أحمد عبدالله إسماعيل - نار النجومية...

التفَّ جسدها بثوب النجومية الحريريّ في كل عرض أول لفيلم جديد، لكنه كان يخفي تحته جلدًا من حديد. "نور"، تلك الطفلة التي كانت تنتظر أن يمسح والدها دموعها بعد كل كابوس، صارت نجمة تسطع صورها على واجهات دور السينما، بينما ظل هو – الأستاذ محمد – جالسًا في صومعته بين الكتب الصفراء وأشرطة الدروس، ينتظر العاصفة التي عرف أنها آتية.

لطالما حلمت أن يعانقها يومًا ويقول: ابنتي، أنا فخور بك.
حملت هذا الحلم معها في زيارتها الأخيرة، متنكرة في ملابس بسيطة، كأنها تحاول استعادة فتاة الأمس التي تركها على بوابة الأزهر. دقت جرس شقته القديمة بحي الدقي، وقلبها يخفق كطير محبوس.

فتح لها الباب، فوجدته شاحبًا، عيناه لا تريان بريق نجوميتها، بل خطيئةً تمشي على قدمين. دخلت، ورائحة المسك القديمة تلف المكان. جلست على أريكته الجلدية البالية، وأخبرته بهدوء عن جوائزها، عن المهرجانات الدولية، عن المقالات التي كتبت عنها.

لم يقل شيئًا. أدار لها ظهره، وشغل شريط فيديو على التلفاز القديم.

تجمّد الزمن.

شريط مُحرِّر بعناية دقيقة، قاتلة. لقطة وهي ترقص في فيلم غنائي، لقطة أخرى في مشهد عاطفي، ثالثة في فستان سهرة يحاذي الخط الأحمر. كل لقطة مُختارة لتُظهر جسدًا، لا فنًّا. كل مشهد مُحرّف السياق ليُظهر وقاحة، لا أداء. كانت سيرة حياتها الفنية قد حُوّلت إلى لقطات عارية في عيون الرجل الذي كان يُغطيها بوشاحها الأزهري ذات يوم.

انتهى الشريط. نهض بهدوء، واتجه إلى ركن الصلاة، وفرش سجادته. صلّى ركعتين بخشوع طويل، كما يفعل كل يوم. ثم التفت إليها، وعيناه تفيضان حزنًا عميقًا، خالطته رجفة صوت قال بها:

- تعرفي يا بنتي… أنا مكسوفلك.

لم تكن الكلمة صرخة، ولا شتيمة. كانت إبرة ثلجية غرست في قلبها وانفجرت برودةً قاتلة. "مكسوفلك". خجلك يملأني. وجودك عارٌ يلاحقني. نجاحك فضيحتي. أنتِ لستِ ابنتي، بل مصدر خزي.

في تلك اللفظة، انقلب كل شيء. الحب الذي تغذّى على سنوات من الانتظار، تحوّل فجأة إلى كيان غريب، بارد، معادٍ. رأت في عينيه ليس أبًا يخاف عليها، بل قاضيًا قد حكم عليها بالإعدام الأخلاقي. لم يعد يرى الفتاة التي ربّاها، بل يرى "الآخر" الذي حذّره منه ضميره.

نهضت، وكأن ساقيها من حديد. اتجهت صوب الباب دون أن تلتفّت. كانت تسمع أنفاسه الثقيلة خلفها، لكنها لم تعد تسمع فيها صوت الأب. سمعت صوت العدو الذي يغتال مجدها بحجة الحرص عليها، الذي يحوّل أحلامها إلى عهر، وفنّها إلى رذيلة.

خرجت إلى الشارع، حيث أضواء القاهرة الصفراء تغسل الأرصفة. أزاحت نظارتها الشمسية، ودموعها هذه المرة لم تكن لطفلة خائفة، بل لامرأة أدركت أن بعض الجروح لا تندمل، لأن السكين لا تزال عالقة في يد من كان يفترض أنه يحميها.

الصورة الأخيرة التي التقطتها عيناها للداخل قبل أن يُغلَق الباب، كانت صورة سجاد الصلاة وحيدًا في الركن، والشاشة القديمة لا تزال مظلمة. فهمت وقتها أن عقيدته كانت جدارًا سميكًا بينهما، وأنها – بكل أضوائها – لم تستطع أن تخترق ظلام ذلك الجدار ولو بشعاع واحد من شموس نجوميتها.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...