منى محمد صالح - كغيمةٍ تؤجل زرقة السماء

لم يكن الصمت فراغًا.
كان كائنًا يجلس قبالتي.
يربك أماكن الأشياء،
والاحتمالات الراعشة.

يسحب المعاني من درج الكلمات
ويضع وجهي على الطاولة،
عاريًا تمامًا،
كأنه يستدعي اسمي الأخير.

ثم أعود إليَّ فارغةً،
بنصف اسم ونصف رغبة.

كما يؤجَّل حلم، عودة جناحيه،
غير مستعجل على التحليق
يمرّ بقربي
دون أن يجرحني،
ككل ما تعلّم العبور بصمت.

وما تبقّى صار شاهقًا،
حارسًا لزوايا الغياب.

سقطتُ مرارًا من الدور الذي حفظته طويلًا.
لم أصفق لنفسي.

فهمتُ أخيرًا:
اللطف الذي لا ينجو بقلبه
ليس فضيلة،
بل خوف مؤجَّل،
نوع آخر من القسوة.

مثل كل ما منحتُه عاد ناقصًا.
حتى امتلأتُ بما ابتلعني،
ونسي حدَّه.

كنتُ أتحرّك بخفّةٍ مفرطة، كأنني لا أُرى.
أقنعت العالم أنني بلا كتفٍ أميل عليه.
وبلا صدرٍ يحفظ دفء الأحزان.

الوجوه التي نرتديها لا تحمينا،
تطيل أعمار الجروح،
مثل ظلالٍ بلا شمس.

هناك وقت
لا يشبه الانهيار،
ولا يشبه الشفاء…

وقت ترى فيه نفسك،
كما تُرى الأشياء بعد الحرائق،
صالحة…
لكن بلا آيلاينير
يزيّن خطوط التعب.
ولا صدى يخفف نزق المسافات.

رأيتُ كم مرة قدّمتُ نفسي قربانًا للخذلان.
كأن اللحظة صادقة كجرحٍ نظيف.

كل الذين أحببتهم لم يكونوا أعداءً
ولا بيتًا،
ولا مأوى يلزمني

فالأماكن لا تُقاس باحتمالات مؤجلة،
بل بصدى ما ننساه.

حين فتحتُ باب القلب،
لم أرفع رأسي.
ولا لوّحتُ لظلال الوجع المؤجل،
مضيتُ فقط،
قبل أن يسقط آخر سقف من الأمان.

الآن أمشي أخفّ من فراشات الحنين.
أشير فقط إلى تلك المسافة،
المتصاعدة بيني وبين الأدوار التي ربّيتها داخلي..

لم أعد أبحثُ عن معنى
يفر عند أول سؤال.
حيث تتقاطع النهايات،
وتنحني هاربة من ظلالها.

تركتُ خلفي ما لم يكن لي،
دون ضفافٍ زائدة تثقل عبء السؤال.
لا سلام، لا انتصار،
ياخذ شكل المواقيت السعيدة..
فقط هذا الوضوح القاسي
الذي يجعل الكذب مستحيلًا.

إلتفاتٌ واحد،
يترك جرحه في زند القصيدة.

ومنذ تلك الغيمة الشاردة،
لم تختفِ الشقوق في زرقة سمائي البعيدة
لكنني توقفتُ عن تسميتها عيوبًا..

وكان هذا كافيًا
أكثر من كافٍ.

كغيمةٍ
تؤجل
زرقة
السماء.

19 ديسمبر 2025

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...