محمد عبدالعزيز أحمد (محمد ود عزوز) - لم اُحب البلاد كالجميع...

لم اُحب البلاد كالجميع، لكنني بشكل ما قبلتُ بها
كما قبل الانبياء الهبات التي جاءتهم
وقبل الكهنة اللعنات التي حلت بهم
وقبل العشاق الاقدار التي ألمت بهم
وقبل الضحايا، الطلقات التي اختبأت في أجسادهم
كما يقبل الاطفال قرصات الأمهات غير المؤذية
قبلته
بدمائه الحمراء والزرقاء وحتى الصفراء التي تشبه الغرق، بمدافعه المدللة، بفساتين نسائه اللواتي يطاردن النوايا في العيون، بشرطته التي تملك أنوف الكلاب، تكتشف فينا رائحة الخمر والجنس وتتوعدنا بالسياط، بعفونة مجاريه التي تأكل رائحة الخبز منذ الفجر، بالشهوات التي يجند الله لها كهنة، ومكبرات صوت، والكثير من المقاطع الطويلة
قبلته بالغبار الذي يغطي أرديتي في الطفولة، بالدراجة التي مُنعت عني، بالقطة التي استشهدت بيد أبن الجار، بالمُدرسة ذات الفتحة العلوية على القميص، بنظارة الناظر، ونباح مُدرس الرياضيات الذي يبدو كالبطريق في مشيته
قبلته كاملاً
كما يقبل السجين حصته المُقرفة من الطعام
لكنه لم يقبلني
ولم أحب التفاصيل العائلية الشائكة، البيوت التي تفتح أذنيها على فضائح جاره، المآتم التي تناقش فيها نتائج كرة القدم، وعُرس تحت الطبخ، وبعض الخيانات التافهة
لكنني تقبلت التفاصيل تلك
بالقرابة التي تنهش الجسد والوقت، بكلمات اللوم، وتجهم الجدة التي اختلفت مع جدة أخرى حول تعذية، أو غطأ قدر، بالخصامات الاطفالية بين عائلات مُقربة من الدم، بالثرثرات حول امراض السكر وضغط الدم
قبلتها فحسب
كمايقبل البحر، النفايات وقصاصات عن الحب بذات التسامح
كما تقبل الشجرة أيدي المزارع وفأس الحطاب بذات الحزن
وكما تقبل الأم قسوة الاب وقبلات الأبن بذات الشيب
لكنني حلمتُ دائماً بالانطلاق، بالرحيل، ليس لبلاد النفط، حيث يأكل الريال الأصابع والعمر، ليس لبلاد الشقراوات، لاُضاجع إحداهن جوار نهر، أو في كبينة هاتف، أو في موقف باصات، ليس لسحر الكاريبي ، لأقف برفقة نيرودا، نشرب النبيذ الاسباني، والتكيلا، ونشتم المعدة الضخمة للغزاة، ونتحدث حول الحرية، والسلام، ليس لامريكا وهي تطحن الزنوج في المزارع، فقط ليُدخن سيناتورات في مجلس الشيوخ، بينما الويسكي يفيض من أفواههم، كمصاصي دماء، أنهوا فريستهم ليس إلى بلاد الهنود أو حتى بلاد العرب، لاقف جوار الحلاج، هو يبتسم على الصليب كالمسيح، وانا اجرب دور يهوذا ادقق في القطع الذهبية، أو لارافق فرقة الحشاشين، في جلسة نتعاطى فيها الحشيش، ونتخدر، ثم انسلخ منهم قبل أن يضعوا خناجرهم في صدر احدهم أو عنقه
فقط انطلق
ربما إلى أفريقيا القديمة
حين كانت تملك آلهة شابة
لنرقص حول النار، ونشوي بعض الغزلان
ونضاجع نساء سمراوات بينما تتراقص ظلال النيران من حولنا،
نساء سمراوات، بلا مستحضرات تبرج، وملصقات دعائية على افخاذهن، وملايين الشركات المخصصة للفوط، تتعارك على عاناتهن
نساء لم يفتحن الباب لقماش، وعشنا طويلاً تحت عناية أمهم الشجرة
ربما إلى الصحراء الكبرى
ابحث عن العنقاء
لأكتشف سر أنبعاثها، ماذا نسيّ الآلهة في جدتها، لكي تحيا باستمرار
ربما إلى المناجم القديمة
لأستخرج أكسير الحياة الذي قاله جلجامش، واحضره له
وربما استبدله معه بمملكته ذات الخُضرة التي تمتد إلى الابد، واحصنته المبسوطة كضوء الظهيرة
لكنني
كسول
حين اكمل زجاجة واحدة، برفقة سيجارة رديئة
تفشل رحلتي من المقعد للحمام
انا لم اُحب سوى الحرية والسفر
لكنني أكسل من أن اُرمي حجر في نافذة مخبر
أو احمل حقيبة وانطلق
تاركاً وجه امي
لانياب البلاد
#عزوز

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...