سعيد حجي - جارتي "لينا" ذات الخمسة والعشرين ربيعا،

كانت جارتي "لينا" ذات الخمسة والعشرين ربيعا، الفرنسية الأصل، الكاثوليكية الديانة، جميلة بعينيها الزرقاوين وكأن البحر اختزل فيهما لون السماء وعمق الذكرى. كانت تمرّ كل صباح لألقي عليها تحية صباحية، نلتقي عند بوابة الدرج، تهمس بالفرنسية في صمت الصباح، ثم تمضي إلى المعهد حيث تدرس الأدب وتقول إن الكلمات عندها أقوى من الحدود...
وبين طلعة الشروق ونزول الغسق، بدأ شيء من الحب يتسلل بيننا، لا يزأر، بل ينساب مثل رياح معتدلة في عز الصيف، يربت على القلب دون أن يصدمه، يلمس الفكرة قبل الجسد، يزرع انتباها رقيقا في داخلنا. كان حضورها صباحا بمثابة موسيقى لا تشكو، بل تناغم خافت لا تُنتزع منه الذاكرة بسهوله...
مرت سنتان تعلّمنا خلالهما أن نقرأ في إشارات الوجوه أكثر مما نقرأ في الكتب. تعرفتُ على ضحكتها حين تشرق، على صمتها حين تغيب العبارات، على نظراتها حين تهرب نحو ضوء داخلها. وكنتُ في داخلي أجد نفسي أتوسّع في حبها، أكتشف في قلبي زوايا لم أكن أعلم بوجودها. اقتربنا، احتَكّ بعضنا ببساطة الوجود، وتغلّب الإحساس على الترتيب المفاهيمي العتيق الذي يعلمنا الفصل بين المختلف والمتماثل...
ثم تقدمنا خطوة أخرى: اقتراح الزواج. في تلك اللحظة الحاسمة، انكشفت المسافة الحقيقية بيننا. كانت "لينا" تقف على حدود راديكالية ثقافية ودينية صارمة: طلبتْ أن أكون مسيحيا لأجل أن تكون الحياة المشتركة ممكنة. بينما كنت أنا، وأنا أرتشف من ينابيع الإسلام العميقة منذ الطفولة ، أقول لها إنني مستعد لحياة يعلّمنا فيها العشق احترام الاختلاف، بل اقترحت أن تكون مسلمة إذا كان يقيننا هو ما يجمعنا...
كانت هذه المسافة الدينية التي تفصل بيننا مرآة لفهم أكبر: في داخل كل دين هناك سؤال عن الهوية، عن الذات، عن المكان الذي يقف فيه الإنسان أمام وجود الحب نفسه. تحرّكنا في دوّامة من المد والجزر، كأننا أمواج تتصادم على شاطئ واحد، كل منا يحاول أن يثبت وجوده. مضت ستة أشهر نعيش فيها كلاما داخل الذات بلا خروج إلى الفعل، نختبر فلسفة الانتماء حين تتنازعها الحدود...
حين يعود العقل إلى جذور الدين كسؤال وجودي، حين يتحول الإيمان إلى معيار للهوية، يصبح الحب حادثة على هامش السؤال الأهم: من أنا في علاقة مع آخر غيري؟ هكذا تبرز الأسئلة الكبرى: هل يمكن أن يعي الحب نفسه عندما يكون معتقدان مختلفان ؟ أيمكن للوجود أن يُسجَّل في خارطة فيها أكثر من بوصلة؟
في تلك اللحظة اتخذنا أخيرا القرار: أن يمضي كل في طريقه. كان القرار مؤلما، امتزج فيه الصمت والعرفان بضرورة الاعتراف بأن الحب قد يكون أدقّ من أن يُحفظ، وقد يكون أعمق من أن يُتّقى به الفعل. غلبَ الدين الحب، وكانت هذه النتيجة صدمة لكل من يظنّ أن الحب قادر على تجاوز كل الحواجز. في فلسفة الوجود، حين يُفصّل الوعي شروطه ويجدّدها في كل لحظة، يتبدّى لنا أن الحب إذا لم يتجاوز ثقافة الذات نحو الآخر، يصبح معلقا في الهواء...
هنا، في هذا الفضاء المتداخل بين الذات والآخر، بين الدين والفكرة، تُرى حدود الوجود وكيف أن الحب قد لا يكون البديل، بل قد يكون سؤالا يجرّ خلفه أسئلة أخرى، أعمق من أن تُحتوى في لحظة واحدة، وأعمق من أن تُحسم بنصّ فلسفي أو وحدة معرفية...
وتماما كما عبّر محمود درويش حين قال في نص يزدان بالحكمة: "إنْ أحببتُكِ لأجلكِ، فسأفقدكِ حين تذهبين، وإن أحببتكِ لكَوني أنا أحببتكِ، فسأجدكِ دائما حين أبحث عن نفسي"..
الحب هنا ليس بضاعة توزّع على من يشاء، بل هو ملفّ متعدّد الطبقات، يختبر المرء من خلاله حدود ذاته قبل أن يختبر حدّ الآخر. والحقيقة يمكنها أن تكون أكثر قسوة من الرومانسية ذاتها...

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...