أحمد عبدالله إسماعيل - آخر ساعة...

لم تكن المدينة تعرف أنها تعيش على ضفاف وهمٍ زجاجيّ. عالمان يسيران جنبًا إلى جنب: واحدٌ مصنوع من عطر الذاكرة الدافئ، والآخر من ضوء الشاشات البارد. وكان الناس يقولون مطمئنين: ما يجري خلف الشاشة… يبقى خلف الشاشة.
لكن ظهيرة ذلك اليوم، انهار الحاجز. ظهرت رسالة موحدة على كل الأجهزة، كالحجر حين يسقط في بركة مياه راكدة:
«عطل في نظام الستر. كل الأسرار ستُنشر بعد 60 دقيقة.»
لم يكن العطل تقنيًا بقدر ما كان انكشافًا لموضع الوجع في روح البشر.
كان صالح يجلس أمام كوب شاي يبرد على الطاولة. جاوز السبعين، وتخفّف منذ سنوات من رتابة وظيفته الحكومية، لكنه لم يتخفّف قط من مهمة أخطر: حراسة صورته واسمه وسمعته كأب وزوج مثالي.
لم يقرأ الرسالة، بل اصطدمت به كمرآة تُجبره على النظر إلى وجهه بلا تزيين: ليلةٌ من ربيع قديم، كتب فيها بخط يده وثيقة مالية مزورة لإنقاذ اسم عائلته من الإفلاس، أو رسائل قاسية جداً تحمل إهانة لم يغفرها له أخوه الراحل، أو وشاية باردة قالها يوم غضب، تسببت في فصل صديق عمره من وظيفته الحكومية، مُدمِرةً مستقبله.
كانت هذه الأسرار بالنسبة إليه ليست مجرد أخطاء؛ بل العصب الحيّ لصورته المزيَّفة: أن يعرفه مَن يحبّ بلا قناع، فتنهار قصة "الرجل النزيه" و"السند القوي".
وقف يتجوّل في صالة بيته كمن يُحاول إخفاء ظلّه. لم يكن يخاف من السجن أو الفضيحة، بل من خسارة نظرة ابنته التي تتعامل مع العالم كقاموس للثبات، ومن خيبة ابنه الضابط الذي يشبه صورة معلّقة في الجدار أكثر مما يشبه بشرًا. مدّ يده نحو هاتفه ليطمئن، فوجد مكالمتين فائتتين من ابنه الضابط، لم يجبهما. صمت ابنه كان أشد وقعًا من أي رسالة.
أما انكسار حفيدته نور، التي كانت تصدّقه بلا سؤال، فهو ما قصم ظهره.
في "مقهى الكلام السري"، كان شباب العشرينيات يحتفون بالعطل كما لو أنه مهرجان للتحرر. دخانٌ خفيف، وجملٌ تنبح سخريةً ثم تختفي.
قالت نور، وهي تنظر إلى إشعار التهديد بنوع من النشوة المختلطة بالخوف:
– أخيرًا… يتعرى الجميع من الأقنعة! لا أحد منا يخاف من الأسرار؛ الخوارزمية لن تجد في ملفاتنا إلا نصوصًا قصيرة عن القلق والوحدة.
قاطعها زياد، وقد كان وجهه شاحبًا، يحدق في شاشة حاسوبه:
– لا تتسرعي يا نور. أنا أخشى رسالة واحدة، تتعلق برسوب متعمّد في مادة مهمة لأجل صديق. إن تم كشفها الآن، لن أُطرد فقط، بل ستفقد عائلتي كل ما ضحّت به لأجلي. الخوارزمية لا تفهم الأعذار. تحاكمنا كما نُكتب، لا كما نعيش.
قالت ليان، طالبة علم الاجتماع، وهي تتلاعب بخاتمها بقلق:
– ما يحدث ليس فضيحة عامة؛ إنه اختبار لنرى مَن يختبئ وراء ماذا. أنا لا أخاف من سري الخاص بقدر ما أخاف أن تنشر رسائلي القديمة التي تكشف ضعف إيماني ببعض القضايا التي أدّعي نصرتها علنًا.
ضحكت نور، ضحكة قصيرة، ثم قالت:
– أما جدي، فهو ليس مثلنا. هو رجل الصورة الباهتة لكنها المثالية.
ثم انطفأت عينَاها كمن أدرك شيئًا لا يريد الاعتراف به: أن صورة جدها المثالية هي ما يجعله أكثر هشاشة أمام الكشف.
في بيت صالح، يدور عقرب الدقائق على الجدار كأن صوته صرير صمتٍ ثقيل.
أغلق الستائر. جلس أمام خزانة الأدوية، يسمع قلبه يدقّ بطريقة غير مألوفة، تُذكّره كل نبضةٍ بعمرٍ كامل قضاه في حماية صورته لا في حماية نفسه.
رأى دفترًا قديمًا من أيام نور، اعتادت أن تطلب منه أن يرسم "رجلًا يختبئ خلف شجرة". لم يكن يعلم أنه كان يرسم لوحته الخاصة.
قال لنفسه، وهو يرى صورة زوجته الراحلة في انعكاس الزجاج: "لو عرفت العائلة بأمر التزوير، لو عرفوا حقيقة المال الذي بُني به هذا البيت… هل كانت ضحكة نور ستغفر كل شيء؟ أم ستمحو نظرتها كل ما تبقى لي من شرف؟ ماذا لو أحبّتني أقل؟"
مثلت تلك الجملة الخوف الحقيقي، الخوف الأعمق من كل خطأ ارتكبه: أن يتحول من الأب المعشوق إلى العار المُعلَن.
عند الدقيقة الأربعين، اتخذ القرار. ليس انتحارًا، بل حماية صورته الأخيرة من النشر والتمزيق.
مدّ يده نحو علبة مهدئات قوية كانت قد وُصفت لزوجته. لم يكن يخشى الموت، بل أن يرى عيني نور تبتعدان عنه بمقدار بوصة واحدة، بعد أن كانتا تريانه قدوة حسنة. ابتلع المحتويات جملة واحدة؛ لينهي القصة قبل أن تبدأ.
في المقهى، رنّ هاتف نور؛ فظهر إشعار جديد يحمل جملة قصيرة، تقطع الهواء البارد:
«تم تصحيح الخطأ. لن تُنشر أي أسرار. نرجو تجاهل التنبيه السابق.»
لم تشعر بقدميها، كأن الأرض انسحبت لتتركها معلّقة في خوفٍ صامت. ركضت خارجة من المقهى، تاركة زياد وليان يتبادلان نظرات الحيرة والإعفاء.
لم تكن الدقائق الأخيرة مجرد عقارب على جدار، بل خناجر صغيرة تقطع طريقها.
وجدت الباب مفتوحًا، والهاتف ملقى يلمع على الأرض كجفن يبكي؛ وجدت جدّها على جانبه، رائحة طبية خافتة تملأ الهواء، وعيناه نصف مغمضتين، كمن كان ينتظر كلمة واحدة من السماء تقول له: "أنت إنسان"، لكنها لم تأت.
سقطت بجواره، وضعت رأسه على صدرها، وهمست بصوت يخترق ما تبقّى من الهواء:
– لماذا لم تقل إنك إنسان يخطئ ويصيب؟ فقط… إنسان؟ كنا سنحبّك أكثر يا جدي.
لكن الجدران التزمت صمتها، ولم يتدخّل الماضي لإنقاذ أحد.
أمسكت هاتفه. آخر ما ظهر قبل أن تنطفئ الشاشة كان سطرًا باردًا:
« كل الأسرار آمنة بعد استعادة النظام.»
لم يمت صالح لأنه أخطأ أو لأنه زور، بل لأنه عاش عمرًا كاملًا يظنّ الكمال جواز المرور للحب.
لم تنظّم نور مؤتمرًا، أو تكتب منشورًا طويلًا. فتحت شاشة سوداء، وبدأت في كتابة سطرٍ واحد لمشروعها الجديد:
«أخبرني عمّا أخافكَ… قبل أن تخبرني بما فعلت.»
قالت لنفسها بصوت لا يسمعه أحد:
"لو عرف جدي أن الخطأ ليس نهاية الحب… لكان حيًا الآن".
وهكذا مرّت الساعة الأخيرة، لا بموت صالح وحده، بل بسؤالٍ يمكث في هواء المدينة حتى اليوم: هل مات بسبب الكشف المفاجئ؟ أم لأننا لم نقل له يومًا إننا لا نطلب منه أن يكون كاملًا؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...