الرغم من محنه،صار أستاذاً للكيمياء والفيزياء ومبرَّزاً في الفلسفة ومجازاً في الرياضيات،يتموضع في إطار الدينامكية الرائعة للعالَم المعاصر،بمعرفته وكذا وضعيته باعتباره بيداغوجي عظيم.إرادته ومقدرته وأستاذيته ونجاحه وحبّه للآخرين – تأكَّد سابقاً- جعلت منه مواطناً متحضِّراً بشكل مثالي.
على امتداد تلك الحقبة الجوهرية في تطوره،فقد بلور بصنيعه،عهد"عالم منتهٍ يبدأ"، أورث لنا الثراء المدهش،لتراث علينا أن نسبر أغواره بعد باشلار. شَكَّل هذا التحليل لقيم الحداثة،تدريباً حقيقياً. يتعلق الأمر،كما نعرف اليوم،باستمالة "روح إضافية"، كي نسيطر على اكتشافات وتقنيات المستقبل.
فيلسوفنا وعلى منوال"أبطال"،حقبته أينشتاين، دو بروجلي،فرويد،يونغ،انتمى الى حلقة"أساتذة المعرفة"الذين هيكلوا،أكبر عاصفة في التاريخ واكشفوا ثم أظهروا المجالات التسعة المستجدة،من الطاقة النووية إلى الإعلاميات،ومن سيكولوجيا اللاوعي إلى بطاقة نوعية الخلقة البشرية.
ربما حمولة باشلار أو"سقراط الفكر المعاصر"،أقل بداهة من التي أنجزها الفائزون بنوبل للعلوم الفيزيائية،لكنها ذات قيمة نفيسة. اكتسب هذا المفكِّر، المتكتِّم جداً،خلال مدى قصير،أهمية مطلقة،في الوقت الذي كان عليه تقرير قوة للمعنى خلال مدة طويلة، إبان ذلك القرن الموشِكِ على الانتهاء.
أجاب باشلار،على تساؤلات جوهرية طرحتها الاكتشافات الثورية،التي فجَّرت المعايير. فَضَّل دائما سقراط لكن أيضاً ديوجين ،الالتجاء إلى" سَكَن برميل"،مقارنة مع القصور، ثم وظيفة الشاهد مقابل مسرح الممثلين، وهذا يشرح ذاك.
على امتداد كل الكون،صارت شبكات الأقمار الاصطناعية،والفاكس والتلفيزيون وأسلاك التواصل، تؤ لِّف الجهاز العصبي الجديد لجسد، لم نموضع بعد أعضاءه المتفاعلة حوارياً. وحش بلا رأس، يأخذ انطلاقته، ربما قطعنا قبل الأوان، حبله السِّرِّي.
بين مجزرتي،وباء السيدا وتكنولوجيات بالقوة،وكذا التلوث الاستيطاني ثم تفكُّك المجتمعات الماركسية،التي اعتقدت بلوغها سعادة مطلقة، ثم الاستيهامات الدينية، والاستفاقة الطموحة للقارة الآسيوية وهيمنة صناعة الفرجة،الذي يحدد القطيع الواسع للذكاءات المستعبَدة، مما يحثُّنا على التساؤل بخصوص حظوظ بقائنا.
الأجيال الجديدة المشبعة بنظريات،تقيِّدها إجراءات الانتساب،منحصرة عند مكتسبات اقتصاديات تشرف على الهلاك،فنسيت المعايير الوجودية. لايمكن لأيِّ إيمان ديني أو التزام سياسي،تحمُّل فوضى القوى الحاضرة،وكذا إمكانية بلورة اطار"مثاليً"لعشرات المليارات من الساكنة، التي تشكِّل رهان الألفية الثالثة. إنها خاصية وكفاءة فضولنا الفكري، الذي يستخدم الرهان.
غاستون باشلار المتميِّز على امتداد مساره، بإصداره ثمان وعشرين كتاباً،سعى نحو تكريس،الأكثر جوهرية بالنسبة لحصيلة الذهني والروحي، وما سيمثل طلائع الفلسفة الغربية الجديدة،توخياً للإجابة على التساؤلات الحيوية، التي يطرحها اليوم كل مواطن يقظ. باشلار أحد الأوائل، الذي تطرق إلى القضية التالية في إطار أعلى مستوياتها: "تتأتى كل صيرورة ومستقبل للفكر، من خلال إعادة بناء العقل''، بحيث يتجه القصد صوب: "إعطاء العلم، الفلسفة التي يستحقها ''. فألزمنا،بإنجاز تحليل نفسي للعقل:''ليس بمعطى طبيعي [على النقيض من الذكاء]،لكنه مجموعة إجراءات وقواعد وإكراهات''، أو''مجموع مهيكَلٍ'' مثلما تحدث بكيفية جيدة كريستيان دولاكومبان:''يتناغم تفرُّد العقل مع تعدد العقلانيات… ينبغي لنا الوصول إلى وضع اليد على القوى السرية التي تتحول عبرها الصور إلى معشوقات ثم أفكار… ،أن نمهد السبيل باتجاه معكوس، يتشكَّل من خلاله العلم مثل سحر".
أخيراً،يبرهن باشلار على أنَّ الخيال،والمتخيَّل والتأمل الشارد مَلَكَات تمثِّل"جذر القوة الفعالة"،واللاعقلاني بمثابة أساس للعقلاني.يدعونا إلى المساهمة،في ''الفكر الشعري البوَّاح''،بإعادة النظر في عناصر الواقع، أي الأرض والهواء والماء والنار، مبتغياً:"أن يعيد للأفكار مآلها نحو الحلم''.
القيمة الروحية، لهذه الفلسفة، كونها ترسو خارج كل حجة أدبية أو سياسية، بل وكل مغامرة إعلامية أو تحيل على لعب، إنها انخراط جوهري، تماثل تزهداً أو تحليلاً نفسياً من أجل سبر"ذاتنا" الفردية،ودوافعنا نحو الفعل، لكن كذلك مجموع مكتسبات "التحضُّر". يتعلق الأمر،بمساءلة القانون الإنسي مرة أخرى،الذي يؤطرنا،وكذا قدرتنا على الأمل، ثم طموحاتنا، بل وبناءات فكرنا وقد أضحى محكوماً بالصيرورة.
يقترح باشلار على انتباهنا، المناهج والصور،التي يتبدَّى معها على المشهد، نظام "الواقع المعقد"،كصيغة جديدة للكون متحضِّرة.لقد جَسَّدت مختلف عناوين كتاباته،انفتاحاً وكذا تأطيراً "ثانياً"للحقيقة،بغاية الحصول على طاقة جديدة،ووعي آخر بالزمان.هكذا، يدعونا باشلار،للقيام بإعادة تنظيم المعرفة،ونجعل من الممكن،جدلية "تجاوز العقل الدائم لذاته"،كي ندرك العلم الجديد.
متعدِّدة التحليلات الصادرة،عن تلاميذ وأساتذة ومنافسين أو شهود،التي أخضعت الفكر الباشلاري، إلى سياجها المشَخْصَن. يظهر أولا هذا "السجال"،أهمية فلسفته. لايمكن بدون المساءلة النقدية،تبصُّر أيّ استقصاء موضوعي.اليوم، وبعد إعطاء الوقت للوقت، تتبدى المرحلة النهائية لـ"إعادة بناء المعرفة"،حسب مصطلح جون لوسكور.
تجلَّت الكلمات والأفكار،وعثرت على أعماقها القاعدية.هكذا بدت إمكانية،تثمين القيمة القصوى للفعل،الذي يظهر كنظام منسجم،ودعامة خالقة، لإطلاق شهب الفكر، الأكثر انفتاحاً وغنى.يرسم مشروع باشلار،تصميم المعطيات بنظارات غاليلية،تسمح بتمييز ممكنات مصير معقول.
جملتان تضيئان، صمت باشلار، بخصوص سنوات شبابه:''عشت الطفولة، كأنها طفولة بلد''، ثم:''الطفولة لاتحكى أبداً، لأنها حالة''.مع ذلك، بوسعنا الاعتقاد أن المفاهيم الجوهرية – الحدوس الخلاقة- التي ستهب الولادة إلى خطوط القوة لفكر ثري، نشأت خلال فترة مراهقته، كنوع من التفاعل الحيوي المشخصن أمام الحقائق، التي اكتشفها. بدون شك، تمثَّل باكراً جداً طفولته،فعاش أحلامه بثقابة فكر،محتفظاً منها بصورة لاتتغير. بهذا الخصوص،كتب الجامعي والشاعر جورج جين،مايلي:''باشلار،من الذين نظروا إلى طفولتهم،طيلة حياتهم، دون تملص أو مواربة ''.
استطاع باشلار،أن يكتشف على ضوء أعماله،وانطلاقاً من أساس ملاحظاته "العلمية"،عن إحالات بدت أنها تهمُّه.حول والديه أولاً: ''البحر أمومي،والماء حليب مدهش، تهيئ الأرض في جوف أرحامها غذاء دافئاً وخصباً، وتنتفخ أثداء على الضفاف، ستمنح جميع المخلوقات ذرات دسمة''. و: ''حبُّ البنوَّة،هو الأول فعالية من أجل عرض الصور، إنه قوة الخيال الأولى،التي لاتنضب وتستحوذ على كل الصور،كي تضعها ضمن الأفق البشري، الأكثر يقينية: الأفق الأمومي. بالتأكيد، تنهمر أنواع أخرى من الحبِّ،كي تنضاف إلى القوة العاشقة الأولى.غير أنَّ،كل أنواع العشق تلك،لايمكنها أبداً تحطيم الأسبقية التاريخية من خلال شعورنا الأول،مادامت كرونولوجيا القلب دائمة. فيما بعد، وبقدر انتشاء شعور الحبِّ والانجذاب، بقدر ما سيكون محتاجاً كي يذهب بغية أن يستنفذ قواه في الشعور الجوهري… أن تحب الكون اللانهائي،معناه اعطاء دلالة موضوعية إلى لانهائية حبِّك الذي تكنه لأمِّك ''.
أما فيما يتعلق بأبيه،"سيِّد النار"،والماء أيضاً،فقد استعاد اللحظة التي كان يتعلم فيها السباحة،حيث يلقى بالصغير غاستون في الماء مثل "حجر مقلاع"،ويضحك الأب ساخراً من مشاهدته وهو يتخبط. لكن ردَّة الفعل الباشلارية، ستكون سعادة حقيقية حينماً تحقق فيما بعد اليقين لدى الفتى الصغير، أنَّ تلك المبادرة طمست الخوف والإذلال.
لاتكشف القراءة الهادئة لكتاباته،عن غاستون باشلار "أوديبي"،لكن الطفولة التي عاشها بزخم،تشعره بالسعادة حين استعادته سنوات كِبَره،لحلقاتها بين طيات تأملاته الشاردة، بحيث ظلت منبعاً أساساً للمتخيَّل الحميمي،الدلالة السعيدة لإعادة البناء.
أحاديث وتحليلات،تميط اللثام عن القوة الثاقبة لشخصية باشلار الطفل، فكتب:"كل طفولة مذهلة،طبيعياً مذهلة.ليس لأنها تجعلنا نذعن،بسهولة مفرطة،كما يعتقد للحكايات المزيَّفة دائماً التي تُحكى لنا،ولاتصلح لأيِّ شيء،سوى تسلية العجوز الذي يحكيها.كم هن الجدَّات،اللواتي يتعاملن مع حفيدهن كأبله.غير أنَّ الطفل،وقد ولد ذكياً،يؤجِّج ذاك الإذلال المرتبط بحكي مثرثر دائماً،للحاكية العجوز.فليس تلك الحكايات المتحجِّرة،من يضحك خيال الطفل،مادام الأخير يعثر على حكاياته في تأمله الشارد الخاص،حكايات لايرويها لأحد''. يلحُّ على حالات الوعي الصعبة بين الرجل والطفل:''ننفصل بصعوبة عن هذه القصيدة الطفولية. فلدى كثير من الآباء،تتحدث الجداول نقنقة(glou-glou)،بنفس النبرة الخاصة "لغرفة نوم الطفل"،التي تكبح في أغلب الأحيان الروح الطفولية،عند ذات المقطعين الصامتة الحروف: دادا ( dada)، بوبو (bobo)، لولو (lolo)، كوكو (coco). هكذا، تتغنى الجداول، في حكايات الطفولة، التي ينسجها الكبار .«
السؤال الذي يطرح نفسه بشكل جد طبيعي،أن نفهم إذا كان غاستون باشلار،طفلاً استثنائياً،حيث اكتشف نسيان الكبار غالبا،جانبهم الطفولي،ثم ارتهنوا إلى بعض الخاصيات الجوهرية التي تمحو أيضاً:''حضور الطفل في الإنسان''، وتعيق تفتُّح الشخصية.
يعلن باشلار:''شيء مؤكَّد في جميع الأحوال،أنَّ التأمل الشارد عند الطفل،هو تأمل شارد مادي.الطفل،مولود مادي.فأحلامه الأولى،أحلام الجواهر العضوية''.يعني العثور ثانية على طفولته،الاحتفاظ بحبله السري مع ماهية الذات،وكذا منفذ إلى دلالة الواقع، أو مايسميه :"الذاكرة الكونية"، حيث الماء والنار والهواء والأرض بمثابة "الصور الأولى".
يمكننا قراءة نصوص باشلار،بـ"اتباع دليل"،ونحن نلتقط مثل الحصى الأبيض لحكايات"الطفل القزم"،الخطوط المرسومة بنقط دينامية، لها أصولها في الطفولة، حيث تعاش كل مرحلة بجلاء، وتقوم كعناصر لقانون إعادة استرداد الذات.
يدعو، باشلار إلى تصور منهجية للمقاربة،وكذا مراقبة التأمل الشارد، الذي سيفتح له مسالك المعرفة التقريبية ''عنوان عمله الأول'':''التأمل الشارد،نشاط يستمر معه خطٌّ للوعي. يعتبرحالم التأمل الشارد،حاضرا في خضم تأمله ''.
ليس الأساس،وصل مُرْبِكات الذاكرة،بل أن نعيش بزخم لحظات، بعث للذات نفسها. بالنسبة لـ باشلار:'' لايوجد تاريخ للذكرى،بل موسمً.يشكِّل الأخير،سمة جوهرية للذكرى". يعتبر مفهوم الموسم خاصاً. بالنظر إلى ذلك، يتعلق الأمر أكثر بالعثور من جديد على "زمن معطى"،وبكيفية أقل إعادة تشكيل ثان:''أن نأخذ إذن بعين الاعتبار تجربة الزمان العابرة جداً الصعبة والمتحذلقة للغاية،هي بالفعل التجربة الفاترة للحظة تؤخذ دائماً باعتبارها ثابتة. فكل ماهو فينا، بسيط وقوي ودائم، يعكس عطاء للحظة''.
قد تكون صورة كافية،قصد الايحاء بكليانية كثافة الحياة الكونية:''العثور ثانية على طفولتك''،أن تحيا من جديد،وتطور دينامية الخيال المبدعة، الذي يغدو مَلَكَة العقل الأساسية. يمرُّ،خطاب المنهج الجديد،من خلال هذه البداهة:''يمتلك الماضي الميِّت داخلنا،مستقبلا. مستقبل صوره حيَّة،والتأمل الشارد،الذي سينفتح أمام كل صورة، تم العثور عليها ثانية''. هل يعكس فقط تناقضا؟ أم اكتشافا؟:''كي تلج زمانا مدهشا، يلزمك أن تكون جاداً مثل طفل حالم''.
يغذي غاستون باشلار،فكره وشخصيته،بمكتسبات مرحلة الطفولة المراهقة، وحينما يدعو إلى: ''التأمل الشارد، صوب الطفولة"، فمن أجل أن يعيشها مرة أخرى،منهجية بسيطة قابلة للتطبيق لدى كل واحد.
لقد كَرَّس باشلار،إلى لوتريامون أو إيزيدو دوكاس، الشاعر المتخصص في الرياضيات، دراسة كاشفة بدورها لمراهقته الخاصة. كيف، بالتالي،لانتخيل كونه يستحضر ذكرى،عندما يكتب: "أن يتمرَّد من لامسته باللطف أو العقل،بمثابة دليل مباشر وقطعي على الاستقلالية؟''. تلميح باشلار إلى فكر لوتريامون المتمرد، قد ينطبق بكل بداهة عليه، لاسيما إذا تذكرنا أقاويله في كتابه "الأرض والتأملات الشاردة للراحة"،حول "الأساتذة": "إنهم يعرفون،يعتقدون أنهم يعرفون،يقولون بأنهم يعرفون''. التمرد،تحية للإرادة المبدعة،مادام الشرط الضروري يتمثل في الإبقاء دائماً على يقظته،فلا يجب أن نكبح الخيال:"المبدع للحياة والفكر الجديدين… يشكِّل هذا التماهي مع اللامرئي،القصيدة الأولى، التي تجيز لنا عشق ماديتنا.تمدنا بانطباع عن الشباب والفتوة،بأن تمنحنا بلا توقف القدرة على إدهاشنا. القصيدة الحقيقية، هي وظيفة للتيقظ… فالعالم لا يقوم شعرياً إلا إذا أبدع ثانية''.
كتب باشلار في رسالة إلى الشاعر بيير جون جوف (jouve)، مايلي:''مضت جلُّ مراحل حياتي،تحث تأثير التأخير"،بالتالي هو أستاذ الكيمياء والفيزياء، البالغ خمس وثلاثين سنة،المبرَّز في الفلسفة وقد بلغ سنَّ الثامنة والثلاثين،ثم دكتور في الآداب حين إدراكه سنَّ الثالثة والأربعين،دون اكتراثه قط، بأن يحظى "بوضع متقدم"،على المستوى الجامعي والإداري.لقد تبنى مسلكاً، ينتمي إلى قانون آخر، غير طريق النجاح المستند على مشروعية الشواهد،مما منح كل حياته استقلالية الفكر، وإيقاعاً نوعياً حيال التدرج، وأكسبه خاصة مساحة فكر "يستلهمه من بعيد".
في زمن بلا شك،كان باشلار مجرد تلميذ صغير بمنطقة ''بار- سور-أوب''، أراد منذئذ التحصُّن خلف دِرع يحميه من "المؤسسات"،مكرساً قواه كلياً للحلم والعشق. يستغرب اليوم،من يقرأ تراث باشلار،عندما يكتشف أنَّ هذا العقل المتسيِّد جداً على الكلمة، لم يخلف أثراً شعرياً بين ثنايا حقائب مراهقته. لقد اختار طريقاً،مكَّنه بالتأكيد من إدراك مستوى إبداعياً خاصاً جداً،ووحدة فكر استثنائية،وضعته فوق الحدود،ورهانات اللغة وكذا الحساسية، فأخبرنا عن الخاصية، لما كتب: ''تبهجني التركيبات وتجعلني في الآن ذاته أفكر وأحلم.تفتح الفكر بالصورة،وترسِّخ الصورة بالفكر''،هذا العطاء للتحليل والتركيب، سيهيمن على الذهني وكذا الحساسية. يمكننا، مثلاً، المقارنة مع أستاذ آخر للفكر الشعري، إنه غيوم أبولينير ، من نفس الجيل (ولد سنة 1880)، الذي التجأ حتماً إلى القصائد كي يفهم، ويسيطر على نفسه.
أبان باشلار منذ فترة مبكرة جداً،عن هذه القدرة كي: "يفكر ويدرس ثم يحلم"، حتى قبل أن يعرف.من البديهي، بالنسبة إليه، فـ ''الشعر، نشاط مثل العلم''، فقد كان ذاك الطفل، المتميز في كتابه "الأرض والتأملات الشاردة للاستراحة"، بـ "الرغبة في التكسير"، الذي يسمح له بتجاوز العالم الراشد:''لاينبغي الاندهاش،كي نخبره بشكل سريع،أننا لانعرف إعطاء الطفل "لعبة عميقة"،تسدِّد حقاً ثمن الفضول العميق!لقد أضفنا صوتاً إلى الدمية، ولن تفاجأ أن الطفل في سعيه للفحص، سيكتفي بتمزيق لباسها. لا نحتفظ، إلاّ بالحاجة كي نحطم ونهشم، ونحن ننسى أن القوى النفسية المتحركة، تتوخى التخلي عن المظاهر الخارجية كي ترى شيئا آخر، رؤية المابعدي والداخلي. باختصار، الهروب نحو انفعالية الرؤية".
مجمل عمل باشلار،تجلٍّ لشبابه،مثلما أشار بطريقته:''ليتركوننا نحلم إذن،دون أرقام، بشبابنا وطفولتنا وبالطفولة''.استدعاء ثراء الطفولة،يتمِّمه هذا البوح:''سيتأتى لنا خلال الربع الأخير للحياة،من فهم انعزالات الربع الأول،عندما نعكس عزلة الشيخوخة، على الانعزالات المنسية للطفولة ".
نتخيَّل الطفل الصغير في قريته المخضرَّة،وسط ''الغابة القديمة"،مقتفياً "وحيداً" أحلامه كطفل،أحلام:''لم تعرف التربية،كيف تنضجها'' لأننا: ''لانحلم أبداً، بأفكار تعلمناها''. ويضيف تفسيرا في كتابه "الهواء والأحلام"،قائلا:''إنَّ الصورة المثبتة بين صفحات الكتب، الخاضعة لنقد ومراقبة الأساتذة، تكبح الخيال ''.
نضيف إلى "مفاتيح"منهجيته،القوة البروميتوسية لاقتحام النار،التي يبدو أنها تنبعث مع خشخشة الشعلة، الجاذبة لانتباه الطفل. توخَّت شخصية باشلار،الإبقاء على أصالة هذا الوثب العظيم،لشعلة الذكرى،كقدرة تضمن للحقيقة إلهامها ولغتها،وتحافظ على''شباب للكائن''حقيقي.
دلالة النار،ليست تجريداً، بل قوة حارسة وحسية،جعلته يكتب:''أعتقد،بأنِّي أفضِّل أن أخلِف موعدي مع درس فلسفي،على أن أخلِف موعدي مع نار الصباح''، مستحضراً بزخم أجواء الساعات الأولى: ''يتدلى القِدر الأسود،فوق أسنان معلاق، ثم بثلاثة أرجل، نتعهد به إلى رماد دافئ. تنفخ جدتي، بملء أوداجها في أنبوب فولاذي،لكي توقد لهيب الشعل الراقدة. يستوي،كل شيء،خلال ذات الوقت: البطاطس للخنازير،ثم أكثرها جودة للعائلة.بالنسبة إلي، بيضة طرية تنضج تحت الرماد''،إنها صورة فعالة، لسعادة الكائن.
يستعيد بول جينيستير،قولة لـ باشلار،لاتمثِّل مزحة فقط،افتتح بها إحدى أولى دروسه في السوربون:"حين انتقالي من التعليم التطبيقي للعلوم إلى الفلسفة،لم أشعر قط أني سعيد كلياً،فحاولت البحث في أسباب شعوري بعدم الرضى،غاية سماعي إشارة أدلى بها طالب ذات يوم في جامعة "ديجون" متحدِّثا عن عالمي المبسْتر فكان ذلك إلهاماً بالنسبة إلي،فالإنسان،لايمكنه أن يكون سعيداً وسط عالم مبستر،مما يحثُّني كي أجعله يعجُّ بالميكروبات معيداً إليه الحياة، مستعيداً دمج الخيال باكتشاف القصيدة ''.
يمكننا اضافة تعليق إلى هذه التأشيرات،حول السعادة التي استلهمها باشلار دائماً من المطبخ،جعله يقارن البعد التدبيري ل مصفاة بـ "مثال أخلاقي" بقوله:''أتذوَّق بالكِليتين، النبيذ الأبيض لوطني''،أو تكلمه عن الثمالة، باعتبارها:''نجاحاً ذاتياً هائلاً''، أو رفضه لـ: '' نبيذ، اختلط به الماء… فأضاع كثافته''.
كم هي رائعة وحدة الحياة تلك! وحدة في التعقد المتطور باستمرار،الناشئ عبر استكشاف العالم: ''بواسطة ذاكرة متخيِّلة،تقودنا إلى إعادة تخيل ماضينا''.
يرتكز،مسار باشلار،الفيلسوف على يقين ثلاثي:أن نعيد ثانية العثور،على قوة:''ماضي شعل العالم''، ويمكننا إقامة تطابقات جديدة، ثم وعي مختلف.
حتماً:''الإغراء الأولي،قطعي''،لكن السعي لا يتعلق فقط بمجرد، إحياء جديد للطفولة السعيدة،بل العثور ثانية على مرجعية:''تعالج الفكر من مباهجه، بانتشاله من النرجسية التي تقدمها البداهة الأولى، ومنحه يقينيات أخرى غير التملُّك، وقوى أخرى للاعتقاد غير الدفء والحماسة. باختصار،هي براهين، لن تكون قط شعلاً".
من حقنا التحسر،لأننا لم نضع أيادينا على ''قصائد'' باشلارية.حقيقة، نمتلكها بحيث يكفي إلقاء نظرة حسية حول أحاديثه،حتى نتحسس قصيدة نثرية، تجيب أولاً عن تساؤلات وتستحضر ذكريات حقيقية،بخصوص ذاكرة حيَّة:''أحياناً توقد جدَّتي الطيبة،بساق القنب، شعلة يعلوها ببطء دخان، يتصاعد على امتداد المدفأة السوداء، وحينما تستعيد مافوق الشعلة الوجود، تقول جدَّتي: ''أنظر يا صغيري، إنها طيور النار''.
إذن،أنا أيضاً الحالم دائماً، أبعد من أقاويل الأجداد، أعتقد بأنَّ طيور النار تلك، كان لها عشَّها في جوف الحطبة،المختفية حقاً وراء القشرة والحطب اللين. الشجرة،الحاملة للعشِّ،هيَّأت كلياً خلال نموها،هذا العشِّ الحميمي،حيث تقطن طيور النار،الجميلة تلك. لكن عند دفء موقد كبير،يكمن زمان،يسمح بالتفتُّق والتحليق''. جدلية هذا الاستكشاف، بسيطة وبديهية: دقَّة الإدراك وإسقاط صورة قوية ومتخيَّل جليٍّ.
يموضع باشلار،ماسماه بـ"صورة حقيقية"،تبرز سلطة حقيقية للاستبطان واستكشاف الواقع. أيضاً،تمثُّل الظاهرة البروستية (Proustien)، لمذاق حلوى خفيفة، بمعنى التمجيد ''التحليلي'' للذوق:''بمناسبة الاحتفالات الكبرى لشتاء طفولتي،نهيِّئ محروقة. يسكب أبي وسط صحن واسع،مقداراً من الخمر. يضع في الوسط،قطعاً من السكر المكسور،وأكبر أنواع أواني السكر. فما إن يلمس عود الثقاب حدَّ السكر،تتمدَّد الشعلة الزرقاء بهدير قليل، على الكحول المطروح. تطفئ أمي المزيج،كانت لحظة ملغزة واحتفالاً خطيراً شيئاً ما… بعد مشهد كهذا، تجعل تأكيدات الذوق الذكريات خالدة. ينتعش تطابق بودليري، من العين المنذهلة إلى البطن،التي هي أكثر مادية بقدر صلابتها: فكم بئيسة وباهتة، تجربة شارب الشاي الساخن،أمام شارب محروق السكر''.
واصل غاستون باشلار،بتمطيطه لهذا البوح،تحليل استعمال النار: ''الاحتراق، معناه الكبح الطبيعي،وبتأكيد الموانع المجتمعية،على منح نظرة الطفل،قيمة أكثر للذكاء الأبوِّي. هناك،إذن،تداخل بين الطبيعي والمجتمعي،عند قاعدة المعرفة الطفولية بالنار،حيث المجتمعي يهيمن تقريباً دائما…مادامت الموانع، تمثِّل منذ أول وهلة موانع مجتمعية، فقضية معرفة النار،تعتبر قضية العصيان الحاذق''.ثم يستدعي،عقدة بروميثوس التي تؤلِّفها كل: "النزوعات التي تدفعنا كي نعرف بمقدار آبائنا،أكثر من آبائنا،مثل أساتذتنا أكثر من أساتذتنا".نلاحظ نوعاً من التحليل النفسي،الدائم الحساسية،ثم شيئاً فشيئاً،ومع تلمسه وتجليه، ستنمحي بالتالي كل عقدة.
مقتطفات أسرار،قدر كونها شظايا صغيرة لقطعة ألماس،تنبعث من العمل قصد تثمين طيف نور مذهل،كما يقول جورج جين ،تظهر الطفل المختلس لأعواد الثقاب، مشعلاً النار:''من أجل فهم ذلك… سيندفع نحو فهم للصور متصل ومنفصل، إنها شعل وأفكار، تحرق الأفكار التي تمَّ الحصول عليها''،تكمن إضاءة السيكولوجيا،في إطار هذا الاندفاع.
بالتالي،بوسع كل واحد،إدراك اندراج استدعاء هائل، ضمن تشكُّل ذاكرة الطفولة، التي توجِّه مختلف ملَكَاتنا:''البرنس المبلّل،بحيث تنبثق ثانية بين طيات ذاكرتنا جلّ طفولاتنا خلال شهر أكتوبر،ومختلف مظاهر شجاعتنا.لقد بقيت الرائحة داخل الكلمة''، ''إننا لانسبح مرتين في ذات النهر،مادام الكائن الانساني، يسكن عمقه أصلا،مصير الماء المنساب… الماء الذي نستعيد معه الأمّ''.
بالنسبة لـ غاستون باشلار،يشهد ماوراء رمزية التأملات الشاردة للطفولة،على أنَّ:''وظيفة اللا- واقع،بمثابة وظيفة عادية ومفيدة،تُبقي النفسية البشرية،على هامش أيِّ خشونة عدوانية وغريبة،لذات غير ذاتي''.لقد أدلى بأفضل تعليق،عن هذا المفهوم الجديد:" أقول أمي، ثم أفكر فيك أيها المنزل! منزل، تلك الفصول الصيفية المعتمة لطفولتي… ولأنه يعيش داخلنا منزلاً حُلُمياً،فإنَّنا نصطفي زاوية داكنة من منزل الولادة،غرفة أكثر سرِّية. يهمًّنا منزل الولادة،انطلاقاً من الطفولة الأكثر بعداً،لأنها تحمل شهادة عن حماية سحيقة جداً''(بالتأكيد هو بطن الأمِّ).
على امتداد كتاباته،استحضر باشلار قوة "حقائق الطفولة"،التي أجازت طرح التيمات الأكثر إثارة،بخصوص أبحاث انصبَّت على بنيات الفكر والعقل والمعرفة،التي تهمُّنا جميعاً في أعمق ذواتنا،مادمنا: ''ونحن أطفال، كنَّا رسامين وصنَّاع تماثيل وعلماء نبات ونحَّاتين ومهندسين وقنَّاصين ومستكشفين. انطلاقاً من كل ذلك، ماذا أصبح؟".
هل يمثِّل ذلك، سؤالا جوهريا للغاية، من أجل فتح أبواب تستشرف المستقبل؟.
المصدر:
André Parinaud : Gaston Bachelard ; flammarion 1986 ; Grandes biographies ; pp ; 13-29
سعيد بوخليط
كان يبلغ من العمر وقتها،خمسة وثلاثين سنة. هو أيضاً، ينحدر من نفس البلدة. الحرب التي جُنِّد في إطارها، ضمن فيلق جنود الخيَّالة لمنطقة "Pont-à-Mousson"، منذ 2 أغسطس 1914، ألزمته بالبقاء لمدة ثمان وثلاثين شهراً داخل الخنادق فاستحق وسام صليب الحرب مع تنويه نظام المجموعة، يفسر في قسم كبير منه، كما الحال كذلك بالنسبة لأبناء جيله، تأخر تعيينه، بحيث لم يغادر الجندية إلا شهرماي 1919.
في الأصل، لم يكن باشلار موجَّهاً كي يلج المدرسة من أجل التعلم،بل ينتمي إلى ذاك الصنف من التلاميذ "المقتادين إلزاماً"،من طرف الذين سماهم بيغي (Péguy) بـ "جنود الخيَّالة"، أي مجموعة من الأساتذة "المنخرطين"،في المشروع "اللائكي"، بالتالي تطلع طموحهم نحو تحويل غير المتعلمين داخل المدن والقرى،إلى تلاميذ جيدين يعرفون القراءة والكتابة، كي يصيروا مواطنين مؤهلين. فعلاً، استطاع هؤلاء كسب رهانهم.
ولد غاستون لوي بيير باشلار، في منطقة "بار- سور- أوب"، يوم 27 يونيو1884، كان والداه يملكان محلاً لبيع الجرائد والسجائر،وجدُّه امتهن إسكافياً.بعض الصور الفوتوغرافية المؤرخة لتلك الفترة، تظهر أمه وأبوه،بوزرتين بيضاء وزرقاء، يقفان بمحاذاة الشارع الوطني، أمام دكانهما الذي يحمل اسمهما.
ساكنة منطقة "بار- سور- أوب"، قاربت وقتها أربعة ألف وستمائمة وستِّ وثلاثين شخصاً.كنيسة القديس"ماكلو"، تسود القرية بجرسها ومنارتها، ثم نرى وادياً مخترقاً التلال، مداعباً الجسور حين عبوره البلدة.
إذن،بقي الجمال الطبيعي، عنصراً جوهرياً دامغاً، محدِّداً مزاج غاستون باشلار، الذي يقول: ''لقد ولدت بين فضاءات بلدة تزخر سواقي وأنهاراً في منطقة شامبانيا (champagne)، توصف بكثيرة الأودية،لأنها كانت كذلك. بالتالي،ستكون أجمل المآوي بالنسبة إلي، وسط مجرى واد صغير،وعلى حافة ماء منساب، ثم عند أحضان ظل قصير لشجر الصفصاف وكذا السوخر، مع حلول شهر أكتوبر، بضبابه على النهر… إن منطقة ''لوفالاج" (le vallage)، بثمانية عشر موضعاً طولاً، واثنتي عشر عرضاً، تشكِّل عالماً، عجزت عن اكتشافه كلياً، لأني لم أستكشف جميع وديانه''.
هذا الاستحضار،بمثابة إيقاع نَغَمي لكل الوجود:''وأنا أحلم على ضفة النهر،أوجِّه كل خيالي إلى الماء،ماء أخضر صاف، تخضرُّ به الضفاف.لايمكنني الجلوس بجانب الجداول،دون أن يستغرقني تأمل شارد عميق،فأحلم بسعادتي''.ثم،أخيراً هذه الصورة: "منظر،على تلِّ منطقة "بار- سور- أوب" نسميه بجبل سان جرمان، يقدم عالَماً دائرياً صغيراً، مغلقاً جداً، تشكِّل قبة الجرس، مركزه''. باشلار،الطفل الصغير، كان يتوغل وسط الغابات،راوياً بأنَّ: ''جدّه تاه فيها،خلال فترة زمانية ما"،فتكرست لديه "غابة، مرتبطة بالأسلاف".
بالتأكيد،شكَّل هذا الحضور السائل للطبيعة،المناخ الحسي لأولى انطباعاته التي التقط عبرها الصور والادراكات المبهرة،وأبقى من خلالها على ذاكرة شعرية مدهشة ويقظة:" تحيى أشجار حافة النهر،وفق بعدين.ينمِّي ظلّ جذعها،عمق البِركة.إننا،لانحلم بجوار الماء،دون صياغة جدلية بين الظل والعمق. يبدو،أنه لا نعرف شيئاً عن المواد المتأتية، من عمق المياه،والتي تعمل على تغذية الانعكاس.الطَّمي،مستحضر قصدير مرآة تشتغل،مؤلفاً بين ظلمة المادة وكل الظلال التي تمنح لها. أيضاً يطوي قعر النهر، بالنسبة للرسام،على مفاجآت مذهلة''. يأتي كل يوم، بوفرة من الحقائق والأحلام الجديدتين.
يبدو ضرورياً لإطار سياق الحديث،قبل استحضار شهادات حول حياته البسيطة جداً، استدعاء الذكريات، واستدعاء قوّة الخيال ذاتها، التي ألهمته وحدَّدت أفق مساره.
هكذا،يتكفَّل أبوه كل صباح بمهمة وكذا سحر،أن يوقد النار داخل غرفة غاستون، الذي يستيقظ وعينيه مفتوحتين على شرارات الشعلة،ثم مماتلثه لمشاعره،نحو هذا الأب الساحر،وقوته الهادئة، مع المتعة البروميثوسية التي تكشف الإنسان إلى ذاته.
يتأسس تقليد جديد،مثل نوع من القٌداس،بحيث لايفوض الأب ممارسة هذه الكهانة، إلى أيِّ شخص ثان.بالتالي،يتلقى الطفل الصغير،أصول التمتع بالنار التي تنير بطاقتها وإيحاءاتها،شخصيته الشابة،المتوقدة أصلاً. لقد غدا نصيراً للنار،معلنا فيما بعد،عن مايلي: "لم يعرف قط، طفل المدينة، هذه النار الملتهبة بين ثلاث قطع حجرية،ولم يتذوق أبداً فاكهة البرقوق المقلي،ولا الحلزون التي تنساب متزلجة، فوق الجمر الأحمر''.
إذن،انطلاقاً، من منزل ولادته، توطدت شيئاً فشيئاً،وتطورت مثل حقل مغناطيسي، شخصيته وتسيّدها على الواقع:"ماإن أتجاوز مخاوف الرواق…،وأنزل الممشى الذي يهتدي بي نحو المطبخ،حتى أصعد الأدراج الثلاثة،التي تقود نحو غرفة الأكل. توجد مغارة في القبو، كما نعثر على عش في تسقيفة البيت. إنه، غصن و ورق... هناك يجلس الطفل بجانب أمِّه،في الجزء الأوسط.هل يذهب بذات قطعة القلب،إلى القبو وتسقيفة البيت؟ بالنسبة للأول أو الثاني،تتعدَّد العوالم جداً... أنزلُ إلى القبو، بشمعدان صغير في اليد، كما حدث في الزمن القديم…،بما أنَّ السُلَّم، وعر،متهالك،والخطوات تتزحلق! ثم، ها أنا،أتحسَّس الأرض،تبدو حالكة ومبلَّلة…،بعض الأحجار التي تشكل دعامة للبراميل…، ثم كم الأحلام والأفكار،التي تتأتى إلي خلال اللحظة الواحدة،التي أملأ فيها ليتر ماء من البرميل "!
هكذا،يستوطن الطفل الصغير بيته،مما يغنيه بالدلالات:"داخل تسقيفة المنزل، المكان الذي تظهر داخله الاستياء المطلق،دون رقيب…،مكان القراءات اللانهائية…،التنكُّر بارتداء ألبسة أجدادنا، مع شالٍ و أوشحة. تسقيفة المنزل،عبارة عن تراكم للحياة الجافة، حياة تبقي على نفسها،وهي تجفُّ….هاهو الزيزفون وقد جفَّ، يحدث صريراً بين الأصابع، ثم عناقيد الزبيب المتدلية وسط البرميل، بريق رائع حيث تعكس العناقيد تلك الألوان اللامعة جداً''.
يستحضر كل عمل باشلار،إعادة اكتشاف بطيء للتأملات الشاردة،المرتبطة بمرحلة الطفولة،التي ستغذي دينامية فكره.
إذن،أثناء اليوم الواحد،سيجتاز باشلار،أربع مرات نفس الجسر قاصداً وجهة المدرسة،عبر الأشجار الرائعة،وغابتها ثم جذوعها الكثيرة العقد.كل يوم،يمرُّ بمحاذاة سواقي مستنقعات، ثم تستحوذ عليه تأملات شاردة،على امتداد المسالك المخضرَّة والرطبة، تماماً كما يشعر في خضم تكاسل ناعم،لحظة استيقاظه،وهو يتأمل الحطب والعيدان،تطقطق وسط المدفأة.
داخل الفصل الدراسي،باشلار مدعو إلى اكتساب إجباري للمعرفة. لكن،الصبيّ البالغ من العمر إحدى عشرة سنة،سيتفاعل مع مقتضيات أساتذته مستنداً على تجواله السعيد،الحر والفتي، ثم تعطشه للصور الجديدة:"إنَّهم يعرفون،يظنون أنهم كذلك،يقولون بأنَّهم يعرفون…،يشرحون إلى الصبي دائرية الأرض،تدور حول الشمس.مسكين هذا الطفل الحالم،الذي لايتم الاستماع إليه؟كم سينطلق،تأملك الشارد،حينما تغادر الفصل الدراسي،كي تصعد إلى ربوة ما، أو بالأحرى هي ربوتك«.
على امتداد سبع سنوات،تابع باشلار دراساته في المدرسة الابتدائية لمنطقة"بار-سور-أوب" ثم الإعدادية. لما بلغ تسعة عشر سنة، تقدّم بطلب للحصول على وظيفة معيد، بإعدادية "سيزان". تحوُّل بسيط، لايوفر غير دخل زهيد، لكنه استمر فيه حتى سنة 1902،عندما اختار أن يصبح مستخدماً مؤقتاً ضمن قطاع البريد والتلغراف، في منطقة "روميرمون"،ثم قضى سنتين من خدمته العسكرية، باعتباره جندياً خيَّالاً، مختصاً بالإرسال البرقي، ضمن الفيلق الثاني عشر في منطقة "بون -أ- موسون".
سنة 1907،أنهى باشلار خدمته العسكرية،وقد بلغ من العمر الثالثة والعشرين فاتجه مرة ثانية إلى قطاع البريد والتلغراف، في مدينة باريس،بمحطة القطار الشرقية، حيث بقي موظفاً "مؤقّتاً" طيلة ستة أشهر، قبل أن يتمَّ دمجه.
سكن أولاً،غرفة بشارع ''ألبي"،منفتحة على ساحة. عندما سأله صديقه الشاعر جون لوسكور،عن الأشياء التي اكتسبها حين قدم إلى باريس،كي يشتغل في البريد،أجاب مازحاً: ''أسماء الشوارع، بحيث تنساب"r"، بكيفية جامدة''. هذا الإقرار المتهكم شيئاً ما، يقرُّ بكثير من التحفظ الطبيعي،لدى الرجل،لكن كذلك طريقته في تأمل وقائع الحياة ودور الذاكرة. لاينبغي أن ننسى، أنه أمر يستحضر،الصدى الفوري، قياساً لفكر شابٍّ ، قادم من الريف،ولج بغتة متاهة"معجم"اللوحات الاشهارية للشارع، وكذا الحلم بين أحضان عاصمة، توحي بسحرعن مقبرة التاريخ.
طيلة ست سنوات،مارس باشلار وظيفته، مشتغلاً بالضبط ستين ساعة خلال أسبوع واحد، وهي المدة الزمانية المعتادة، لعمل موظف بالبريد. سنة 1909،أراد التحضير لمباراة التلغراف التي تقدم أفضل الموارد،للحاصلين على شواهدها. احتل الرتبة الثالثة سنة 1912، غير أنَّ المطلوب فقط منصبان.في نفس السياق،نال شهادة الإجازة في العلوم الرياضية. حقاً، لقد كانت بحق "أوقات فراغه" جادة.
نصل إلى سنة 1914،حيث تقدم باشلار بملتمس حقِّ التفرغِ، كي يترشح إلى الدورة المقبلة،المباراة التي تجري كل سنتين.حصل على منحة،قصد التسجيل في شعبة الرياضيات الخاصة بكوليج "سان لوي"، كـ"طالب حر".كانت الحرب،على الأبواب. ارتبط باشلار بفتاة صارت مدرِّسة، فقرر الزواج بها. لم يتردَّد في الإسراع ببلورة رغبته تلك، فتم عقد قرانهما يوم 8 يونيو، ثلاثة أسابيع قبل أن يستدعى كجنديٍّ عريف،ضمن فيلق الخيالة. وبما أنه طلب تفرعاً، لدواعي "الشأن الخاص"، فلن يستفيد من الامتيازات الإدارية.
تنتمي زوجته جين روسي،إلى أسرة تألَّفت من أربعة أطفال:لوسي التي تكبرها بعشر سنوات،وحظيت بزواج بورجوازي،ومارغريت التي تكبرها بثلاث سنوات،ثم أخوها أندريه القريب جداً منها، الذي اختفى، منذ سبتمبر 1914 .
يوم 2 أغسطس رحل باشلار ضمن وحدة محاربة،وقد بلغ من العمر ثمان وثلاثين سنة،فمكث عند خطِّ النار لمدة ثمان وثلاثين شهراً.أول إجازة،خولت له معاودة اللقيا بزوجته جين شهر ديسمبر 1915،كي يحتفلا بالسنة الميلادية الجديدة.
سنة1917،مرضت زوجته،ولكي يتمكن من علاجها،وهو المناهض الحكيم ل"الروح العسكرية"،التمس مواصلة دروسه كضابط،مثلما تخوِّل له مرتبته الجامعية،كي يتمكن أخيراً من تحقيق راتب أحسن.هكذا،عاد ثانية إلى الحياة المدنية وعبرها زوجته، ثم انتهت خدمته العسكرية يوم 16 مارس 1919 قطن الزوجان بمنطقة "فواني" (voigny) على بعد ست كيلومترات من "بار-سور-أوب"،وبفضل إجازته في الفيزياء والكيمياء، أصبح أستاذاً في كوليج "بار-سور-أوب"،شهر أكتوبر 1919 كل يوم،يطوي الأستاذ الجديد مشياً، مسافة طويلة.
إشارة أكَّدها الدكتور دانييل جيرو،أحد معارفه القدامى:''كل صبيحة، يترجَّل باشلار صوب الثانوية في بار- سور- أوب. خلال الظهيرة، يتناول وجبة الغذاء عند والديه، ثم يعود مساء إلى فواني(voigny)،مشياً دائماً، بحيث يقطع يومياً مسافة اثنتي عشر كيلومترا، طيلة السنة الدراسية''. باشلار نفسه،قال بهذا الخصوص:''كل يوم وباختلاف الفصول، أطوي نفس المسافة ذهابا وإيابا، دون التأخر قط،عن مواعيدي الدراسية ''.
زوجته التي تعاني صحِّيا باستمرار،أنجبت في "فواني" يوم 19 أكتوبر 1919، فتاة صغيرة ستحمل اسم سوزان ،أياماً قليلة بعد تقلد باشلار لوظيفة التدريس. توفيت جين يوم 20 جوان 1920،نفس الاعتراف السابق يقر مايلي:''بلا شك، أصيبت الشابة المسكينة، بسلٍّ رئوي، انتشر إلى حد كبير، خلال تلك الحقبة"، حتماً لقد أسرعت ظروف الولادة بإنهاكها.
سنلاحظ باندهاش، أنه على الرغم من تلك الحقبة التي اتسمت بتوتُّر كبير ومحن قاسية - بدايات وظيفته التدريسية،ولادة ابنته ثم ترمُّله- استطاع غاستون باشلار خلال السنة ذاتها أي 1920، الحصول على إجازة في الفلسفة،بعد سنة من الدراسات. ثم سنة 1922، شهادة التبريز وتدريسه للفلسفة في "بار- سور-أوب" إلى جانب الفيزياء والكيمياء، فوحدت بيداغوجيته بين التجربة والفكر،راسماً نموذجاً يبعث على الإعجاب. كتب باشلار: ''لحظة مآسي الحياة الكبرى، فإننا نستمد الشجاعة من دعامة طفل''.
لم يكشف عن أيِّ شيء،سواء الظرفية القاسية التي عاشها بحدَّة،ولا إرادته وشجاعته أو التغير المفاجئ، بل فقط جملة لخَّصت فعله ومشاعره وكذا فلسفته الشخصية،مخالفاً بذلك مجازر المحاربين،والحِداد الأكثر حميمة،ثم المجهودات المدهشة التي تحتمها الدراسات، محتفظاً فقط ببداهة المكتسبات التي شَكَّلت جواباً عن المصاعب التي تجاوزها، ثم موضع دينامية عقل جبار وجيد وبسيط :''تمكت فقط الأشياء الايجابية''.
هذا الطفل المنحدر من أسرة قرويين،ثم صاروا فيما بعد حرفيين،اعتُبر وريث جينيالوجيا متواضعة،غير أنَّ جيناته تحمل منظومة طاقية بيولوجية وحسية وذهنية، جعلت باشلار موهوباً وصاحب مزاج كبير. بالنظر إلى ذلك،لايتعلق الأمر بصدفة، بل قوة تستيقظ وتلهمه سبره لأغوار البنيات وكذا تغيرات الشخصية البشرية.
خلال تلك الحقبة،طَبَّق المجتمع الفرنسي قاعدة إجبارية التعليم، مما شَكَّل حظَّاً أولياً أتيح أمام الشباب الذَّكي،وغاستون باشلار نموذجهم الأكثر جلاء،ثم التحوُّل الذي يتحقق للذكاء المتوقِّدِ بفضل المعرفة الجديدة. وضع يعكس في الآن ذاته،الحظِّ المجتمعي وسلطة الفكر المذهلة التي ينبغي تثمينها مع تطور الفكر.
قياساً لأواخر القرن التاسع عشر، يمثِّل أولاً جيل باشلار، رمزاً لهذا الانتقال الهادئ الذي يتهيَّأ ثم تحقق،محدِّداً المرور من المجال الفلاحي والذهنية الجماعية الذي تمثِّله،إلى الحاضرة ثم الصناعة والمعرفة.
قبل ذلك،عملت مدرسة"باربيزون"وكذا الانطباعيين،على تأبيد الدقائق الأخيرة للسعادة "القروية''،التي تعكسها مشاهد مجتمع يتطور على إيقاع السكك الحديدية،سينتقل خلال فترة لم تتجاوز قرناً، من مليار نسمة إلى أربع مليارات،حيث تضاعفت مدة متوسط العمر. تبلور كل قيمة للحياة الإنسانية،انعكاساً لهذه السرعة.أمكن للتقدم، أن يطبع حضوره مثل انزعاج من الواقع البشري. تلك،هي المعطيات الجديدة.
حفيد إسكافي من منطقة "بار-سور-أوب"،انتمى إلى زمن جيل،على الرغم من محنه،صار أستاذاً للكيمياء والفيزياء ومبرَّزاً في الفلسفة ومجازاً في الرياضيات،يتموضع في إطار الدينامكية الرائعة للعالَم المعاصر،بمعرفته وكذا وضعيته باعتباره بيداغوجي عظيم.إرادته ومقدرته وأستاذيته ونجاحه وحبّه للآخرين – تأكَّد سابقاً- جعلت منه مواطناً متحضِّراً بشكل مثالي.
على امتداد تلك الحقبة الجوهرية في تطوره،فقد بلور بصنيعه،عهد"عالم منتهٍ يبدأ"، أورث لنا الثراء المدهش،لتراث علينا أن نسبر أغواره بعد باشلار. شَكَّل هذا التحليل لقيم الحداثة،تدريباً حقيقياً. يتعلق الأمر،كما نعرف اليوم،باستمالة "روح إضافية"، كي نسيطر على اكتشافات وتقنيات المستقبل.
فيلسوفنا وعلى منوال"أبطال"،حقبته أينشتاين، دو بروجلي،فرويد،يونغ،انتمى الى حلقة"أساتذة المعرفة"الذين هيكلوا،أكبر عاصفة في التاريخ واكشفوا ثم أظهروا المجالات التسعة المستجدة،من الطاقة النووية إلى الإعلاميات،ومن سيكولوجيا اللاوعي إلى بطاقة نوعية الخلقة البشرية.
ربما حمولة باشلار أو"سقراط الفكر المعاصر"،أقل بداهة من التي أنجزها الفائزون بنوبل للعلوم الفيزيائية،لكنها ذات قيمة نفيسة. اكتسب هذا المفكِّر، المتكتِّم جداً،خلال مدى قصير،أهمية مطلقة،في الوقت الذي كان عليه تقرير قوة للمعنى خلال مدة طويلة، إبان ذلك القرن الموشِكِ على الانتهاء.
أجاب باشلار،على تساؤلات جوهرية طرحتها الاكتشافات الثورية،التي فجَّرت المعايير. فَضَّل دائما سقراط لكن أيضاً ديوجين ،الالتجاء إلى" سَكَن برميل"،مقارنة مع القصور، ثم وظيفة الشاهد مقابل مسرح الممثلين، وهذا يشرح ذاك.
على امتداد كل الكون،صارت شبكات الأقمار الاصطناعية،والفاكس والتلفيزيون وأسلاك التواصل، تؤ لِّف الجهاز العصبي الجديد لجسد، لم نموضع بعد أعضاءه المتفاعلة حوارياً. وحش بلا رأس، يأخذ انطلاقته، ربما قطعنا قبل الأوان، حبله السِّرِّي.
بين مجزرتي،وباء السيدا وتكنولوجيات بالقوة،وكذا التلوث الاستيطاني ثم تفكُّك المجتمعات الماركسية،التي اعتقدت بلوغها سعادة مطلقة، ثم الاستيهامات الدينية، والاستفاقة الطموحة للقارة الآسيوية وهيمنة صناعة الفرجة،الذي يحدد القطيع الواسع للذكاءات المستعبَدة، مما يحثُّنا على التساؤل بخصوص حظوظ بقائنا.
الأجيال الجديدة المشبعة بنظريات،تقيِّدها إجراءات الانتساب،منحصرة عند مكتسبات اقتصاديات تشرف على الهلاك،فنسيت المعايير الوجودية. لايمكن لأيِّ إيمان ديني أو التزام سياسي،تحمُّل فوضى القوى الحاضرة،وكذا إمكانية بلورة اطار"مثاليً"لعشرات المليارات من الساكنة، التي تشكِّل رهان الألفية الثالثة. إنها خاصية وكفاءة فضولنا الفكري، الذي يستخدم الرهان.
غاستون باشلار المتميِّز على امتداد مساره، بإصداره ثمان وعشرين كتاباً،سعى نحو تكريس،الأكثر جوهرية بالنسبة لحصيلة الذهني والروحي، وما سيمثل طلائع الفلسفة الغربية الجديدة،توخياً للإجابة على التساؤلات الحيوية، التي يطرحها اليوم كل مواطن يقظ. باشلار أحد الأوائل، الذي تطرق إلى القضية التالية في إطار أعلى مستوياتها: "تتأتى كل صيرورة ومستقبل للفكر، من خلال إعادة بناء العقل''، بحيث يتجه القصد صوب: "إعطاء العلم، الفلسفة التي يستحقها ''. فألزمنا،بإنجاز تحليل نفسي للعقل:''ليس بمعطى طبيعي [على النقيض من الذكاء]،لكنه مجموعة إجراءات وقواعد وإكراهات''، أو''مجموع مهيكَلٍ'' مثلما تحدث بكيفية جيدة كريستيان دولاكومبان:''يتناغم تفرُّد العقل مع تعدد العقلانيات… ينبغي لنا الوصول إلى وضع اليد على القوى السرية التي تتحول عبرها الصور إلى معشوقات ثم أفكار… ،أن نمهد السبيل باتجاه معكوس، يتشكَّل من خلاله العلم مثل سحر".
أخيراً،يبرهن باشلار على أنَّ الخيال،والمتخيَّل والتأمل الشارد مَلَكَات تمثِّل"جذر القوة الفعالة"،واللاعقلاني بمثابة أساس للعقلاني.يدعونا إلى المساهمة،في ''الفكر الشعري البوَّاح''،بإعادة النظر في عناصر الواقع، أي الأرض والهواء والماء والنار، مبتغياً:"أن يعيد للأفكار مآلها نحو الحلم''.
القيمة الروحية، لهذه الفلسفة، كونها ترسو خارج كل حجة أدبية أو سياسية، بل وكل مغامرة إعلامية أو تحيل على لعب، إنها انخراط جوهري، تماثل تزهداً أو تحليلاً نفسياً من أجل سبر"ذاتنا" الفردية،ودوافعنا نحو الفعل، لكن كذلك مجموع مكتسبات "التحضُّر". يتعلق الأمر،بمساءلة القانون الإنسي مرة أخرى،الذي يؤطرنا،وكذا قدرتنا على الأمل، ثم طموحاتنا، بل وبناءات فكرنا وقد أضحى محكوماً بالصيرورة.
يقترح باشلار على انتباهنا، المناهج والصور،التي يتبدَّى معها على المشهد، نظام "الواقع المعقد"،كصيغة جديدة للكون متحضِّرة.لقد جَسَّدت مختلف عناوين كتاباته،انفتاحاً وكذا تأطيراً "ثانياً"للحقيقة،بغاية الحصول على طاقة جديدة،ووعي آخر بالزمان.هكذا، يدعونا باشلار،للقيام بإعادة تنظيم المعرفة،ونجعل من الممكن،جدلية "تجاوز العقل الدائم لذاته"،كي ندرك العلم الجديد.
متعدِّدة التحليلات الصادرة،عن تلاميذ وأساتذة ومنافسين أو شهود،التي أخضعت الفكر الباشلاري، إلى سياجها المشَخْصَن. يظهر أولا هذا "السجال"،أهمية فلسفته. لايمكن بدون المساءلة النقدية،تبصُّر أيّ استقصاء موضوعي.اليوم، وبعد إعطاء الوقت للوقت، تتبدى المرحلة النهائية لـ"إعادة بناء المعرفة"،حسب مصطلح جون لوسكور.
تجلَّت الكلمات والأفكار،وعثرت على أعماقها القاعدية.هكذا بدت إمكانية،تثمين القيمة القصوى للفعل،الذي يظهر كنظام منسجم،ودعامة خالقة، لإطلاق شهب الفكر، الأكثر انفتاحاً وغنى.يرسم مشروع باشلار،تصميم المعطيات بنظارات غاليلية،تسمح بتمييز ممكنات مصير معقول.
جملتان تضيئان، صمت باشلار، بخصوص سنوات شبابه:''عشت الطفولة، كأنها طفولة بلد''، ثم:''الطفولة لاتحكى أبداً، لأنها حالة''.مع ذلك، بوسعنا الاعتقاد أن المفاهيم الجوهرية – الحدوس الخلاقة- التي ستهب الولادة إلى خطوط القوة لفكر ثري، نشأت خلال فترة مراهقته، كنوع من التفاعل الحيوي المشخصن أمام الحقائق، التي اكتشفها. بدون شك، تمثَّل باكراً جداً طفولته،فعاش أحلامه بثقابة فكر،محتفظاً منها بصورة لاتتغير. بهذا الخصوص،كتب الجامعي والشاعر جورج جين،مايلي:''باشلار،من الذين نظروا إلى طفولتهم،طيلة حياتهم، دون تملص أو مواربة ''.
استطاع باشلار،أن يكتشف على ضوء أعماله،وانطلاقاً من أساس ملاحظاته "العلمية"،عن إحالات بدت أنها تهمُّه.حول والديه أولاً: ''البحر أمومي،والماء حليب مدهش، تهيئ الأرض في جوف أرحامها غذاء دافئاً وخصباً، وتنتفخ أثداء على الضفاف، ستمنح جميع المخلوقات ذرات دسمة''. و: ''حبُّ البنوَّة،هو الأول فعالية من أجل عرض الصور، إنه قوة الخيال الأولى،التي لاتنضب وتستحوذ على كل الصور،كي تضعها ضمن الأفق البشري، الأكثر يقينية: الأفق الأمومي. بالتأكيد، تنهمر أنواع أخرى من الحبِّ،كي تنضاف إلى القوة العاشقة الأولى.غير أنَّ،كل أنواع العشق تلك،لايمكنها أبداً تحطيم الأسبقية التاريخية من خلال شعورنا الأول،مادامت كرونولوجيا القلب دائمة. فيما بعد، وبقدر انتشاء شعور الحبِّ والانجذاب، بقدر ما سيكون محتاجاً كي يذهب بغية أن يستنفذ قواه في الشعور الجوهري… أن تحب الكون اللانهائي،معناه اعطاء دلالة موضوعية إلى لانهائية حبِّك الذي تكنه لأمِّك ''.
أما فيما يتعلق بأبيه،"سيِّد النار"،والماء أيضاً،فقد استعاد اللحظة التي كان يتعلم فيها السباحة،حيث يلقى بالصغير غاستون في الماء مثل "حجر مقلاع"،ويضحك الأب ساخراً من مشاهدته وهو يتخبط. لكن ردَّة الفعل الباشلارية، ستكون سعادة حقيقية حينماً تحقق فيما بعد اليقين لدى الفتى الصغير، أنَّ تلك المبادرة طمست الخوف والإذلال.
لاتكشف القراءة الهادئة لكتاباته،عن غاستون باشلار "أوديبي"،لكن الطفولة التي عاشها بزخم،تشعره بالسعادة حين استعادته سنوات كِبَره،لحلقاتها بين طيات تأملاته الشاردة، بحيث ظلت منبعاً أساساً للمتخيَّل الحميمي،الدلالة السعيدة لإعادة البناء.
أحاديث وتحليلات،تميط اللثام عن القوة الثاقبة لشخصية باشلار الطفل، فكتب:"كل طفولة مذهلة،طبيعياً مذهلة.ليس لأنها تجعلنا نذعن،بسهولة مفرطة،كما يعتقد للحكايات المزيَّفة دائماً التي تُحكى لنا،ولاتصلح لأيِّ شيء،سوى تسلية العجوز الذي يحكيها.كم هن الجدَّات،اللواتي يتعاملن مع حفيدهن كأبله.غير أنَّ الطفل،وقد ولد ذكياً،يؤجِّج ذاك الإذلال المرتبط بحكي مثرثر دائماً،للحاكية العجوز.فليس تلك الحكايات المتحجِّرة،من يضحك خيال الطفل،مادام الأخير يعثر على حكاياته في تأمله الشارد الخاص،حكايات لايرويها لأحد''. يلحُّ على حالات الوعي الصعبة بين الرجل والطفل:''ننفصل بصعوبة عن هذه القصيدة الطفولية. فلدى كثير من الآباء،تتحدث الجداول نقنقة(glou-glou)،بنفس النبرة الخاصة "لغرفة نوم الطفل"،التي تكبح في أغلب الأحيان الروح الطفولية،عند ذات المقطعين الصامتة الحروف: دادا ( dada)، بوبو (bobo)، لولو (lolo)، كوكو (coco). هكذا، تتغنى الجداول، في حكايات الطفولة، التي ينسجها الكبار .«
السؤال الذي يطرح نفسه بشكل جد طبيعي،أن نفهم إذا كان غاستون باشلار،طفلاً استثنائياً،حيث اكتشف نسيان الكبار غالبا،جانبهم الطفولي،ثم ارتهنوا إلى بعض الخاصيات الجوهرية التي تمحو أيضاً:''حضور الطفل في الإنسان''، وتعيق تفتُّح الشخصية.
يعلن باشلار:''شيء مؤكَّد في جميع الأحوال،أنَّ التأمل الشارد عند الطفل،هو تأمل شارد مادي.الطفل،مولود مادي.فأحلامه الأولى،أحلام الجواهر العضوية''.يعني العثور ثانية على طفولته،الاحتفاظ بحبله السري مع ماهية الذات،وكذا منفذ إلى دلالة الواقع، أو مايسميه :"الذاكرة الكونية"، حيث الماء والنار والهواء والأرض بمثابة "الصور الأولى".
يمكننا قراءة نصوص باشلار،بـ"اتباع دليل"،ونحن نلتقط مثل الحصى الأبيض لحكايات"الطفل القزم"،الخطوط المرسومة بنقط دينامية، لها أصولها في الطفولة، حيث تعاش كل مرحلة بجلاء، وتقوم كعناصر لقانون إعادة استرداد الذات.
يدعو، باشلار إلى تصور منهجية للمقاربة،وكذا مراقبة التأمل الشارد، الذي سيفتح له مسالك المعرفة التقريبية ''عنوان عمله الأول'':''التأمل الشارد،نشاط يستمر معه خطٌّ للوعي. يعتبرحالم التأمل الشارد،حاضرا في خضم تأمله ''.
ليس الأساس،وصل مُرْبِكات الذاكرة،بل أن نعيش بزخم لحظات، بعث للذات نفسها. بالنسبة لـ باشلار:'' لايوجد تاريخ للذكرى،بل موسمً.يشكِّل الأخير،سمة جوهرية للذكرى". يعتبر مفهوم الموسم خاصاً. بالنظر إلى ذلك، يتعلق الأمر أكثر بالعثور من جديد على "زمن معطى"،وبكيفية أقل إعادة تشكيل ثان:''أن نأخذ إذن بعين الاعتبار تجربة الزمان العابرة جداً الصعبة والمتحذلقة للغاية،هي بالفعل التجربة الفاترة للحظة تؤخذ دائماً باعتبارها ثابتة. فكل ماهو فينا، بسيط وقوي ودائم، يعكس عطاء للحظة''.
قد تكون صورة كافية،قصد الايحاء بكليانية كثافة الحياة الكونية:''العثور ثانية على طفولتك''،أن تحيا من جديد،وتطور دينامية الخيال المبدعة، الذي يغدو مَلَكَة العقل الأساسية. يمرُّ،خطاب المنهج الجديد،من خلال هذه البداهة:''يمتلك الماضي الميِّت داخلنا،مستقبلا. مستقبل صوره حيَّة،والتأمل الشارد،الذي سينفتح أمام كل صورة، تم العثور عليها ثانية''. هل يعكس فقط تناقضا؟ أم اكتشافا؟:''كي تلج زمانا مدهشا، يلزمك أن تكون جاداً مثل طفل حالم''.
يغذي غاستون باشلار،فكره وشخصيته،بمكتسبات مرحلة الطفولة المراهقة، وحينما يدعو إلى: ''التأمل الشارد، صوب الطفولة"، فمن أجل أن يعيشها مرة أخرى،منهجية بسيطة قابلة للتطبيق لدى كل واحد.
لقد كَرَّس باشلار،إلى لوتريامون أو إيزيدو دوكاس، الشاعر المتخصص في الرياضيات، دراسة كاشفة بدورها لمراهقته الخاصة. كيف، بالتالي،لانتخيل كونه يستحضر ذكرى،عندما يكتب: "أن يتمرَّد من لامسته باللطف أو العقل،بمثابة دليل مباشر وقطعي على الاستقلالية؟''. تلميح باشلار إلى فكر لوتريامون المتمرد، قد ينطبق بكل بداهة عليه، لاسيما إذا تذكرنا أقاويله في كتابه "الأرض والتأملات الشاردة للراحة"،حول "الأساتذة": "إنهم يعرفون،يعتقدون أنهم يعرفون،يقولون بأنهم يعرفون''. التمرد،تحية للإرادة المبدعة،مادام الشرط الضروري يتمثل في الإبقاء دائماً على يقظته،فلا يجب أن نكبح الخيال:"المبدع للحياة والفكر الجديدين… يشكِّل هذا التماهي مع اللامرئي،القصيدة الأولى، التي تجيز لنا عشق ماديتنا.تمدنا بانطباع عن الشباب والفتوة،بأن تمنحنا بلا توقف القدرة على إدهاشنا. القصيدة الحقيقية، هي وظيفة للتيقظ… فالعالم لا يقوم شعرياً إلا إذا أبدع ثانية''.
كتب باشلار في رسالة إلى الشاعر بيير جون جوف (jouve)، مايلي:''مضت جلُّ مراحل حياتي،تحث تأثير التأخير"،بالتالي هو أستاذ الكيمياء والفيزياء، البالغ خمس وثلاثين سنة،المبرَّز في الفلسفة وقد بلغ سنَّ الثامنة والثلاثين،ثم دكتور في الآداب حين إدراكه سنَّ الثالثة والأربعين،دون اكتراثه قط، بأن يحظى "بوضع متقدم"،على المستوى الجامعي والإداري.لقد تبنى مسلكاً، ينتمي إلى قانون آخر، غير طريق النجاح المستند على مشروعية الشواهد،مما منح كل حياته استقلالية الفكر، وإيقاعاً نوعياً حيال التدرج، وأكسبه خاصة مساحة فكر "يستلهمه من بعيد".
في زمن بلا شك،كان باشلار مجرد تلميذ صغير بمنطقة ''بار- سور-أوب''، أراد منذئذ التحصُّن خلف دِرع يحميه من "المؤسسات"،مكرساً قواه كلياً للحلم والعشق. يستغرب اليوم،من يقرأ تراث باشلار،عندما يكتشف أنَّ هذا العقل المتسيِّد جداً على الكلمة، لم يخلف أثراً شعرياً بين ثنايا حقائب مراهقته. لقد اختار طريقاً،مكَّنه بالتأكيد من إدراك مستوى إبداعياً خاصاً جداً،ووحدة فكر استثنائية،وضعته فوق الحدود،ورهانات اللغة وكذا الحساسية، فأخبرنا عن الخاصية، لما كتب: ''تبهجني التركيبات وتجعلني في الآن ذاته أفكر وأحلم.تفتح الفكر بالصورة،وترسِّخ الصورة بالفكر''،هذا العطاء للتحليل والتركيب، سيهيمن على الذهني وكذا الحساسية. يمكننا، مثلاً، المقارنة مع أستاذ آخر للفكر الشعري، إنه غيوم أبولينير ، من نفس الجيل (ولد سنة 1880)، الذي التجأ حتماً إلى القصائد كي يفهم، ويسيطر على نفسه.
أبان باشلار منذ فترة مبكرة جداً،عن هذه القدرة كي: "يفكر ويدرس ثم يحلم"، حتى قبل أن يعرف.من البديهي، بالنسبة إليه، فـ ''الشعر، نشاط مثل العلم''، فقد كان ذاك الطفل، المتميز في كتابه "الأرض والتأملات الشاردة للاستراحة"، بـ "الرغبة في التكسير"، الذي يسمح له بتجاوز العالم الراشد:''لاينبغي الاندهاش،كي نخبره بشكل سريع،أننا لانعرف إعطاء الطفل "لعبة عميقة"،تسدِّد حقاً ثمن الفضول العميق!لقد أضفنا صوتاً إلى الدمية، ولن تفاجأ أن الطفل في سعيه للفحص، سيكتفي بتمزيق لباسها. لا نحتفظ، إلاّ بالحاجة كي نحطم ونهشم، ونحن ننسى أن القوى النفسية المتحركة، تتوخى التخلي عن المظاهر الخارجية كي ترى شيئا آخر، رؤية المابعدي والداخلي. باختصار، الهروب نحو انفعالية الرؤية".
مجمل عمل باشلار،تجلٍّ لشبابه،مثلما أشار بطريقته:''ليتركوننا نحلم إذن،دون أرقام، بشبابنا وطفولتنا وبالطفولة''.استدعاء ثراء الطفولة،يتمِّمه هذا البوح:''سيتأتى لنا خلال الربع الأخير للحياة،من فهم انعزالات الربع الأول،عندما نعكس عزلة الشيخوخة، على الانعزالات المنسية للطفولة ".
نتخيَّل الطفل الصغير في قريته المخضرَّة،وسط ''الغابة القديمة"،مقتفياً "وحيداً" أحلامه كطفل،أحلام:''لم تعرف التربية،كيف تنضجها'' لأننا: ''لانحلم أبداً، بأفكار تعلمناها''. ويضيف تفسيرا في كتابه "الهواء والأحلام"،قائلا:''إنَّ الصورة المثبتة بين صفحات الكتب، الخاضعة لنقد ومراقبة الأساتذة، تكبح الخيال ''.
نضيف إلى "مفاتيح"منهجيته،القوة البروميتوسية لاقتحام النار،التي يبدو أنها تنبعث مع خشخشة الشعلة، الجاذبة لانتباه الطفل. توخَّت شخصية باشلار،الإبقاء على أصالة هذا الوثب العظيم،لشعلة الذكرى،كقدرة تضمن للحقيقة إلهامها ولغتها،وتحافظ على''شباب للكائن''حقيقي.
دلالة النار،ليست تجريداً، بل قوة حارسة وحسية،جعلته يكتب:''أعتقد،بأنِّي أفضِّل أن أخلِف موعدي مع درس فلسفي،على أن أخلِف موعدي مع نار الصباح''، مستحضراً بزخم أجواء الساعات الأولى: ''يتدلى القِدر الأسود،فوق أسنان معلاق، ثم بثلاثة أرجل، نتعهد به إلى رماد دافئ. تنفخ جدتي، بملء أوداجها في أنبوب فولاذي،لكي توقد لهيب الشعل الراقدة. يستوي،كل شيء،خلال ذات الوقت: البطاطس للخنازير،ثم أكثرها جودة للعائلة.بالنسبة إلي، بيضة طرية تنضج تحت الرماد''،إنها صورة فعالة، لسعادة الكائن.
يستعيد بول جينيستير،قولة لـ باشلار،لاتمثِّل مزحة فقط،افتتح بها إحدى أولى دروسه في السوربون:"حين انتقالي من التعليم التطبيقي للعلوم إلى الفلسفة،لم أشعر قط أني سعيد كلياً،فحاولت البحث في أسباب شعوري بعدم الرضى،غاية سماعي إشارة أدلى بها طالب ذات يوم في جامعة "ديجون" متحدِّثا عن عالمي المبسْتر فكان ذلك إلهاماً بالنسبة إلي،فالإنسان،لايمكنه أن يكون سعيداً وسط عالم مبستر،مما يحثُّني كي أجعله يعجُّ بالميكروبات معيداً إليه الحياة، مستعيداً دمج الخيال باكتشاف القصيدة ''.
يمكننا اضافة تعليق إلى هذه التأشيرات،حول السعادة التي استلهمها باشلار دائماً من المطبخ،جعله يقارن البعد التدبيري ل مصفاة بـ "مثال أخلاقي" بقوله:''أتذوَّق بالكِليتين، النبيذ الأبيض لوطني''،أو تكلمه عن الثمالة، باعتبارها:''نجاحاً ذاتياً هائلاً''، أو رفضه لـ: '' نبيذ، اختلط به الماء… فأضاع كثافته''.
كم هي رائعة وحدة الحياة تلك! وحدة في التعقد المتطور باستمرار،الناشئ عبر استكشاف العالم: ''بواسطة ذاكرة متخيِّلة،تقودنا إلى إعادة تخيل ماضينا''.
يرتكز،مسار باشلار،الفيلسوف على يقين ثلاثي:أن نعيد ثانية العثور،على قوة:''ماضي شعل العالم''، ويمكننا إقامة تطابقات جديدة، ثم وعي مختلف.
حتماً:''الإغراء الأولي،قطعي''،لكن السعي لا يتعلق فقط بمجرد، إحياء جديد للطفولة السعيدة،بل العثور ثانية على مرجعية:''تعالج الفكر من مباهجه، بانتشاله من النرجسية التي تقدمها البداهة الأولى، ومنحه يقينيات أخرى غير التملُّك، وقوى أخرى للاعتقاد غير الدفء والحماسة. باختصار،هي براهين، لن تكون قط شعلاً".
من حقنا التحسر،لأننا لم نضع أيادينا على ''قصائد'' باشلارية.حقيقة، نمتلكها بحيث يكفي إلقاء نظرة حسية حول أحاديثه،حتى نتحسس قصيدة نثرية، تجيب أولاً عن تساؤلات وتستحضر ذكريات حقيقية،بخصوص ذاكرة حيَّة:''أحياناً توقد جدَّتي الطيبة،بساق القنب، شعلة يعلوها ببطء دخان، يتصاعد على امتداد المدفأة السوداء، وحينما تستعيد مافوق الشعلة الوجود، تقول جدَّتي: ''أنظر يا صغيري، إنها طيور النار''.
إذن،أنا أيضاً الحالم دائماً، أبعد من أقاويل الأجداد، أعتقد بأنَّ طيور النار تلك، كان لها عشَّها في جوف الحطبة،المختفية حقاً وراء القشرة والحطب اللين. الشجرة،الحاملة للعشِّ،هيَّأت كلياً خلال نموها،هذا العشِّ الحميمي،حيث تقطن طيور النار،الجميلة تلك. لكن عند دفء موقد كبير،يكمن زمان،يسمح بالتفتُّق والتحليق''. جدلية هذا الاستكشاف، بسيطة وبديهية: دقَّة الإدراك وإسقاط صورة قوية ومتخيَّل جليٍّ.
يموضع باشلار،ماسماه بـ"صورة حقيقية"،تبرز سلطة حقيقية للاستبطان واستكشاف الواقع. أيضاً،تمثُّل الظاهرة البروستية (Proustien)، لمذاق حلوى خفيفة، بمعنى التمجيد ''التحليلي'' للذوق:''بمناسبة الاحتفالات الكبرى لشتاء طفولتي،نهيِّئ محروقة. يسكب أبي وسط صحن واسع،مقداراً من الخمر. يضع في الوسط،قطعاً من السكر المكسور،وأكبر أنواع أواني السكر. فما إن يلمس عود الثقاب حدَّ السكر،تتمدَّد الشعلة الزرقاء بهدير قليل، على الكحول المطروح. تطفئ أمي المزيج،كانت لحظة ملغزة واحتفالاً خطيراً شيئاً ما… بعد مشهد كهذا، تجعل تأكيدات الذوق الذكريات خالدة. ينتعش تطابق بودليري، من العين المنذهلة إلى البطن،التي هي أكثر مادية بقدر صلابتها: فكم بئيسة وباهتة، تجربة شارب الشاي الساخن،أمام شارب محروق السكر''.
واصل غاستون باشلار،بتمطيطه لهذا البوح،تحليل استعمال النار: ''الاحتراق، معناه الكبح الطبيعي،وبتأكيد الموانع المجتمعية،على منح نظرة الطفل،قيمة أكثر للذكاء الأبوِّي. هناك،إذن،تداخل بين الطبيعي والمجتمعي،عند قاعدة المعرفة الطفولية بالنار،حيث المجتمعي يهيمن تقريباً دائما…مادامت الموانع، تمثِّل منذ أول وهلة موانع مجتمعية، فقضية معرفة النار،تعتبر قضية العصيان الحاذق''.ثم يستدعي،عقدة بروميثوس التي تؤلِّفها كل: "النزوعات التي تدفعنا كي نعرف بمقدار آبائنا،أكثر من آبائنا،مثل أساتذتنا أكثر من أساتذتنا".نلاحظ نوعاً من التحليل النفسي،الدائم الحساسية،ثم شيئاً فشيئاً،ومع تلمسه وتجليه، ستنمحي بالتالي كل عقدة.
مقتطفات أسرار،قدر كونها شظايا صغيرة لقطعة ألماس،تنبعث من العمل قصد تثمين طيف نور مذهل،كما يقول جورج جين ،تظهر الطفل المختلس لأعواد الثقاب، مشعلاً النار:''من أجل فهم ذلك… سيندفع نحو فهم للصور متصل ومنفصل، إنها شعل وأفكار، تحرق الأفكار التي تمَّ الحصول عليها''،تكمن إضاءة السيكولوجيا،في إطار هذا الاندفاع.
بالتالي،بوسع كل واحد،إدراك اندراج استدعاء هائل، ضمن تشكُّل ذاكرة الطفولة، التي توجِّه مختلف ملَكَاتنا:''البرنس المبلّل،بحيث تنبثق ثانية بين طيات ذاكرتنا جلّ طفولاتنا خلال شهر أكتوبر،ومختلف مظاهر شجاعتنا.لقد بقيت الرائحة داخل الكلمة''، ''إننا لانسبح مرتين في ذات النهر،مادام الكائن الانساني، يسكن عمقه أصلا،مصير الماء المنساب… الماء الذي نستعيد معه الأمّ''.
بالنسبة لـ غاستون باشلار،يشهد ماوراء رمزية التأملات الشاردة للطفولة،على أنَّ:''وظيفة اللا- واقع،بمثابة وظيفة عادية ومفيدة،تُبقي النفسية البشرية،على هامش أيِّ خشونة عدوانية وغريبة،لذات غير ذاتي''.لقد أدلى بأفضل تعليق،عن هذا المفهوم الجديد:" أقول أمي، ثم أفكر فيك أيها المنزل! منزل، تلك الفصول الصيفية المعتمة لطفولتي… ولأنه يعيش داخلنا منزلاً حُلُمياً،فإنَّنا نصطفي زاوية داكنة من منزل الولادة،غرفة أكثر سرِّية. يهمًّنا منزل الولادة،انطلاقاً من الطفولة الأكثر بعداً،لأنها تحمل شهادة عن حماية سحيقة جداً''(بالتأكيد هو بطن الأمِّ).
على امتداد كتاباته،استحضر باشلار قوة "حقائق الطفولة"،التي أجازت طرح التيمات الأكثر إثارة،بخصوص أبحاث انصبَّت على بنيات الفكر والعقل والمعرفة،التي تهمُّنا جميعاً في أعمق ذواتنا،مادمنا: ''ونحن أطفال، كنَّا رسامين وصنَّاع تماثيل وعلماء نبات ونحَّاتين ومهندسين وقنَّاصين ومستكشفين. انطلاقاً من كل ذلك، ماذا أصبح؟".
هل يمثِّل ذلك، سؤالا جوهريا للغاية، من أجل فتح أبواب تستشرف المستقبل؟.
المصدر:
André Parinaud : Gaston Bachelard ; flammarion 1986 ; Grandes biographies ; pp ; 13-29
سعيد بوخليط