سار آدم في دهاليز عمره كمن يحفر نفقًا في جليدٍ شفّاف؛ يرى الحياة من وراء الزجاج، لكنّ حرارة الوجود لا تلامس جلده. كان الزفير يخرج من صدره عقيمًا، بلا بخارٍ يؤنس وحشته.
لم تكن زوجته شريرةً قطّ. ثقب هذا اليقين صدره كلّما همس لنفسه باللوم. لكنّ حياة - الاسم الذي حمّله أبوها طموحات لحياةٍ لم تستقم - تحوّلت مع السنين إلى حارسةٍ أمينة على باب بيتٍ فقد مفتاح دفئه. أعياها طبعها الجافّ، كما أعياه صبره؛ إذ لم يسأل يومًا: متى جفّت ينابيع الودّ بينهما؟
في المطبخ، كانت تقف أحيانًا كتمثالٍ من ملح، تحدّق في الفراغ حيث يشحب طيف أحلامها. على الطاولة، تتراكم دفاتر الطفلين كأنها متاريس تفصل بين ماضٍ ضائع وحاضرٍ مُجهد. وحين يعود آدم من عمله، لا تستقبله بعتابٍ ولا بشوق، بل بقائمةٍ مقتضبة كُتبت على هامش يومٍ منهك:
– الخضروات والفاكهة لم تأتِ.
– مصروف المدرسة تأخر.
– مريم حرارتها ارتفعت.
تقرأ اللائحة دون أن ترفع عينيها؛ لا قسوةً، بل استنفادًا لما تبقّى من طاقة الشعور.
لم يجد آدم في مرآته ملامح الزوج؛ بل رأى كائنًا آليًا في ردهات مصرفٍ استنزفته طوابير المطالب، مصرفًا أعلن إفلاسه العاطفي، ولم يعد قادرًا على الصرف إلا بمشاعر من دون رصيد. حتى الانتقادات توقّفت، لأنّ الماكينة المجهدة توقفت عن الاستجابة.
الأصوات المرتفعة في الغرفة المجاورة، كانت تأتيه كصدى بعيد. يوسف، ذو الثماني سنوات، يختبئ كعادته خلف بابٍ موارب، يراقب أباه الذي يعود كلّ مساءٍ أصغر ممّا خرج. مريم الصغيرة كانت تبحث في عيني أمها عن ابتسامةٍ لا تجدها.
في الليل، حين يقترب آدم من زوجته، لا ترفضه، لكنها تغمض عينيها كأنها تنسحب إلى داخلها، وتتركه يلهو ويلعب في جسدٍ غائب. بعد ذلك، تستدير إلى الحائط، كأنها أغلقت آخر نافذةٍ تسلّل منها الهواء. في تلك اللحظات، كان يشعر أنه يعود طفلًا يقف أمام امتحانٍ صعب، لا رجلًا بين ذراعي امرأته.
وذات مساءٍ شتوي، بينما كان المطر يغسل زجاج سيارته بلا توقف، توقّف عند إشارة مرور. هناك، خلف شبّاكٍ متواضع، رأى جنة.
لم تكن جميلةً على نحوٍ لافت، لكنّ نورًا داخليًا كان يخرج من عينيها الواسعتين. كانت تبيع الخضراوات في دكّانٍ صغير، تعدّ النقود ببطءٍ واهتمام، كأن كلّ قطعةٍ تحمل حكاية. حين رفعت رأسها، التقت عيناها بعينيه وابتسمت، لا لأنه رجل، بل لأنه نظر في عمق قلبها.
قالت بصوتٍ هادئ:
- تحبّ الوقوف مستقيمًا، كأنك تخشى أن يراك العالم منحنياً.
غاصت بكلماتها في بحره الساكن؛ فحركته.
في اليوم التالي، عاد. لم تسأله عن اسمه. سألته:
- كم تحمل على قلبك؟
أخبرها نصف الحقيقة. عن العمل، عن التعب، عن فراغٍ لا اسم له. هزّت رأسها وقالت:
- يخف التعب حين نبوح.
حكت له عن وحدتها، عن تاجرٍ وعدها بالجنّة ثم ذاب في ضباب المدينة، عن خوفها من أن تشيخ وهي تبيع أحلام الآخرين في شكل طماطم وخيار. لم تكن خلاصًا، بل جرحًا يشبه جرحه؛ وهذا ما أخافه أكثر من أي إغراء.
في البيت، وجد حياة جالسةً قرب سرير مريم، تضع كمّادة على جبين الطفلة. لم تنتبه لدخوله. وحين رفع البطانية قليلًا، فتحت الصغيرة عينيها وقالت بصوتٍ خافت:
- بابا، انتظرتك كثيرًا؛ الآن يزول تعبي.
توقّف الزمن في الغرفة.
لم يجد ردًّا.
في تلك الليلة، جلسا متقابلين طويلًا. لم يكن صراخ. ولا عتابٌ مرتفع. قالت حياة، كمن يقرأ حقيقةً أخيرًا:
- تعبتُ أكثر منك.
وأخرجت هاتفها، وفتحت مسودةً قديمة. قرأ ما كتبته عن معاناتها في حبه: لم نكن فقراء حين كنّا نضحك. الفقر الحقيقي هو هذا الفراغ بين وسادتين على سريرٍ واحد.
لم يقل شيئًا.
لم يقل كلَّ شيء.
في الأيام التالية، صار يسير على حبلٍ مشدود بين عالمين. جنة لا تطلب، لكنها لا تعد. حياة لا تلوم، لكنها لا تنتظر. وكان الطفلان يراقبان بصمتٍ ثقيل، كأنهما يعرفان أن شيئًا هشًّا يتكوّن أو ينهار.
وفي مساءٍ متأخر، جلس في غرفته. سمع ضحكاتٍ تأتيه من غرفة الأطفال، ضحكاتٍ لم يسمع مثلها منذ زمن. نظر إلى سريريهما، ثم إلى هاتفه. رسالة من جنة: "لا تأتِ لحظة ثم تغيب بالأيام؛ فأنا وحدي مَلاذك. صُن عائلتك، لكن لا تضيعني وتضيع سعادتك بيدك".
أطفأ الشاشة.
في الصباح، خرج آدم من غرفته ببطء.
كان البيت مستيقظًا قبله.
على الطاولة الخشبية الصغيرة، وُضع فنجان قهوة واحد. لا أكثر.
توقّف عنده لحظة، كأنه يحاول أن يتذكّر لمن كان يُعدّ الفنجان الثاني.
في المطبخ، كانت حياة تقف عند النافذة. لم تلتفت.
قالت دون أن تنظر:
- نامت مريم متأخرة… حرارتها أقلّ؛ هدأت عندما أحست بوجودك إلى جانبها في السرير وغطّت في نوم عميق.
أومأ، ولم يجب.
جلس، وترك الفنجان يبرد.
في الغرفة المجاورة، كان يوسف يربط حذاءه وحده. توقّف حين رآه، ثم أكمل الربط ببطءٍ متعمّد.
لم يكن في البيت خصام، ولا صلح، بل شيء ثالث أكثر هشاشة.
مدّ آدم يده إلى الطاولة. لم يمسك شيئًا. وحين نهض، ترك الفنجان نصف ممتلئ؛ لم يعرف إن كان سيشربه لاحقًا، ولا إن كان الفنجان الثاني سيُوضَع غدًا.
فتح الباب، ثم توقّف. استدار، ونظر إلى محتويات الشقة نظرةً طويلة، كأنها وعدٌ لا يعرف كيف، ولا متى، يمكن أن يفي به.
وأغلق الباب دون أن يعرف إن كان يغادر، أم يبدأ العودة.
Écrire à أحمد عبدالله إسماعيل
لم تكن زوجته شريرةً قطّ. ثقب هذا اليقين صدره كلّما همس لنفسه باللوم. لكنّ حياة - الاسم الذي حمّله أبوها طموحات لحياةٍ لم تستقم - تحوّلت مع السنين إلى حارسةٍ أمينة على باب بيتٍ فقد مفتاح دفئه. أعياها طبعها الجافّ، كما أعياه صبره؛ إذ لم يسأل يومًا: متى جفّت ينابيع الودّ بينهما؟
في المطبخ، كانت تقف أحيانًا كتمثالٍ من ملح، تحدّق في الفراغ حيث يشحب طيف أحلامها. على الطاولة، تتراكم دفاتر الطفلين كأنها متاريس تفصل بين ماضٍ ضائع وحاضرٍ مُجهد. وحين يعود آدم من عمله، لا تستقبله بعتابٍ ولا بشوق، بل بقائمةٍ مقتضبة كُتبت على هامش يومٍ منهك:
– الخضروات والفاكهة لم تأتِ.
– مصروف المدرسة تأخر.
– مريم حرارتها ارتفعت.
تقرأ اللائحة دون أن ترفع عينيها؛ لا قسوةً، بل استنفادًا لما تبقّى من طاقة الشعور.
لم يجد آدم في مرآته ملامح الزوج؛ بل رأى كائنًا آليًا في ردهات مصرفٍ استنزفته طوابير المطالب، مصرفًا أعلن إفلاسه العاطفي، ولم يعد قادرًا على الصرف إلا بمشاعر من دون رصيد. حتى الانتقادات توقّفت، لأنّ الماكينة المجهدة توقفت عن الاستجابة.
الأصوات المرتفعة في الغرفة المجاورة، كانت تأتيه كصدى بعيد. يوسف، ذو الثماني سنوات، يختبئ كعادته خلف بابٍ موارب، يراقب أباه الذي يعود كلّ مساءٍ أصغر ممّا خرج. مريم الصغيرة كانت تبحث في عيني أمها عن ابتسامةٍ لا تجدها.
في الليل، حين يقترب آدم من زوجته، لا ترفضه، لكنها تغمض عينيها كأنها تنسحب إلى داخلها، وتتركه يلهو ويلعب في جسدٍ غائب. بعد ذلك، تستدير إلى الحائط، كأنها أغلقت آخر نافذةٍ تسلّل منها الهواء. في تلك اللحظات، كان يشعر أنه يعود طفلًا يقف أمام امتحانٍ صعب، لا رجلًا بين ذراعي امرأته.
وذات مساءٍ شتوي، بينما كان المطر يغسل زجاج سيارته بلا توقف، توقّف عند إشارة مرور. هناك، خلف شبّاكٍ متواضع، رأى جنة.
لم تكن جميلةً على نحوٍ لافت، لكنّ نورًا داخليًا كان يخرج من عينيها الواسعتين. كانت تبيع الخضراوات في دكّانٍ صغير، تعدّ النقود ببطءٍ واهتمام، كأن كلّ قطعةٍ تحمل حكاية. حين رفعت رأسها، التقت عيناها بعينيه وابتسمت، لا لأنه رجل، بل لأنه نظر في عمق قلبها.
قالت بصوتٍ هادئ:
- تحبّ الوقوف مستقيمًا، كأنك تخشى أن يراك العالم منحنياً.
غاصت بكلماتها في بحره الساكن؛ فحركته.
في اليوم التالي، عاد. لم تسأله عن اسمه. سألته:
- كم تحمل على قلبك؟
أخبرها نصف الحقيقة. عن العمل، عن التعب، عن فراغٍ لا اسم له. هزّت رأسها وقالت:
- يخف التعب حين نبوح.
حكت له عن وحدتها، عن تاجرٍ وعدها بالجنّة ثم ذاب في ضباب المدينة، عن خوفها من أن تشيخ وهي تبيع أحلام الآخرين في شكل طماطم وخيار. لم تكن خلاصًا، بل جرحًا يشبه جرحه؛ وهذا ما أخافه أكثر من أي إغراء.
في البيت، وجد حياة جالسةً قرب سرير مريم، تضع كمّادة على جبين الطفلة. لم تنتبه لدخوله. وحين رفع البطانية قليلًا، فتحت الصغيرة عينيها وقالت بصوتٍ خافت:
- بابا، انتظرتك كثيرًا؛ الآن يزول تعبي.
توقّف الزمن في الغرفة.
لم يجد ردًّا.
في تلك الليلة، جلسا متقابلين طويلًا. لم يكن صراخ. ولا عتابٌ مرتفع. قالت حياة، كمن يقرأ حقيقةً أخيرًا:
- تعبتُ أكثر منك.
وأخرجت هاتفها، وفتحت مسودةً قديمة. قرأ ما كتبته عن معاناتها في حبه: لم نكن فقراء حين كنّا نضحك. الفقر الحقيقي هو هذا الفراغ بين وسادتين على سريرٍ واحد.
لم يقل شيئًا.
لم يقل كلَّ شيء.
في الأيام التالية، صار يسير على حبلٍ مشدود بين عالمين. جنة لا تطلب، لكنها لا تعد. حياة لا تلوم، لكنها لا تنتظر. وكان الطفلان يراقبان بصمتٍ ثقيل، كأنهما يعرفان أن شيئًا هشًّا يتكوّن أو ينهار.
وفي مساءٍ متأخر، جلس في غرفته. سمع ضحكاتٍ تأتيه من غرفة الأطفال، ضحكاتٍ لم يسمع مثلها منذ زمن. نظر إلى سريريهما، ثم إلى هاتفه. رسالة من جنة: "لا تأتِ لحظة ثم تغيب بالأيام؛ فأنا وحدي مَلاذك. صُن عائلتك، لكن لا تضيعني وتضيع سعادتك بيدك".
أطفأ الشاشة.
في الصباح، خرج آدم من غرفته ببطء.
كان البيت مستيقظًا قبله.
على الطاولة الخشبية الصغيرة، وُضع فنجان قهوة واحد. لا أكثر.
توقّف عنده لحظة، كأنه يحاول أن يتذكّر لمن كان يُعدّ الفنجان الثاني.
في المطبخ، كانت حياة تقف عند النافذة. لم تلتفت.
قالت دون أن تنظر:
- نامت مريم متأخرة… حرارتها أقلّ؛ هدأت عندما أحست بوجودك إلى جانبها في السرير وغطّت في نوم عميق.
أومأ، ولم يجب.
جلس، وترك الفنجان يبرد.
في الغرفة المجاورة، كان يوسف يربط حذاءه وحده. توقّف حين رآه، ثم أكمل الربط ببطءٍ متعمّد.
لم يكن في البيت خصام، ولا صلح، بل شيء ثالث أكثر هشاشة.
مدّ آدم يده إلى الطاولة. لم يمسك شيئًا. وحين نهض، ترك الفنجان نصف ممتلئ؛ لم يعرف إن كان سيشربه لاحقًا، ولا إن كان الفنجان الثاني سيُوضَع غدًا.
فتح الباب، ثم توقّف. استدار، ونظر إلى محتويات الشقة نظرةً طويلة، كأنها وعدٌ لا يعرف كيف، ولا متى، يمكن أن يفي به.
وأغلق الباب دون أن يعرف إن كان يغادر، أم يبدأ العودة.
Écrire à أحمد عبدالله إسماعيل