أحمد عبدالله إسماعيل - النحت على أنغام الإيقاع...

في عيادة "الابتسامة الماسية" بالحي الراقي، كانت الدكتورة "شمس قاسم" تجلس خلف درع من الزجاج والجدية. يداها، اللتان تمسكان بمشرط الأسنان، كانتا تعملان بدقة لا تترك مجالاً لمليمتر واحد من الخطأ. شمس، خريجة الشرف، كانت اسمًا مرادفًا للنحت المنظم؛ تخصصت في هندسة ابتسامات الآخرين، بينما أخفت عيناها الداكنتان شعلة ترفض التشكيل.
لقد عاشت شمس وفق سيناريو مجتمعي جاهز: طبيبة أسنان، مسار مهني "منحوت" مسبقًا. لكن عالمها الداخلي كان يغلي. تعود إلى شقتها الفاخرة، تتخلص من المعطف الأبيض الجامد، وتستبدله بوشاح حريري يتدفق بحرية. تبدأ في التدريب، متذكرة كلمة جدتها: "الرقص يا شمس، هو النحت على الصمت." كان الرقص الشرقي بالنسبة إليها ليس مجرد حركات، بل عملية تحليلية لاستخراج روحها التي رفض المجتمع أن يمنحها إيقاعًا.
لم يكن تحولها مفاجئاً، بل تآكلاً داخليًا بطيئًا. بدأت مسيرتها المزدوجة سرًا: "دكتورة شمس" في النهار، تعالج الجذور. "نجمة" في الليل، راقصة تطبب جراح الروح. كان الأجر المرتفع، الذي وصل إلى ألف دولار للساعة، هو ثمن حريتها واستقلالها عن قبضة الحياة المُقنَّنة.

في صباح يوم حاسم، وقفت شمس في غرفة التعقيم تستعد لجراحة خلع جذر معقدة. كانت قد رقصت حتى فجر اليوم، تتدرب على حركة "الدائرة البطيئة" التي تتطلب ثباتًا مطلقًا. عندما رفعت مشرط الجراحة، شعرت باهتزاز خفيف ومفاجئ في يدها. لم يكن إرهاقًا، بل بقايا الإيقاع ترفض الثبات.
في أثناء العملية، وبينما كانت تمرر المشرط قرب عصب المريض الحيوي، تداخلت الأضواء المعقمة بظلام قاعة الرقص. أدركت شمس أن لا يمكن للغة الدقة أن تتعايش مع لغة التحرر التام في جسد واحد. لم تستطع أن تضمن عدم اهتزاز يدها مرة أخرى. لم يعد الأمر يتعلق بالشغف، بل بسلامة المريض. في تلك اللحظة، اتخذت قرارها الحاسم: "الجسد لا يُقسم." تركت رسالة استقالة مقتضبة على مكتبها قبل أن تتوجه إلى المسرح، تاركةً وراءها معطفها الأبيض كـ "شاهد على الصمت".

انتشر الفيديو، وانفجرت القصة كـ "حفر" في سمعة العائلة. رن هاتفها وهي تضع اللمسات الأخيرة لمكياج المسرح. نطق الأب بصعوبة، رنّ صوته كتحذير جاف:
شمس... يا دكتورة شمس! ما هذا التمايل اللزج؟ لقد أنفقتُ عليكِ سنين عمري؛ لأجعل يدكِ أداة نحت للجمال، كي ترسمي الابتسامات، وليس كي ترسمي منحنيات الغواية أمام الغرباء بملابس كهذه!
أجابت شمس، وصوتها حاسم لا يتسع لليأس:
أبي، الدقة هي الدقة. هنا أنا أنحت إيقاعي الخاص على خشبة المسرح؛ أنا فنانة.
رد الأب بخيبة تفوق الغضب:
إما أن تعودي لعيادتكِ، يا من اختارتِ العبث بدلاً من الجدّ، وإما أطردك خارج ذاكرتي إلى الأبد؛ اختاري.
اختارت شمس أن تتحمل ثمن هذا القطع القاسي، فهي قد تذوقت طعم الحرية الذي لا يُساوم عليه.

لم يتوقع الجمهور موهبتها. لم تكن شمس مجرد راقصة؛ بل كانت مهندسة حركات. جمع أسلوبها بين الرشاقة الأسطورية لسامية جمال والضبط الهندسي الدقيق. كانت شمس تُصمِّم بدلاتها، يبدو كل وشاح وكأنه خط جراحي من الحرير يتبع دقة الإيقاع.
وقفت شمس على خشبة المسرح، تتلقى تصفيقًا دوليًا صاخبًا. لم تعد تبتسم تلك الابتسامة الماسية المتقنة. كانت تبتسم ابتسامة حرة، عشوائية، لكنها حقيقية. لقد فقدت المسار المنحوت، وربحت نفسها المتمردة.
في لحظة انحناءها الأخيرة لاستقبال باقة الورد، ضغطت شمس على عضلات بطنها. شعرت بيدها تلامس خصرها، بقوة القبضة وثبات الزاوية ذاتها التي كانت تستخدمها سابقاً لتثبيت مشرط الجراحة أثناء الحفر العميق.
لقد أدركت أن الفن والدقة هما شيء واحد. وأنها، ببراعة، تحولت من نحت الأسنان إلى نحت الفضاء بالإيقاع.

بعد عام من الاستقالة:
وقفت شمس في شقتها المتواضعة الجديدة، تضع اللمسات الأخيرة على تصميم وشم دقيق لراقصة ألمانية. كانت قد اكتشفت أن مهارة يديها لم تختفِ، بل تحولت. بدأت تصميم أزياء الراقصات، بل وحتى رسم الأوشحة التي تحاكي خطوط الجراحة.

اتصلت بها مديرة مسرح "أفنيو الفنون":
شمس، هناك مريضة سابقة لكِ، سيدة عجوز، تريد مقابلتكِ بعد العرض.

بعد العرض، وجدت السيدة فايزة تنتظرها، تبتسم بابتسامة تظهر فيها حشوة ذهبية صنعتها شمس قبل سنوات. قالت السيدة:
ظننت أنكِ جننتِ عندما تركتِ العيادة. لكنني الليلة فهمت أنك تعالجين الآن الروح بدلاً من الأسنان.

في تلك الليلة، أدركت شمس أن تحولها لم يكن هروبًا، بل توسيعًا لدائرة علاجها من أسنان الأفراد إلى نفوس الجماهير.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...