شريف محيي الدين إبراهيم - أصوات الهاتف

جلستُ على الأرض
الهاتف يثقل بين يديّ كأنه قطعة من نفسي التي تبتلعها الأيام.
ضغطتُ على الرقم الأول…

رفيق

طال الرنين،
كدتُ أظن أنني أخطأت الرقم،
ثم جاء صوته، مترددًا، كأنه يحاول تذكّر نفسه.

رفيق :
أهلاً… معقول؟

أنا:
رفيق … صديق الطفولة.

صمت رفيق لحظة،
ثم قال بصوت خافت:
… إنت جاري القديم
اللي كان بيصطاد معي السمك... فاكر البحر، شط المندرة ... الرتسا،والفريسكا

ابتسمتُ رغم انقباض صدري.

أنا:
لسه فاكر؟!

ضحك، ضحكة خرجت من زمن بعيد.

رفيق :
إزاي أنسى؟ إحنا كبرنا في نفس البيت والشارع
كنا ننام ونصحى على نفس الأصوات،
نسرق الوقت من أهلنا
ونجري لشط البحر ،نعوم لحد جزيرة نيلسون ،ونرجع مهدودين ناكل وننام في أي بيت عندي أو عندك
كأن الدنيا ملكنا.

أنا:
فاكر لما عزلتم وسيبتم العمارة
، الشقة اتقفلت
وأنت اختفيت
ولا وداع.،ولا حتى عنوان.

رفيق :
أبويا قال: (الحياة كده)… وأنا صدقته…

صمت قليلًا،
ثم قال بصوت مكسور:
دورت عليك سنين.
كبرت وأنا حاسس إن في جوايا حتة ناقصة.
صديق الطفولة مش بيعوضه حد.

أنا:
وأنا فضلت فاكر إنك في نفس المكان.
ماكنتش متخيل إن الزحام هيبلعك كده.

رفيق :
الزحام بلعنا إحنا الاتنين.
بس الذكريات فضلت.
كل ما أعدي جنب شارع في حي المندرة شبه شارعنا أفتكرك…
وأقول: يا ترى راح فين؟

أنا:
نفسي نرجع للحظة واحدة… نفس الضحكة، نفس البراءة.

رفيق :
الطفولة ما بترجعش… بس وجعها بيظل معانا طول العمر.

انتهت المكالمة.
وضعت الهاتف بجانبي.
الفراغ انسحب ببطء،
وترك خلفه ظل طفلين افترقا ولم يلتقيا ثانية أبدًا.
***
ليلى

جاء صوتها بعد رنين قصير،
صوت أعرفه كما أعرف نبضي.

ليلى:
«…إنت؟»

أنا (بهمس):
« وحشتيني يا ليلى.»

صمتت لحظة،
ثم تنفست كما كانت تفعل قديمًا.

ليلى:
«لسه بتقولها بنفس الطريقة.»

أنا:
«ولسه حاسسها بنفس الوجع.»

ضحكة خفيفة..

ليلى:
«فاكر أول مرة قلت لي إنك بتحبني؟
كنا واقفين تحت العمارة،
وكنت متلخبط كأنك خايف الكلمة تطلع وتهرب.»

أنا:
«كنت خايف أخسرك.»

ليلى:
«وخسرتني؟»

أنا:
«الزمن هو اللي سرقنا من بعض.»

ليلى (بصوت دافئ مكسور):
«فاكر الرسائل؟
كنت بتكتب لي إنك شايف عمرك كله في عينيّ…
كنت بصدقك… ويمكن لسه بصدقك.

أنا :
وبسبب عندك كل حاجة إنتهت

ليلى : وليه متقولش عندك إنت... ولا إني كنت بتدلع عليك.. إنت اخدت المشكلة إللي حصلت بيني وبينك بكرامة،و ماكنش الموضوع مستاهل ابدا كل ده.. بس يمكن عشان كنا لسه صغيرين
أنا:
«أنا ما بطلتش أحبك.
ليلى :
الحب بس… تعب

سكتنا.
الصمت بيننا كان ممتلئًا بكل ما لم يحدث.


***

سامر

الرنين طال، كدتُ أُغلق، ثم جاء صوته، دافئ لكنه مشحون بالغضب الكامن.

سامر:
«ألو… مين معايا؟»

أنا (بصوت متقطع):
«سامر… أنا…»

صمت للحظة.
ثم قال بهدوء حذر:
«استني… إنت فاكرني؟»

أنا:
«عمري ما نسيتك.»

تنفّس، كأن الاسم أعاده خطوة للوراء.

سامر:
«فاكر اليوم اللي مشيت فيه؟
تخليت عني، ومقلتش كلمة الحق... اهتميت بنفسك بس ،وضحيت بيا بصمتك.
صمت قصير.

أنا (بصوت واطي):
«أنا … كنت خايف… على نفسي… كنت خايف … من كل حاجة.»

سامر (بغضب مختلط بالحزن):
«خيانة؟! تركتني وحدي في وش المدفع
قلت لي هتفضل معايا ،مش هتسيبني قلت لي متخافش قول الحق وأنت هتحميني… وفجأة اختفيت وسبتني وحدي.

أنا (ألمي صار واضحًا، كأن الكلمات تنزف):
«سامر… أنا آسف… عمر كامل عايش في الندم.
كل ثانية كنت بحس إني أقل بكتير منك … وكل لحظة كنت أتمنى أرجع الزمن…»

صمت طويل.
ثم تكلم سامر، صوته أهدأ، لكنه ما زال مشحون بالجرح:
«الجرح بقى عميق… بس… صوتك دلوقتي بيخليني أحس إنك فعلا نادم.»

أنا (بهمس):
«لا أعرف كيف أصلح ما حدث … لكن لازم تعرف إني طول عمري كنت أتمنى تسامحني…

سامر (بتنهيدة طويلة):
الاعتذار ده… متأخر جدًا…

سكتنا.
الصمت لم يكن قاسيًا،
كان مزيجًا من الغضب والجرح والحنين والصفح البطيء.

أنا (بهمس):
«شكرًا… على الأقل… أنت سامحتني

سامر (بصوت عميق ):
«أيوه… بس خلي بالك… الزمن مش دايمًا يسمح بالعودة
أنا :
بس صداقتنا ما ماتتش.
سامر :
وأنا هفضل موجود.

انقطع الخط.
بقي الصوت معلّقًا في الغرفة،
ليس كتحذير، أو عتاب،
بل كصدى صداقة،حقيقية، ولكنها موجعة


***

ثم الرقم الأخير…

أبي

الرنين طال…
ثم جاء صوته،
دافئًا، هشًا،
يتسلل من بين انكسارات الزمن.

أنا:
«أبي…
إنت هنا؟
أنا سعيد قوي.
كلمت كل أصحابي القدام…
أخيرًا ردّوا.»

صمت طويل.

أبي:
«لقد رحلوا جميعًا منذ زمن…»

قفز الدم إلى قلبي.
كل الأصدقاء…
كل الأصوات…

الغرفة صارت أكبر،
الظلال تتحرك ببطء،
تبتلع كل وجودي.

أبي (بألم):
«لازم أصارحك بالحقيقة
عشان تبطل محاولاتك المضنية.
كفاية كدة يا ابني...
كلهم ماتوا... ماتوا من زمان..... انا عارف ان الحقيقة بتوجع...بس أنت لازم تتوجع أكتر عشان تفوق.
أنا:
مش ممكن يكون فيه حقيقة بتوجع أكثر من كدة.

أبي:
للأسف فيه... فيه
الحقيقة اللي أنا نفسي ما اعترفتش بيها. حتى لنفسي
مش هم بس اللي رحلوا.
إحنا كلنا
ضيوف على الزمن.
صدى في صدى،
ظل في ظل.»

أنا (غاضبًا):
« أبويا... أنت طبيعي!
أنا كلمتهم من شوية!»

صرخ أبي في ألم:
«وأنت نفسك
رحلت... أنت مت... مت
منذ زمن!!!

صدى صوته ظل عالقًا،
كأنه خارج من بئر مظلم.
عادت جميع الأصوات كانت تعلوا بقوة ،تداخلت صوت رفيق ،وليلى ،وسامر ،وأبي
سقط الهاتف على الأرض الباردة.
الفراغ ضغط على صدري.
الصوت الأخير ذاب ببطء،مر
كحلمٍ بين أصابعي
ولم أستطع الإمساك به.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...