مقتطف د. محمد عبدالفتاح عمار - "يوم 30/1/2011" مقطع من رواية (ظل الميدان)

30/1/2011

..........في الطريق إلى الميدان كانت ملامح خراب مستتر، تطلّ من المحلات المغلقة وبوابات العمارات، يقف عليها شباب يمسكون عصيا خشبية، الرعب يسير على قدميه، من لحظة إلى أخرى تشم رائحة الدخان المنبعث من احتراق أحد الأبنية الحكومية، ولو كان شقة في الدور الأرضي في عمارة سكنية، أوراق متناثرة على الأرض، دفاتر حكومية أوراق صفراء وأخرى زرقاء، شيء ما تراه في وجوه الناس هل الخوف من القادم؟! هل الترقب لما يمكن أن يحدث؟! كلما اقتربت من الميدان زادت الحشود، السائرين على الأقدام، حركة السيارات أو أتوبيسات النقل العام شبه متوقفة، عرجت إلى شارع القصر العيني لم يكن هناك أي رجل شرطة، بعض الدبابات، عربات مجنزرة لا يبدو عليها أنها مضادة للشعب، ولا مضادة للحكومة، يبدو أنها حكم ينتظر نهاية المباراة ليعلن الفائز، الحياد سمتها وإن كانوا أقرب للشعب تسمع هتاف الشعب والجيش يد واحدة، بعض الدبابات مكتوب عليها: (يسقط حكم مبارك).. كيف يسمح بهذا ومبارك ما زال قائدا أعلى للقوات المسلحة، لم أفهم ذلك، البعض يجلس على أعلى الدبابات، أطفال صغار يلتقط لهم أهلوهم صورا مع جنود الجيش من فوق الدبابات، خفف ذلك من خوفي وتوتري، طوال حياتي أخاف حين أرى سيارة شرطة، تنتابني حالة من الرهبة ولو بسيطة، خاصة إذا كانت في مواجهتي، تتلاشى شيئا فشيئا بعد مرورها، يكون ريقي قد تجمد، يعود لرطوبته، بسبب استقامتي لم أدخل قسما للشرطة في حياتي، إلا مرة واحدة مع أم أمين، ومع ذلك لم أجد تفسيرا لذلك، فما بالك حينما أمر بجوار رجال الجيش مع أسلحتهم الفتاكة ودباباتهم الأشبه بالديناصور، ابتسمت لأحدهم، حياني، حييته بشدة، لا بأس أن ألتقط صورة من موبايلي المتواضع معه، زالت حالة الرهبة تماما، وجدت نفسي أهتف: (الجيش والشعب فعلا يد واحدة).. دخلت إلى الميدان عبر الدبابات التي وقفت في المداخل، بدأت تظهر بعض الخيام الصغيرة بجوار مداخل الشوارع، والبعض فرش في مداخل العمارات تمدّد من الأرق، غفوة أو نوم، صخب وهرج ومرج، بالفعل يبدو الميدان كسوق كبير، الناس فيه بضاعتهم الكلام، يريدون الحرية بأي ثمن، العدالة الاجتماعية، ليس لها أي وجود: أين هند؟ هل سأجدها؟.. لم يكن هناك على ما يبدو مصابون اليوم، ربما فقط من التدافع.

قلبي كان يرتجف كلما اقتربت من مسجد عمر مكرم، في الميدان التقطت أذني الأخبار، عرفت أن مبارك بالأمس وعد بإجراء إصلاحات، عين اللواء عمر سليمان رئيس جهاز الاستخبارات نائبا له، كلف رئيسا جديدا للوزراء بتشكيل حكومة جديدة، لكن الميدان كان على قلب رجل واحد، هتاف واحد، طلب واحد: الشعب يريد إسقاط النظام، رحيل النظام كلّه..

أدركت ما حدث من حوار دائر ومستمر، كلمات تتطاير إلى الفضاء: هو مفكرنا هبل عمر سليمان راجل كويس، هو وأحمد شفيق، لكنهم رجالته دا مش حل.. رد آخر: اسكت يا عم، دا خايف منهم وعاوز يحرقهم أكيد فكر أن عمر سليمان ممكن يعمل انقلاب.. أمور كثيرة وسريعة وقعت وأنا غارق تحت تأثير الحقنة المخدرة والآلام التي هاجمتني، بالإضافة إلى لحظات خاطفة من السعادة شعرت بها مع عشرية، آه لو تكرر الموقف دون مخدر كيف لي وأنا أخاف الله.

قادتني أقدامي أمام بوابة دار المناسبات، أشق طريقي بصعوبة بالغة حشود كالحشر، هل يمكن أن تكون هند هنا؟ لم أحصل على رقم موبايلها كانت الاتصالات مقطوعة، بصعوبة بالغة ووسط صخب كدوي النحل، طنين غير عادي، كلمات متداخلة، هتاف من بعيد: (ارحل.. ارحل).. نجحت في شق الصفوف، دارت عيني في المكان، لم أجد هند، ارتجف قلبي، أين ذهبت؟ التفت خارجًا، بصعوبة نظرت داخل المسجد دارت عيني في كل شبر فيه، العرق يتصبب منى من شدة الزحام، رغم أننا في شهر يناير، لم أدر كيف أتصرف، حقيقي لم يكن يربطني بالمكان هدف غير هند، كنت كأنني غير عابئ بما يحدث، غير مقتنع بإمكانية اقتلاع مبارك، أكثر من ذلك لدي قناعة أن مصر كذلك، وستظل إلى أبد الدهر، لم اقتنع أبدا أن الأمر فساد حكام فقط، وأنه أصبح سلوك شعب، كنت أرى أننا نحتاج أجيالًا جديدة، تتخلق بأخلاق جديدة، ثقافات مختلفة، قناعات محترمة، سرحت بخاطري، دفعني أحد الأشخاص، قال: اسند معي.. كان يحمل شابًا يسيل الدم من عينه، يبدو أنها فقئت، لم أقو على المنظر لكني تحاملت، حملته بدلا عنه، أسرعت به إلى داخل القاعة، كانت بالفعل كخلية نحل، شباب متطوع، بنات اختفى هندامهم، لا أحد يدقق في الأجزاء الفاصلة بين البنطلون والبلوزة، الصدر الذي انكشف جزء منه، الكل يركز في المرضى، شعرت بروح لم أشعر بها من قبل، وجدت نفسي أعاون هذا و أنتقل إلى ذاك، البعض ينادي علي، أحمل المصابين معهم شعرت أني ذبت في عالم جديد.

سالت من بجواري: ألم تهرب الشرطة!.. أجابني: البعض مصاب بفعل البلطجية، البعض من طلقات على الأسطح، لا أحد يعرف مصدرها، تنطلق من حين لآخر، من أماكن لا أحد يستطيع توقعها أو رصدها، والبعض الآخر من المواجهات القاسية أمام وزارة الداخلية بين المتظاهرين ورجال الشرطة، أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى، قبل أن يتدخل الجيش، ويسيطر على وزارة الداخلية؛ لمنع إراقة المزيد من الدماء، الشرطة تستعين بالبلطجية للوقوف معهم.. رد أحد الحاضرين: الوضع الأمني داخل البلد لا يزال سيئًا، عصابات وبلطجية الحزب الوطني تواصل مهاجمة الأحياء السكنية، نهب المحال التجارية، يتصدى لها الشباب من اللجان الشعبية بكل حي للدفاع عنه.. ردّد الجميع وأنا معهم في نفس واحد: ربنا يستر.. أقسم أحدهم، وأيدته الغالبية: إنّ هذه العصابات تضم أفرادا من الشرطة السرية في مباحث أمن الدولة، بلطجية كان الحزب الوطني الحاكم يستأجرهم لتزوير الانتخابات.. الآن تجوب هذه العصابات الشوارع، معها سلاح الشرطة، الذي استولوا عليه بعد مهاجمة مراكز الشرطة، وأحيانا سيارات الشرطة التي سرقوها، بدا لي الوضع مختلطا، الروايات متعددة وبعضها متضارب، لكن الخطر قائم، ولا أحد يستطيع التنبؤ بالقادم، الشيء الأكيد أن الحقيقة كانت غائبة، أو على الأقل ناقصة إن لم تكن مشوهة. طلب مني من بجواري أن أضغط على قدم أحد المصابين لإخراج بقايا زجاج قنبلة مولوتوف من فخذه، يعلو الصراخ من حين لآخر، رائحة الدم، الموت المتربّص بهؤلاء الشباب، بدأت عقيدتي تتغير شيئًا بسيطًا، ربما يكونون على صواب، تسرّب شيء من الاحتقار لنفسي، لم أفكر مرة أن أشارك في مظاهرة، حتى ولو من تلك التي كانت من أجل نصرة الفلسطينيين، لم أنضم للإخوان أو الشيوعيين، لم أمارس أي نشاط طلابي أو حزبي، ولم أقتنع أنه يمكن أن يحدث تغير، مأساة أن تعيش على نفس السطر، أن تخطو نفس الخطى كل يوم دون تغير، الآن بالتأكيد في طريقي لأن أصبح شخصا آخر، من حين لآخر تلحّ هند على خاطري، إنها الفتاة الوحيدة التي اقتربت منها، فيما لو أسقطت ما حدث لي مع عشرية الملعونة، إنها أول فتاة أشعر ناحيتها بشيء غريب، تدور عيناي في المكان، قلبي يتطلع لأن تحضر في أي لحظة. استمر الحال على ما هو عليه، حركة دائبة، نقل للمصابين، الشباب المتطوع يساعدون الأطباء، عملت كمسعف، شعرت بروح الحماس تدب في، لدي رغبة في أن أتحول شيئا فشيئا إلى شخص آخر، هل ولدت ثورة في أعماقي، وعلي من ذاتي دون أن أدري، هل ثورتي على حياتي الماضية، على سلبيتي، على حيادي مع الحياة، لم أجرؤ أن أسأل على هند، قاربت قواي على الخور التام، جلست على الأرض مسندا رأسي للحائط، مددت ساقي، كان إلى جواري مصاب يئنّ، أصيب من خرطوش، لم تعد هناك سيارات إسعاف قادرة على نقل أحد، لم تحضر أي سيارة أمامي، رغم هذا الصوت الذي من الصعب أن تتجاهله مشاعرك، يستعصي عليك ألا تشاركه ألمه، رحت في غفوة، لم تستغرق لحظات، أفقت من شدة ألم جرحي، زاد لدرجة يصعب احتمالها، ولاحظ أحد الأطباء الشباب، فطلب منى عدم التحرك، كشف الجرح، قام بتطهيره، وضع لاصقة طبية وشاشا وقطنا عليه، ربت على كتفي: الآن تستطيع أن تنهض.. تجاذب معي أطراف الحديث، الاسم والسن، كان من محافظة البحيرة، في خامسة طب عين شمس، تشجعت أن أسأله عن هند فوجئت أنه يعرفها: ستجدها غدا أكيد في المستشفى الميداني المقابل لكنيسة الدوبارة.. إذن لا أمل في لقاء هند اليوم، والله أعلم هل سألقاها غدا، أم أنها ستذوب في وسط زحام الكتل البشرية، التي تملأ الميدان، لم أنتظر للغد ذهبت إلى كنيسة الدوبارة، لم تكن هناك، لم أشأ أن أعود، طوفت بالميدان كانت الشمس قد قاربت على المغيب، ظهرت فجأة طائرتان حربيتان فوق الميدان، على ارتفاع منخفض جدا، وقامتا بعدة دورات فوق الميدان، وكان رد فعل المحتشدين تلقائيا، بدون ترتيب، جلسوا على أرض الميدان، رسالة لمن في الطائرات أنهم لن يرحلوا، لا خوف، وفي نفس الوقت ارتفعت الهتافات المضادة للنظام: (ارحل ما تورطش الجيش).. وفجأة انتشر في الميدان هتاف: (حسني اتجنن).. انقسمت الآراء، لم أشارك فيها كعادتي، تطايرت الكلمات إلى أذني: (الجيش يساند الثورة وأن الطائرات حضرت لتحيتنا).. (إنهم رجال مبارك إنهم يستعدون للهجوم علينا).. (إنّه مجرد تخويف ربما يجدي معنا ونترك الميدان).. لكلّ رأيه كعادتنا، لا يوجد شيء هنا متفق عليه إلا رحيل النظام. زحام لا مثيل له يشبه مولد السيد البدوي الذي حضرته مع خالي وأنا طفل صغير، تعجبت كيف يحضر كل هؤلاء البشر، من أين يأتون ولماذا، أسئلة كثيرة مستحيلة غير قادر على الإجابة عليها، أما هذا المولد السياسي رغم الحشود الضخمة، الأشكال المتنوعة، الأعمار المتفاوتة، القناعات المختلفة، أعلم سبب يقيني لحضورهم جميعا، رغبتهم فى الحياة الكريمة، لا أحظى مثلهم بها، مررت بأفراد عدة كل منهم يبدو فى حالة إحباط، بعضهم علق على صدره صورة مبارك وعليها علامة الموت، البعض الآخر أمسك ورقة بسيطة من كرتون السلع كتب عليها: (ارحل يا حرامي).. وأخرى: (ارحل يا عميل).. دوافع عدة لأشخاص قاربوا المائة ألف أو يزيد، أكيد جميعا يرغبون في غد أفضل، لاحظت أن البعض بدأ يفترش الأرض، هناك أمام مجمع التحرير عدة خيام منصوبة، تلصصت عليها، بها عشرات من الشباب أعياهم الهتاف، أنهكهم التظاهر، بعضهم يغطّ في نوم عميق، بعضهم يفتح عينيه بصعوبة بالغة، ربما عهد إليه بالحراسة، لكن النوم يغالبه، الميدان الذي تحول إلى كتلة من البشر أصبح قلبًا واحدا ينبض بحب مصر، استوقفني أحد الشباب، أخرج لي من شنطة معلقة على ظهره سندوتش من الجبن، شكرته حاولت ألا آخذه، أقسم علي، أخذته، مضى لحال سبيله، كان الليل قد بدأ يسدل ستائره، لكن حركة الميدان لم تخبُ، وجدت مجموعة من الشباب تلتف حول أحد الأشخاص، كان يمسك ميكروفون له، كان يندد بفساد مبارك، إنه حامد صبحي أحد السياسيين، يتحدث عن الثورة بحماس بالغ، كأنه هو ومن حوله الوحيدون في الميدان، وراح يرسم خريطة المستقبل، لم يكن هو أول من صادفت فى الميدان على هذه الشاكلة، لاحظت أن العديد من الخيام وبعض التجمعات يدور فيها نفس الحديث. ارتسمت على شفاهي ابتسامه، لا أدري سببها، ربما كانت رغما عنى، أدرك أنها ثورة شعب، بلا قائد، الجميع خرج من دون دعوة، لم ينتظر أحدًا ليقوده، كنت أرى ذلك شيئا إيجابيا، لكنى أيضا كنت أخشى أن تتحول تلك الأسود المرابطة بفعل التآمر السياسي إلى قطيع من الشياه في ليلة مظلمة وشاتية، بلا راع مسئول عنها، فتضل الطريق، فتنهشها الذئاب، لكن هذا الخاطر تلاشى، لما رأيته من إصرار وعزيمة، هناك وجوه شاهدتها من أول يوم، ويبدو أنها لم تغادر الميدان، هناك وجوه يبدو أنها ليست من القاهرة لكنها حضرت، رأيت رجلا بسيطا في مظهره، يجلس وحيدا، حمل لافتة مكتوب عليها: (لن ارحل إلا بابني أو ثأره).. اقتربت منه كنت أرغب بشدة فى أن أعرف ما وراء لافتته، خشيت أن أبدأه بالحديث، لكنه مثل أي مكلوم يرغب في أن يحكى مأساته، ولو للريح، للهواء، للفضاء باتساعه الشاسع، للفراغ بصمته وسكونه، للبحر بأمواجه الهادرة، نظر إلي: (ابني أخدوه بقالي سنتين مش عارف هو فين منهم لله ابني المهندس محمود كان في رابعة هندسة، اترشح في اتحاد الطلاب المهندس محمود كان زمانه مهندس، لن أرحل إلا به أو جثته، عاوز ابني أو آخذ بثأره من مبارك نفسه.. انهمرت الدموع من عينيه، ربتُ على كتفه، قلت له: سيكون بخير إن شاء الله.. صبّرته: لعله في أحد السجون، إن شاء الله سيعود سالما.. قام من جانبي فجأة كأنه فقد عقله، راح يهتف: (يسقط يسقط أمن الدولة، باطل باطل يا مبارك).. ذاب في الزحام، بينما ظللت أراقبه، وأنا جالس متجمد المشاعر من شدة صدمتي، أو خجلي أني كنت طوال حياتي سلبيا في الوقت الذي راح بدلا منى مئات الشباب إلى غياهب السجون.

تابعت التجول في الميدان، لاحظت أن المنطقة الملاصقة للمتحف يقف فيها أصحاب اللحى، يبدو أن كل تيار سياسي أو ديني اتخذ له موقعا، غبت يوما ونصف عن الميدان، واضح أن هناك تغيرا في ملامحه، ولو طفيفا، لم يكن أصحاب اللحى أغلبية كما هو الحال الآن، ومعهم عدتهم وعتادهم، منظّمون بإحكام، إنهم ألوف، يبدون من مظهرهم أنهم من كافة أنحاء مصر جاؤوا، حينما اقتربت أكثر تأكدت أن الطعام لديهم وفير والمياه المعدنية والمستلزمات الطبية، هم أكثر تنظيما من غيرهم، تشعر أن لكل مجموعة قائد، لكل قائد من يقوده، وأن هناك ربما قائد للجميع، يرجعون إليه، حتى ولو لم يكن في الميدان، قررت أن أطوف بالشوارع الملاصقة للميدان، كانت مكتظة بالشباب، بالخيام والثوار الذين افترشوا الأرض على أرصفة المقاهي الموجودة في الشوارع الجانبية المتفرعة من الميدان، شارع طلعت حرب، المفترض أن المقاهي مغلقة، ولكن لا أحد يطبق عليها الحظر، أبوابها شبه موصدة لكنها تعمل ببطء وفي الخفاء، كان هناك عدد لا بأس به من الفتيات والشباب، يصعب لأول مرة أن تفرق بينهم، شباب ذكور شعورهم طويلة ولهم ضفائر، يرتدون سلاسل بارزة، وبنات انحشرن في بنطلونات ضيقة وبلوزات تصف أجسامهن بدقة، إنهم أكيد ممن يسمون بالناشطين، بعضهم يحمل كاميرات، البعض الآخر يكتب على اللاب، وأغلبهم يدخنون، إنهم الاشتراكيون، العلمانيون أو ربما حركة كفاية وحركة لا، إنهم فصيل مناقض ومغاير في المظهر للإخوان والسلفيين وأعضاء التيار الديني، هل هذا التناقض في المظهر يمكن أن يقابله تناقض في الأفكار في الرؤى، أم أن الهدف واحد، لم استطع أن أحدد، إلا أن روحا واحدة كانت تسيطر على الميدان وأطرافه، طمأنتني قليلا على صعوبة حدوث انشقاق، تمنيت أن يكون ظني صادقا، حلم واحد، أمل واحد، روح الثورة والرغبة في اقتلاع مبارك وأتباعه، شعرت أن هؤلاء رغم أنهم انزووا بعيدا عن الميدان قليلا، إلا أن بأيديهم المفاتيح السرية للميدان، أو أنهم يمسكون بخيوط المسرح التي تحرك العرائس، هم وقود الثورة الحقيقية، كنت شغوفا بأن أصافحهم، هم يشبهون هند في تحررها وانطلاقها، ربما تكون معهم فألقاها، خوف يطاردني من بعيد، أخشى أن تتحول هند إلى سراب، وألا نلتقي أبدا، فتذوب مثل كثير من الأحلام التي ذابت مني في زحام الحياة. قررت العودة بعد أن اقترب الميدان من النوم، لاح الهدوء في الأفق المظلم، سرى الإرهاق في الأجساد، أنهكت من الهتاف، أجهدت في الصدام مع بقايا النظام وأتباعه، وأدركت بيقين أن مبارك ونظامه بدأ في التلاشي شيئا فشيئًا.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...