(الملحق الثقافي لجريدة العلم، الخميس 25 ديسمبر 2025. الشكر موصول للعزيزمحمد بشكار على جميل الاعتناء)
في المغرب منذ زمن ليس ببعيد
"أضع نفسي في وضع من ينجز شيئا، وليس في وضع من يتكلّم عن شيء: لا أدرس منتوجا؛ وإنّما أنخرط في عملية إنتاجه؛ فأبطل الخطاب عن الخطاب؛ ولذلك لم يعد العالم يحضر عندي في شكل موضوع؛ ولكن في شكل كتابة؛ أي في شكل ممارسة؛ وهكذا أنتقل إلى نوع آخر من المعرفة (معرفة الهاوي)..."
ر. ب ((Incidents
في أحد شوارع سلا، تجري مداهمة للشرطة، يفرّ الجميع بملابسهم البالية. صبيّ في الرابعة عشرة من عمره يجلس هناك، على ركبتيه صينية فطائر بائتة. شرطي ضخم الجثّة يتوجّه إليه مباشرة، يوجّه إليه ركلة إلى بطنه، وينتزع منه الصينية دون أن يتوقّف، دون أن يلتفت، دون أن يتفوّه بكلمة (من المؤكّد أنّ الشرطة ستلتهم الفطائر). يتشنّج وجه الصبيّ ، لكنّه يتمالك دموعه؛ يظلّ حائرا برهة، ثمّ يتوارى ــ تواجد صديقين لي يضايقني ويحول بيني وبين أن أمنحه ألفي فرنك.
***
افتتاحية راسينية¹: بإرادة هادئة: «هل ترمقني؟ هل تحبّ أن تلمسني ؟».
***
شاب وسيم، أنيق الملبس، يرتدي بذلة رمادية ويحمل سوارا من ذهب، يداه رقيقتان ونظيفتان، يدخّن علبة سجائر أولمبيك حمراء، يشرب الشاي، يتكلّم بجهد كبير (أيكون موظّفا إداريا؟ من ذلك الصّنف الذي يتحقّق من الملفّات؟). يسيل خيط ضئيل من لعابه على ركبته؛ فيلفت رفيقه نظره إلى ذلك.
***
ينظّف بكلّ طاقته حوض الاستنجاء بفرشاة مرحاض صغيرة. أتوجّه إليه بملاحظة: «فقط حوض الاستنجاء !».
***
عقب حفلة موسيقية (ألمانية، بالطّبع)، شابان عربيان يتجادلان في الردهة بصورة جديّة (يدركان أنّهما مراقبان، ولذلك، ووفق العادة الأوروبية، لا يلتفتان)؛ أحدهما يرتدي سترة مخملية ويضع غليونا في فمه.
***
في مطعم في الرباط، أربعة رجال من أبناء البلد جالسين ــ بين صلصات، سلطات، لحوم وبدلات ذات أزرار ثلاثة ــ يشربون حليبا محلّى ويمضغون ببطء قطعة خبز منتزعة من قرص كبير الحجم.
***
أحمد، قرب المحطة، يحمل بلوڤرا أزرق بلون السّماء، على واجهته بقعة برتقالية رفيعة.
***
حشد، تجمهر حقيقي، في الأفق لافتات، رايات صغيرة، صفّارات الشرطة. أهو إضراب، تظاهرة سياسية؟ لا، احتفال بائس لبدء الدراسة في المدرسة الوطنية العليا للمهندسين بالمحمدية. فتاة بتنّورة قصيرة فوق عربة، أغان فرنسية، شعارات متحمّسة: «نعلم أنّ أمامنا عملا كثيرا»، «طلبة السنة الأولى اليوم، هم مهندسو الغد».
***
فريد، قابلته في مقهى يوم وليلة، يلعن متسوّلا يطلب منّي أوّلا سيجارة، ثمّ بعد أن يحصل عليها، يطلب منّي نقودا «حتى يمكنني أن آكل». هذا المخطّط المتدرّج للاستغلال.
(ولو أنّ الأمر جدّ سخيف)، لكن يبدو أنّه يثير سخط فريد: «هكذا يقدّم شكره لك أن أعطيته شيئا !». ثمّ دقيقة بعد ذلك، لحظة أغادره، أمنحه علبة سجائري كلّها، يضعها في جيبه دون كلمة شكر، أسمعه يطلب منّي خمسة آلاف فرنك «حتى يمكنني تناول الطّعام». أنفجر ضاحكا، يتذرّع بالاختلاف (الجميع هنا يؤكّد أنّه مختلف لأنّه يتصوّر نفسه ليس كفرد وإنّما كخصاصة وحاجة).
***
عبد اللطيف، فتى شبق، يؤيّد بشكل قاطع أحكام الإعدام التي جرت في بغداد². جرم المتّهم بيّن، مادامت المحاكمة تمّت بسرعة: القضية كانت واضحة. تناقض بين همجيّة هذا العبث، ونعومة جسده، ويديه المتاحتين اللتين أستمر، ذاهلا بعض الشيء، في الإمساك بهما ومداعبتهما بينما هو يستمرّ في إفراغ عقائده الانتقامية.
***
زيارة صبيّ مجهول، بعثه صديقه: «ماذا تريد؟ لماذا أنت هنا؟» ــ «إنّها العادة !» (صبيّ آخر في مناسبة أخرى: «إنّه الوداد !»
***
حدائق شالة: شاب جسيم، بشعر ناعم، ملابسه كلّها بيضاء، حذاء الكاحل تحت بنطلون من الجينز الأبيض، ترافقه شقيقتاه المحجّبتان³، يثبّت عليّ بصره بقسوة ويبصق: عدم قبول أم حركة عرضية؟
***
أجد صعوبة في إحضار "تذكار" من باريس لهذا الصبيّ الذي طلبه منّي: ما هو هذا الشيء الزّهيد المبهج الذي يمكن منحه لشخص معوز تماما؟ ولاّعة؟ ــ لإشعال بعض السجائر؟ فضّلت تذكارا رمزيا، بمعنى عديم النّفع بشكل غير معقول: برج إيڤيل مصنوع من نحاس أصفر.
***
فرنسي، من بقايا عهد الحماية (يعمل في بيع خردوات معدنية)، يعاني من حبسة (أثر عقب بندقية على وجهه، جعله يتلعثم بصورة موجعة)، ولكنّه أيضا يتمايل فاقدا للتوازن، يسحب ببطء فتيلتين من مصباحي الغازي، بغتة يجد صوتا قويّا وواضحا كي يصرخ على كلبته مرّتين متتاليتين (لم تفعل شيئا سوى أنّها تواجدت هناك): أيّتها الكلبة اللّعينة !
***
دريس أ، لا يعلم أنّ السائل المنوي يسمّى منيّا، هو يدعوه القذارة: «احترس، القذارة قادمة الآن»: لاشيء مروّع أكثر من ذلك.
ولد آخر، من سلا (محمد الجمناستيك) يقول بجفاء وبصورة محدّدة: القذف. «انتبهْ، سأقذف.»
***
عند نزولي، وبينما أخرج مفاتيحي، أعطي مصطفى (الآسر، الباسم، المضطرم، المخلص) صندلي لينتعلها («أمسكْ، أمسكْ هذه»). فيما بعد، أتبيّن أنّه أبقى عليها (إلغاء القرض والإعارة).
***
إلى بنك، يدخل متسوّل أعمى متخبّطا، عصاه تتلمّس الأبواب، المكاتب، شبابيك الصرافة. يمنحه أحد الزّبناء قطعة نقدية. يبادر أحدّ الصرّافين: «لا تعد لفعل ذلك، ستجعلهم يتّخذونها عادة.»
***
ماسح أحذية كادح في مقهى يوم وليلة: عيون برّاقة وابتسامة خلاّبة، يُدعى دْريوش. عند انصرافه، وإن ابتعد، يبعث إليّ بإشارة وديّة.
***
الحسين، في البيت. جالس قبالتي، منعدم الحركة، وديع طوال الصبيحة. لم تكن يداه أبدا مستريحتين كما عليهما الحال الآن: فقط رسّام يمكنه أن يظهر ذلك للعيان. أكون في حضوره مفرط النّشاط: أقوم باستمرار بعمل ما، وباستمرار أغيّر ما أقوم به: أكتب، أقرأ، أبرئ قلم رصاص، أضع أسطوانة موسيقى أخرى، إلخ.
***
مُولايْ، حارس العمارة يشير لي بإشارة ملزمة أنّ زوجته الشابة عايشة، ولحماية الشقة من "اللّصوص" أثناء غيابي، ستنام على الأرض هنا عند مدخل الباب ، على بساط قرب المقعد (قطعة صغيرة من البساط بحجم تلك التي تكون على بلاط الحمام).
***
شاب من الأقدام السّود⁴، بورجوازي صغير أعيد تشكيله، يحمل بلوڤرا ملفوفا فوق كتفيه، الأكمام معقودة إلى الأمام؛ يتعمّد إسقاط مفاتيح سيّارته على طاولة المقهى؛ نبرة صوته قاسية وسريعة، وكأنّها تفقد الانسجام فجأة.
***
طالبان في الحقوق:
أحدهما، عبد اللطيف (قانون فرنسي) متأثّر بالغرب، قضى سنتين في سويسرا (على ما يبدو)، أنيق (بلوڤر أزرق، بدلة مخملية من الأسمر الفاتح باهضة الثّمن)، نبرة صوته مهذّبة، كذّاب (يدّعي أنّه في السنة الثانية، وهو غير صحيح على ما أعرف)، يحدّثني عن روتين الملل (أن يغادر هذا البلد) ويضع عليّ هذا السؤال: ما رأيك في بومبيدو؟
الآخر، نجيب، التقيته في الغد في نفس المكان، كأنّه يعوضّ بذلك الشاب الأول، طالب يدرس القانون المغربي، أنيق بصورة عفوية، لكنّ ثيابه غير متناسقة (تي ـ شيرت أبيض، سروال مخملي كستنائي فضفاض، حذاء بال بإبزيم)، له نظرة دافئة، يداه طريّتان، ناعمتان، لا يهوّل ملله، يقول إنّ غرضه أن يصير وزيرا. يطلب منّي أن أشرح له إذا ما كان الوزراء، وهم يغيّرون مناصبهم، ذوي اختصاص، أو يتمّ تكوينهم بصورة محدّدة أم لا (من دون أيّ غرض انتقادي).
***
الخزينة العامة، البنك ـ الحصن على المنوال الفرنسي، محاط دوما بحشد من الكسيحين، يتقافزون كعصافير الدوري على كومة من دبال: شخص بلا رجلين، حارس دراجات هوائية على ما يبدو، ينقضّ بعنف وعدوانية على زبون مسكين.
***
في خضمّ النّكات الماجنة إلى حدّ ما التي ينغمس فيها أفراد المجموعة، يثير أحد التلاميذ آخر موضوع مدرج في جدول أعمال هذا اليوم: «مقارنة بيداغوجيا رابليه ومثلها عند مونطيني.»
***
بحسب أصدقائه في المدرسة، فإنّ H "شبق" (تعبير يصير أكثر إزعاجا مع جفاف نبرة صوته كواحد من الأقدام السّود): يصير هذا في ذهني صفة لاسم H: شبق. مع أنّ معنى الكنية سهل التخمين للغاية: H يميل إلى الجنس.
***
«أخشى أن أقع في حبّكَ. هذا مشكل. ماذا عليّ أن أفعل؟»
«امنحيني عنوانكِ.»
***
بينما محمد الصّغير يردّد عليّ الأبيات التي انتهى من تأليفها (إلاّ أن تكون لـ Sully Prudhomme⁵)، لا أنفكّ في التّفكير في الحظّ الذي جعلني أقابله، لأنّي سأطلب منه أن يذهب ليشتري لي بعض كيلوغرامات من الطماطم من بقّال الحيّ.
***
يبدو أنّ أمل مسحور باسمه الجديد: يقول لي ذلك على الفور، مقدّما ترجمته بسذاجة («اسمي Hope »)، مسرور كلّ مرّة يظهر فيها اسمه في أغنية.
***
محمد (طبعا) ابن شرطي، يريد (لاحقا، حين ينهي دراسته الثانوية)، أن يصير مفتّش شرطة: هذا هو حلمه. بالإضافة إلى ذلك (يقول): يحبّ كرة القدم (الجناح الأيمن)، لعبة الفليبر والبنات.
***
ولو أنّ الواجهة ممتلئة بأجهزة إلكترونية من آخر صيحة، إلاّ أنّ البائعين اللذين طلبت منهما مشغّل كاسيت، لم يتوصّلا إلى بيعي واحدا. البائع الأصغر سنّا لا يعرف كيف يشغّل الجهاز الذي يريه لي: سلسلة من الأزرار يتمّ الضّغط عليها ولكن بنتائج عبثية: ينفتح الغطاء فجأة، بطاريات مقلوبة، ضجّة صعبة الاحتمال، لا موسيقى. الرجل الآخر، صاحب المحل، مشغول بما لست أدري، متجهّم، لا يبدي اهتماما بي ويقرّر في الحال أنّ الجهاز هو المعطوب. كلّ هذا قلّما يشجّع على شراء جهاز بثمانين ألف فرنك.
***
محمد ل، التقيته نحو العاشرة صباحا، كان نصف نائم: لقد استيقظ للتوّ، لأنّه البارحة عكف على تأليف أشعار للمسرحية التي يكتبها ــ «بلا شخصيات، بلا حبكة »، إلخ. ــ ونام متأخّرا كثيرا. محمد الآخر، الصّغير، قال لي بأنّه يكتب أشعارا «حتى لا يصاب بالضّجر». في هذا البلد، يسمح الشعر للمرء أن ينام في وقت متأخّر من اللّيل...(يُتبع)
1969
هوامش (من وضع المترجم):
1ـ نسبة إلى الشاعر والكاتب المسرحي الفرنسي راسين. تجدر الإشارة أنّ لبارط كتابا عنه "عن راسين" (1963).
2 ـ في 27 يناير 1969 جرى إعدام، بشكل علني، مجموعة من الأشخاص تمّ اتّهامهم بالتجسّس.
3 ـ كيف علم بارط أنّهما شقيقتاه؟
4 ـ الأقدام السود صفة للمستوطنين الفرنسيين العائدين إلى فرنسا بعد استقلال البلد الذي استوطنوه، والصفة ربّما كناية عن الأحذية السود الغليظة التي كانوا ينتعلونها.
5 ـ أوّل شاعر فرنسي حاز على جائزة نوبل (1901).
Roland Barthes, Incidents, Paris, Seuil, 1987.
في المغرب منذ زمن ليس ببعيد
"أضع نفسي في وضع من ينجز شيئا، وليس في وضع من يتكلّم عن شيء: لا أدرس منتوجا؛ وإنّما أنخرط في عملية إنتاجه؛ فأبطل الخطاب عن الخطاب؛ ولذلك لم يعد العالم يحضر عندي في شكل موضوع؛ ولكن في شكل كتابة؛ أي في شكل ممارسة؛ وهكذا أنتقل إلى نوع آخر من المعرفة (معرفة الهاوي)..."
ر. ب ((Incidents
في أحد شوارع سلا، تجري مداهمة للشرطة، يفرّ الجميع بملابسهم البالية. صبيّ في الرابعة عشرة من عمره يجلس هناك، على ركبتيه صينية فطائر بائتة. شرطي ضخم الجثّة يتوجّه إليه مباشرة، يوجّه إليه ركلة إلى بطنه، وينتزع منه الصينية دون أن يتوقّف، دون أن يلتفت، دون أن يتفوّه بكلمة (من المؤكّد أنّ الشرطة ستلتهم الفطائر). يتشنّج وجه الصبيّ ، لكنّه يتمالك دموعه؛ يظلّ حائرا برهة، ثمّ يتوارى ــ تواجد صديقين لي يضايقني ويحول بيني وبين أن أمنحه ألفي فرنك.
***
افتتاحية راسينية¹: بإرادة هادئة: «هل ترمقني؟ هل تحبّ أن تلمسني ؟».
***
شاب وسيم، أنيق الملبس، يرتدي بذلة رمادية ويحمل سوارا من ذهب، يداه رقيقتان ونظيفتان، يدخّن علبة سجائر أولمبيك حمراء، يشرب الشاي، يتكلّم بجهد كبير (أيكون موظّفا إداريا؟ من ذلك الصّنف الذي يتحقّق من الملفّات؟). يسيل خيط ضئيل من لعابه على ركبته؛ فيلفت رفيقه نظره إلى ذلك.
***
ينظّف بكلّ طاقته حوض الاستنجاء بفرشاة مرحاض صغيرة. أتوجّه إليه بملاحظة: «فقط حوض الاستنجاء !».
***
عقب حفلة موسيقية (ألمانية، بالطّبع)، شابان عربيان يتجادلان في الردهة بصورة جديّة (يدركان أنّهما مراقبان، ولذلك، ووفق العادة الأوروبية، لا يلتفتان)؛ أحدهما يرتدي سترة مخملية ويضع غليونا في فمه.
***
في مطعم في الرباط، أربعة رجال من أبناء البلد جالسين ــ بين صلصات، سلطات، لحوم وبدلات ذات أزرار ثلاثة ــ يشربون حليبا محلّى ويمضغون ببطء قطعة خبز منتزعة من قرص كبير الحجم.
***
أحمد، قرب المحطة، يحمل بلوڤرا أزرق بلون السّماء، على واجهته بقعة برتقالية رفيعة.
***
حشد، تجمهر حقيقي، في الأفق لافتات، رايات صغيرة، صفّارات الشرطة. أهو إضراب، تظاهرة سياسية؟ لا، احتفال بائس لبدء الدراسة في المدرسة الوطنية العليا للمهندسين بالمحمدية. فتاة بتنّورة قصيرة فوق عربة، أغان فرنسية، شعارات متحمّسة: «نعلم أنّ أمامنا عملا كثيرا»، «طلبة السنة الأولى اليوم، هم مهندسو الغد».
***
فريد، قابلته في مقهى يوم وليلة، يلعن متسوّلا يطلب منّي أوّلا سيجارة، ثمّ بعد أن يحصل عليها، يطلب منّي نقودا «حتى يمكنني أن آكل». هذا المخطّط المتدرّج للاستغلال.
(ولو أنّ الأمر جدّ سخيف)، لكن يبدو أنّه يثير سخط فريد: «هكذا يقدّم شكره لك أن أعطيته شيئا !». ثمّ دقيقة بعد ذلك، لحظة أغادره، أمنحه علبة سجائري كلّها، يضعها في جيبه دون كلمة شكر، أسمعه يطلب منّي خمسة آلاف فرنك «حتى يمكنني تناول الطّعام». أنفجر ضاحكا، يتذرّع بالاختلاف (الجميع هنا يؤكّد أنّه مختلف لأنّه يتصوّر نفسه ليس كفرد وإنّما كخصاصة وحاجة).
***
عبد اللطيف، فتى شبق، يؤيّد بشكل قاطع أحكام الإعدام التي جرت في بغداد². جرم المتّهم بيّن، مادامت المحاكمة تمّت بسرعة: القضية كانت واضحة. تناقض بين همجيّة هذا العبث، ونعومة جسده، ويديه المتاحتين اللتين أستمر، ذاهلا بعض الشيء، في الإمساك بهما ومداعبتهما بينما هو يستمرّ في إفراغ عقائده الانتقامية.
***
زيارة صبيّ مجهول، بعثه صديقه: «ماذا تريد؟ لماذا أنت هنا؟» ــ «إنّها العادة !» (صبيّ آخر في مناسبة أخرى: «إنّه الوداد !»
***
حدائق شالة: شاب جسيم، بشعر ناعم، ملابسه كلّها بيضاء، حذاء الكاحل تحت بنطلون من الجينز الأبيض، ترافقه شقيقتاه المحجّبتان³، يثبّت عليّ بصره بقسوة ويبصق: عدم قبول أم حركة عرضية؟
***
أجد صعوبة في إحضار "تذكار" من باريس لهذا الصبيّ الذي طلبه منّي: ما هو هذا الشيء الزّهيد المبهج الذي يمكن منحه لشخص معوز تماما؟ ولاّعة؟ ــ لإشعال بعض السجائر؟ فضّلت تذكارا رمزيا، بمعنى عديم النّفع بشكل غير معقول: برج إيڤيل مصنوع من نحاس أصفر.
***
فرنسي، من بقايا عهد الحماية (يعمل في بيع خردوات معدنية)، يعاني من حبسة (أثر عقب بندقية على وجهه، جعله يتلعثم بصورة موجعة)، ولكنّه أيضا يتمايل فاقدا للتوازن، يسحب ببطء فتيلتين من مصباحي الغازي، بغتة يجد صوتا قويّا وواضحا كي يصرخ على كلبته مرّتين متتاليتين (لم تفعل شيئا سوى أنّها تواجدت هناك): أيّتها الكلبة اللّعينة !
***
دريس أ، لا يعلم أنّ السائل المنوي يسمّى منيّا، هو يدعوه القذارة: «احترس، القذارة قادمة الآن»: لاشيء مروّع أكثر من ذلك.
ولد آخر، من سلا (محمد الجمناستيك) يقول بجفاء وبصورة محدّدة: القذف. «انتبهْ، سأقذف.»
***
عند نزولي، وبينما أخرج مفاتيحي، أعطي مصطفى (الآسر، الباسم، المضطرم، المخلص) صندلي لينتعلها («أمسكْ، أمسكْ هذه»). فيما بعد، أتبيّن أنّه أبقى عليها (إلغاء القرض والإعارة).
***
إلى بنك، يدخل متسوّل أعمى متخبّطا، عصاه تتلمّس الأبواب، المكاتب، شبابيك الصرافة. يمنحه أحد الزّبناء قطعة نقدية. يبادر أحدّ الصرّافين: «لا تعد لفعل ذلك، ستجعلهم يتّخذونها عادة.»
***
ماسح أحذية كادح في مقهى يوم وليلة: عيون برّاقة وابتسامة خلاّبة، يُدعى دْريوش. عند انصرافه، وإن ابتعد، يبعث إليّ بإشارة وديّة.
***
الحسين، في البيت. جالس قبالتي، منعدم الحركة، وديع طوال الصبيحة. لم تكن يداه أبدا مستريحتين كما عليهما الحال الآن: فقط رسّام يمكنه أن يظهر ذلك للعيان. أكون في حضوره مفرط النّشاط: أقوم باستمرار بعمل ما، وباستمرار أغيّر ما أقوم به: أكتب، أقرأ، أبرئ قلم رصاص، أضع أسطوانة موسيقى أخرى، إلخ.
***
مُولايْ، حارس العمارة يشير لي بإشارة ملزمة أنّ زوجته الشابة عايشة، ولحماية الشقة من "اللّصوص" أثناء غيابي، ستنام على الأرض هنا عند مدخل الباب ، على بساط قرب المقعد (قطعة صغيرة من البساط بحجم تلك التي تكون على بلاط الحمام).
***
شاب من الأقدام السّود⁴، بورجوازي صغير أعيد تشكيله، يحمل بلوڤرا ملفوفا فوق كتفيه، الأكمام معقودة إلى الأمام؛ يتعمّد إسقاط مفاتيح سيّارته على طاولة المقهى؛ نبرة صوته قاسية وسريعة، وكأنّها تفقد الانسجام فجأة.
***
طالبان في الحقوق:
أحدهما، عبد اللطيف (قانون فرنسي) متأثّر بالغرب، قضى سنتين في سويسرا (على ما يبدو)، أنيق (بلوڤر أزرق، بدلة مخملية من الأسمر الفاتح باهضة الثّمن)، نبرة صوته مهذّبة، كذّاب (يدّعي أنّه في السنة الثانية، وهو غير صحيح على ما أعرف)، يحدّثني عن روتين الملل (أن يغادر هذا البلد) ويضع عليّ هذا السؤال: ما رأيك في بومبيدو؟
الآخر، نجيب، التقيته في الغد في نفس المكان، كأنّه يعوضّ بذلك الشاب الأول، طالب يدرس القانون المغربي، أنيق بصورة عفوية، لكنّ ثيابه غير متناسقة (تي ـ شيرت أبيض، سروال مخملي كستنائي فضفاض، حذاء بال بإبزيم)، له نظرة دافئة، يداه طريّتان، ناعمتان، لا يهوّل ملله، يقول إنّ غرضه أن يصير وزيرا. يطلب منّي أن أشرح له إذا ما كان الوزراء، وهم يغيّرون مناصبهم، ذوي اختصاص، أو يتمّ تكوينهم بصورة محدّدة أم لا (من دون أيّ غرض انتقادي).
***
الخزينة العامة، البنك ـ الحصن على المنوال الفرنسي، محاط دوما بحشد من الكسيحين، يتقافزون كعصافير الدوري على كومة من دبال: شخص بلا رجلين، حارس دراجات هوائية على ما يبدو، ينقضّ بعنف وعدوانية على زبون مسكين.
***
في خضمّ النّكات الماجنة إلى حدّ ما التي ينغمس فيها أفراد المجموعة، يثير أحد التلاميذ آخر موضوع مدرج في جدول أعمال هذا اليوم: «مقارنة بيداغوجيا رابليه ومثلها عند مونطيني.»
***
بحسب أصدقائه في المدرسة، فإنّ H "شبق" (تعبير يصير أكثر إزعاجا مع جفاف نبرة صوته كواحد من الأقدام السّود): يصير هذا في ذهني صفة لاسم H: شبق. مع أنّ معنى الكنية سهل التخمين للغاية: H يميل إلى الجنس.
***
«أخشى أن أقع في حبّكَ. هذا مشكل. ماذا عليّ أن أفعل؟»
«امنحيني عنوانكِ.»
***
بينما محمد الصّغير يردّد عليّ الأبيات التي انتهى من تأليفها (إلاّ أن تكون لـ Sully Prudhomme⁵)، لا أنفكّ في التّفكير في الحظّ الذي جعلني أقابله، لأنّي سأطلب منه أن يذهب ليشتري لي بعض كيلوغرامات من الطماطم من بقّال الحيّ.
***
يبدو أنّ أمل مسحور باسمه الجديد: يقول لي ذلك على الفور، مقدّما ترجمته بسذاجة («اسمي Hope »)، مسرور كلّ مرّة يظهر فيها اسمه في أغنية.
***
محمد (طبعا) ابن شرطي، يريد (لاحقا، حين ينهي دراسته الثانوية)، أن يصير مفتّش شرطة: هذا هو حلمه. بالإضافة إلى ذلك (يقول): يحبّ كرة القدم (الجناح الأيمن)، لعبة الفليبر والبنات.
***
ولو أنّ الواجهة ممتلئة بأجهزة إلكترونية من آخر صيحة، إلاّ أنّ البائعين اللذين طلبت منهما مشغّل كاسيت، لم يتوصّلا إلى بيعي واحدا. البائع الأصغر سنّا لا يعرف كيف يشغّل الجهاز الذي يريه لي: سلسلة من الأزرار يتمّ الضّغط عليها ولكن بنتائج عبثية: ينفتح الغطاء فجأة، بطاريات مقلوبة، ضجّة صعبة الاحتمال، لا موسيقى. الرجل الآخر، صاحب المحل، مشغول بما لست أدري، متجهّم، لا يبدي اهتماما بي ويقرّر في الحال أنّ الجهاز هو المعطوب. كلّ هذا قلّما يشجّع على شراء جهاز بثمانين ألف فرنك.
***
محمد ل، التقيته نحو العاشرة صباحا، كان نصف نائم: لقد استيقظ للتوّ، لأنّه البارحة عكف على تأليف أشعار للمسرحية التي يكتبها ــ «بلا شخصيات، بلا حبكة »، إلخ. ــ ونام متأخّرا كثيرا. محمد الآخر، الصّغير، قال لي بأنّه يكتب أشعارا «حتى لا يصاب بالضّجر». في هذا البلد، يسمح الشعر للمرء أن ينام في وقت متأخّر من اللّيل...(يُتبع)
1969
هوامش (من وضع المترجم):
1ـ نسبة إلى الشاعر والكاتب المسرحي الفرنسي راسين. تجدر الإشارة أنّ لبارط كتابا عنه "عن راسين" (1963).
2 ـ في 27 يناير 1969 جرى إعدام، بشكل علني، مجموعة من الأشخاص تمّ اتّهامهم بالتجسّس.
3 ـ كيف علم بارط أنّهما شقيقتاه؟
4 ـ الأقدام السود صفة للمستوطنين الفرنسيين العائدين إلى فرنسا بعد استقلال البلد الذي استوطنوه، والصفة ربّما كناية عن الأحذية السود الغليظة التي كانوا ينتعلونها.
5 ـ أوّل شاعر فرنسي حاز على جائزة نوبل (1901).
Roland Barthes, Incidents, Paris, Seuil, 1987.