عبدالقادر حكيم - خلف جدار آيل إلى السقوط...

وهو يصعد درجات السلم الحجريّ، بوهنٍ شديد، في الدار القديمة التي آوى إليها، مطارَداً، ووحيداً، وتائهاً، أخذ يفكّر في السهولة التي تمّ بها هروبه؛ هل من الممكن له أن يسمّي ما حدث معجزة؟.. أن يحرّك يديه المقيدتين إلى كاحليه في وضعية طائرة تقلع، يحركهما يميناً ويساراً، يرفعهما، يباعد بين قدميه، فينفكّ الحبل عن يديه.. تتحرر يداه، وينحلّ الحبل الآخر عن كاحليه كما تنحل الأنشوطة!.. ثم يزحف على بطنه الضامرة، ليس كما يفعل قطّ يتربّص بطائرٍ ينقر الأرض، بحثاً عن ذرةٍ، تنتظر الغيث كي تحافظ على نسلها، بل كما يفعل جنديّ جريح، في معركة خاسرة، يلوح أمامه ضوء من أملٍ شحيح كيراعة!.

وإذ يواصل صعوده، يغمره ضوء ذاك النهار، المنساب عبر شبك النوافذ الكبيرة، توصّل إلى ما يشبه اليقين بأنهم، أولئك القادة الأجلاف، في تلك الثكنة، التي كان مجنّداً ضمن وحدتها العسكرية، أرادوا له الهروب!.. إذ لا يُعقل أن يتهاونوا في تقييده على النحو الذي كان!.. ليس ذلك فحسب! بل أن يتركوا الباب موارباً، ودون حراسة تُذكر!!. بلغ الدرجة الأخيرة في السلم الذي كان يفضي إلى بابٍ خشبي مدهون بلونٍ أزرق، إرتاح للون الذي ذكّره برحلاته الطلابية إلى سيدي بوسعيد، (1) لكنه لم يرتح للقفل الجديد على الباب!.. بيد أنه لدى معاينته للمساحة المغبرة بين الباب وحيث يقف أعلى الدرج، لم يرَ آثار أقدام، الأمر الذي جعله يتجرأ بدخول الغرفة عبر النافذة.

" لكن لماذا أرادوهُ أن يهرب؟"

يسأل نفسه. بالرغم من انضباطه العسكري، ألا أنهم كانوا لا يرون إلاّ ذاك الجزء حين تتم الاستعانة به للترجمة، من قبل مكتب المحافظة؛ وإذ يرتدي في ذلك اليوم ملابسه الأنيقة، ويلمّع حذاءه الجلدي الفاخر بخرقة مبللة بالماء، يحدّقون به، بحدّة، وتحتقن وجوههم، وتضطرب شفاههم، إذ يرونه يمضي بخطوات واثقة، متقمصاً شخصية أخرى غير تلك التي يرقص فيها على أغاني ود تخول(2)، حاملاً المذياع الصيني على كتفه بيد، وبيده الأخرى كوباً مليئاً بنبيذ " دُمّو دُمّو"(3).. ثم يصل التوتر مداه، إذ يرونه يصعد إلى السيارة الأممية، البيضاء، فتتلوّى على جباههم ديدان من غضبٍ مضمر. برفقٍ حاول أن يدفع زجاج النافذة من منتصفه؛ انزاح قليلاً في أسفله الجزء الأيسر، فأدخل يده، وبمحاذاة الحافة، صعوداً، أدرك المزلاج، سحبه، فانفتحت النافذة على بهاء لا يحد!.. هاله ما رأى! فصرخ دون أن يشعر:

" Incroyable!" -

كانت الغرفة واسعة؛ وكان الضوء يغمرها من جهاتها الأربع، الستائر البيضاء الشفافة تنسدل على النوافذ، الجهة المطلّة على المشربية كان ضوؤها مرقّطاً بظلال الشبك، على السجاد الفاخر على الأرضية، الذي كان لونه يماثل لون السقف الأزرق الغامق، الذي ينتهي عند إفريز تركوازي اللون، وكانت تتدلّى منه ثريا فضية، متوسطة الحجم، تحتها منضدة من الماهوجني، والأرائك التي بمحاذاة الجدران بالأبيض العاجي، الذي تتخلله خيوط حمراء رفيعة. كان مذهولاً حد أنه نسي للحظات استثنائية، نادرة الحدوث في حياته، لماذا هو هناك؟.. وبالرغم من أنه عاد إلى واقعه المزري، فإنه لم يستطع انتزاع نفسه من حالة الذهول التي اعترته؛ كانت الغرفة بالنسبة له بمثابة حلم لا يريد أن يفيق منه أبداً!.. ودخل في الحلم؛ بين نافذتين إثنتين على الجدار قبالة المشربية، كانت هناك مكتبة من البلوط الأبيض، مكدّسة بالكتب، مرتبة بعناية؛ الجزء السفلي منها كان عبارة عن أدراج أربع.. سيبحث فيها!، حتى إذا اهتدى إلى عنوان صاحب المنزل، سيكتب له بأن يعيّنه مشرفاً على المنزل، مقابل السماح له بالإقامة فيه، وراتب زهيد يكفيه للتفرّغ للترجمة والكتابة!. تحرّك صوب الأدراج.. وإذ يمدّ يده لفتحها، تراجع؛ لأنّ صوتاً عميقاً انبثق في داخله، كالشرر:

" ألا يكفيك أنك اقتحمت البيت عنوةً، من فجوة تحت الباب الخارجي، ثم عبر النافذة؟.. ما الفرق حقيقةً بينك وبين هوام الأرض واللصوص في فعلتك هذه؟!"

وإذ ذاك دار على عقبيه، أخذ يطالع السقف، وصورة معلقة على الجدار قبالته، لنبات الخُزامى، ثم همّ بالجلوس على الأريكة، عاد إليه الصوت بنبرة أقوى:

" لا تفعل!.. كل هواء تتنفسه الآن، هو سليل هواء كانوا يتنفسونه هنا، ما يزالون يحسون، هناك، في أيديهم، لمسات أُكر الأبواب، ويستنشقون رائحة البخور العدني في الزوايا، والطلاء الجديد في الجدران عند قدوم العيد، ويستمعون إلى حكايات الجدة التي تختلط فيها القصة الواحدة بقصص أخرى.. ما يزالون أيها الأحمق، في مكان ما، في منفاهم، يخاطبون بيتهم هذا صباح مساء، إذ يتآكلهم الحنين إليه: أنتَ قريبٌ منّا للغاية، تعانقنا ونعانقك" (4)

" حوت حوت!"

يصيح بائع السمك الجوّال، في الخارج. ينفصل هو عن تهويماته، راكلاً حلمه الذي غادرته الأجنحة. تقرقر بطنه الخاوية، إذ لم يذق طعاماً منذ مساء أمس، قُبيل الغروب بهنيهات قليلة، أعقب ذلك الإشتباك العنيف مع مسؤول وحدته العسكرية..

" أنتَ سوف تتعفّن هنا!"

ثمّ مشيراً نحوه بسبابته الناحلة، التي لا تتناسب وكرشه المترهّل، يواصل:

" سوف لن أسمح لك بإجازة!.. تلك الورقة سوف لن تنالها!"

يخطو نحو المشربية، ومن خلال الفتحات الصغيرة على الشبك الخشبي، يرى ظلال المبنى المقابل، والجزء العلوي من مئذنة جامع حنفي، وغربان تهوّم حولها. الطريق خالية تماماً من المارة، يتجه صوب النافذة التي دخل منها، يخرج، ويعيد غلق النافذة، ثم يحتويه الطريق الرملي الذي زحفت عليه الرطوبة، حوله البيوت العتيقة التي بدت له كما لو أنها تنوح!. يمضي في طريقه إلى مطعم خاله، حسب الخطة التي وضعها، ليلة البارحة، لحظة هروبه زاحفاً من ذلك المكان السجن، والتي، أي خطته، كانت تقتضي أن يذهب خاله إلى "مَتْكَلْ أبيت" (5)، قريتهم، فيقصد منزل جارهم وزميله في الثكنة، يستعير منه تصريح الإجازة، لكي يتمكن هو، بصحبة أمه، التي ستأتي مع خاله، من الوصول إلى أقرب مكان في الحدود السودانية، يتسلل هو خارج الحدود، وتعود أمه بالتصريح إلى زميله في القرية!.

حين وصل إلى المطعم، لم يكن خاله هناك. دخل. دخلته رائحة الشواء، متخالطة مع روائح أخرى قوية، ميّز منها رائحة خبز التنّور، التي كانت تتسرب من الفناء الخلفي للمطعم، تحملها الرياح الشتوية، وتنشرها في أرجاء المكان. سال لعابه؛ شعر بدوخة خفيفة، وغثيان.. لكنه قاوم. حين جاءه النادل، في ركنه الذي اختاره، بحيث يمكنه رصد الحركة داخل المطعم، كان فقد أي رغبة في الأكل، لكنه رغم ذلك طلب شوربة سمك. في الدقائق القليلة التي تلت ذلك، أخذ يمسح المكان بعينيه، كان هناك شخصان طاعنان في السن، يتجاذبان أطراف الحديث.. حين قدُم شخصٌ له نظرة كلب مسعور، انقطع حديثهما فجأة. حدجه بنظرة ارتياب، ثم خرج. عاد ثانية يحمل صحيفة. جلس في الركن المقابل له. جاءه النادل بطلبه، في ذات اللحظة التي دخل فيها شخصان يتأبط كل منهما صحيفته!، جلسا متباعدين، قبالته، وعلى الفور شرعا في فرد الصحف أمام وجهيهما؛ ثلاثتهم، كانوا يتظاهرون بالقراءة، بينما يختلسون النظر إليه. فكّر: "ما داموا سيقبضون عليه، فليكن ذلك بعد تناوله الشاي!". جاء طفلان هزيلان حافيان، وتوجّها مباشرة إلى المحاسب، عرضا عليه ما تبقى من بضاعتهما، بضع حبات من الطماطم، ومثلها من البيض.. دون مساومة، نقدهم الثمن الذي حدداه. اشتريا من الريع خبزة واحدة، وتقاسماها.. قام الكبير بقطعها إلى قسمين غير متساويين، ناول الجزء الأكبر منها إلى شقيقه الأصغر، ثم وهو يرفع نصيبه إلى فمه، تردد:

" سأُبقيه لأمّي.. سأنتظر، لست جائعاً الآن!"

قال. أما الطفل الأصغر فكان ازدرد نصف نصيبه حينها. سمع ذلك الرجلان اللذان كانا توقفا عن الحديث، وأخذا يرتشفان في صمت مشروب الزنجبيل، ريثما يُرفع الأذان، لصلاة العصر..

" كُل يا ولدي، وخذ عشر رغيفات معك!"

قال أحد الرجلين، بصوتٍ تخللته عبرة، كما لو كان بصدد البكاء، ثم أشار إلى المحاسب، بكف مفتوحة، وأخرى فوقها، تحاكي فعل الكتابة، أن سجّلها على حسابي. قال الثاني باللغة العفرية، التي لا يتحدثها الكلب وجرويه، المختبئين خلف صحائف تهرّأت من كثرة استخدامها:

" هل من أخبار عن والدهما؟"

" الشخص الوحيد الذي كان من الممكن أن يأتي بأخبار، خرج من هناك بذاكرة معطوبة!"

دخل عم شنيتي، جارهم في (متكل أبيت)، وصاحب المطعم الذي يلي مطعم خاله، وتوجه مباشرةً نحو المطبخ، تحدث إلى الطباخ، ثم أمر أحد العمال بجلب الثلج.. كان واضحاً أنه يدير المكان الآن!!.. ثمّ لمحه!.. جالساً في ركنه ينتظر الشاي؛ فاستحال وجهه الثمانيني إلى مقبرة غادرها المشيّعون للتو!. وإذ النادل يضع كأس الشاي على الطاولة أمامه، قال له بقلق:

" عمّي يطلب منك أن تتبعه إلى المغسلة بعد قليل".

تحرّك صوب المغسلة، التي كان عم شنيتي سبقه إليها بزمنٍ وجيز، حاملاً - للتمويه- أدوات التنظيف:

" إبني.. الأمر كله منوطٌ بكَ و.. وبتقديرك للأمور.. و.."

" عمّي شنيتي ما الذي حدث؟ وأين خالي؟!!!"

نزع نظارته، ذات العدسات السميكة. متحاشياً النظر إليه، مسح وجهه بمنديلٍ ورقي.. زفر، صار وجهه أكثر شحوباً..

" ذهب خالك إلى قسم الشرطة في "طوالوت" (6).. لأنهم.. لأنهم.. لقد.."

انحدرت دمعتان على خديه، واستقرتا على لغده، متخالطتين مع قطرات عرق تشكلت سريعاً، كما لو كانت تنتظر دورها تحت الجلد. استند إلى حوض الغسيل، ثم تجاسر، وهو ينظر إليه، وبصوتٍ خافت قال:

" لقد اعتقلوا أمّك!".

________________________________

كالگاري - 10 ديسمبر 2025



هوامش:

1/ سيدي بوسعيد: مدينة سياحية في تونس،

2/ ود تخول: مغنّي ومناضل إرتري.

3/ دُمُّو دُمُّو: نبيذ محلّي في إرتريا.

4/ ( البيت قطعة المرج، يا ضوء المساء

فجأةً تكتسبُ وجهاً يكاد يكون انسانياً

أنتَ قريب منا للغاية، تعانقنا ونعانقك): ريلكِه.

5/ مَتْكَلْ أَبيت: قرية في إقليم سمهر، في إرتريا.

6/ طوالوت: جزيرة في مدينة مصوّع، في إرتريا، تربطها جسور بجزيرة باضع، وبالبر.







تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...