تيتة

في شارع العِزَب… حيث تتلاصق البيوت كأنها تحرس بعضها بعضًا، كانت فيلا جدّي وجدّتي تقف شامخة، شاهدة على حياة عائلة امتدت عبر أجيال.
لم تكن مجرد فيلا، بل علامة، بيتًا يُقال عنه في الشارع: بيت الحاجة ملك … وكفى.

وفي معظم الوقت كنت أقيم هناك، في حضرة الجدّين، أتنقّل بين غرف الفيلا كأنني واحد من جدرانها القديمة.
بالقرب منها تقع شقتنا؛ حيث أمي وأبي وإخوتي.
كنت أذهب إليهم غالبًا لتناول الطعام فقط، ثم أعود ليلا إلى شقتنا الصغيرة المواجهة لها، أُغلق على نفسي ،أستعد للثانوية العامة، وأعيش عالمي الضيق بين المذاكرة ،والكتب ،والقلق والأحلام المؤجلة.

تلك الشقة التي اعتبرها أبي ملحقًا صغيرًا لشقتنا،
حين اشتراها، كان في نيته أن يستضيف فيها أقاربه وأصدقاءه، لكنه سرعان ما وجدني قد اتخذتها مقرًا لي، معلنًا عن شبه استقلاليتي، حتى أصبح نادرًا ما يأتي إليها.
وحينما يأتي أقاربه أو أصدقاؤه، كان يستضيفهم في الفيلا.

جدّتي ملك كانت رفيقتي وملاذي.
منها كنت أستمد الطمأنينة والدفء.
كنت قريبًا منها على نحو خاص، كأنها مرشدتي في الحياة.
أحببت فيها ذلك المزيج النادر من الحنان والحزم الذي يسكنها، وكان حديثها يملأ قلبي أمانًا، حتى في لحظات غضبها القليلة… تلك اللحظات التي يعرفها البيت كله، ويحسب لها ألف حساب.

لم تكن جدّتي امرأة عادية.
كانت ابنة لأبٍ مصريٍّ صارم، وأمٍّ تركيةٍ...
دمٌها مختلط، فيه عراقة البيوت القديمة، وحدّة بنت البلد التي تعرف كيف تقف في وجه شارع كامل ولا تنكسر.
كانت تتحدث فتُسمَع، تغضب فيرتبك الجميع، تهدأ فيهدأ الشارع معها.

هي ليست فقط سيدة البيت…
بل سيدة الشارع كله.

يلجأ إليها سكان شارع العِزَب يستشيرونها في كافة أمورهم.
تتصالح عندها الخصومات، تُفك العقد، وتُقال الكلمة الأخيرة.
وكان لغضبها حتى من الجيران وزنٌ خاص؛
تغضب منهم، تقاطعهم، فيصيبهم القلق قبل أن يصيب البيت.
كانوا يحبونها… ويخشونها… ويحترمونها حد التقديس.

في ذلك اليوم، العصيب
دخلت جدّتي الشقة الصغيرة بخطوات ثقيلة.
عينان تحملان غضبًا مكبوتًا وحزنًا صامتًا.
قالت بصوت منخفض، لكنه حاسم:
— سأترك الفيلا، وأقيم عندك…
ثم أضافت بنبرة لا تقبل نقاشًا:
— ولا تُفصح لأحد عن مكاني.

دهشت.
فرحت لأنها اختارتني، لكن القلق تسلل فورًا إلى صدري.
أدركت أنني صرت حاملًا لسرٍّ ثقيل، وأن مجرد انكشافه سيضعني في مواجهة عائلة كاملة… وشارع كامل.

لم يمضِ وقت طويل حتى بدأ القلق ينتشر في الفيلا الكبرى.
غياب جدّتي لم يكن أمرًا عابرًا.
والدَيّ شعرا بالارتباك.
خالي، خالاتي، وجدّي… الجميع أخذ يدور في دوائر من الأسئلة والشك.
يتحدثون، يصمتون، ثم يعودون للهمس من جديد.

وسرعان ما خرج القلق من أسوار الفيلا إلى الشارع.

نصر البقال أغلق دكانه مبكرًا.
الحاجة مبروكة وقفت في الشرفة تنادي باسمها.
رجال الشارع تجمعوا، نساء يتهامسن، أصوات تتداخل:
— معقول الحاجة تختفي؟
— دي كانت لسه هنا امبارح!
— يمكن حد زعلها؟
— غضبانة من حد أكيد…

كنت أستمع، ويجتاحني خليط خانق من الإحراج والقلق والمسؤولية، وشعور غامض بالذنب، كأنني أحمل ثقل العالم على كتفيّ.

وجوه خالاتي كانت شاحبة.
كل واحدة تتكلم في الوقت نفسه، تبحث عن إجابة، عن أثر، عن إشارة.
ثم ظهر خالي، متوتر الخطوات، ينظر حوله بعينين متسعتين، يحاول أن يفهم ما حدث، وقد علا وجهه ارتباك واضح.

أما الجد…
فكان الأكثر انكسارًا.

تقدّم ببطء.
يداه ترتجفان، وعيناه تلمعان بدموع لم تسقط.
هو الذي عاش معها عمرًا كاملًا، رفيقته، عمود البيت، وقلب العائلة.
وقف أمام صورتها المعلقة على الحائط، ثم نظر إليّ، وكأنني شاهد على زلزال خفي، وهمس بصوت مكسور:
— يا إلهي… كيف أستطيع أن أعيش بدونها؟

نظرت إلى خالاتي.
كل واحدة منهن متزوجة، تعيش في الشارع نفسه، وكل واحدة كانت تشعر، في داخلها، أنها ربما السبب.
غضب الأم ليس سهلًا.

أزواج البنات…
كانوا جميعًا يهابون جدّتي، لكنهم في الوقت نفسه يحبونها ويجلّونها.
كانوا يتنافسون على رضاها،
كلٌّ يحاول أن يكون الأقرب لقلبها.
الضابط، والمهندس، والموظف
كلهم يقفون أمامها على مسافة واحدة: مسافة الاحترام والخوف والحب معًا.

كانت جدّتي، في نظر الجميع، أشبه بعمدة غير مُعلَنة، تنظم حياة البيت والشارع معًا.
ابنها لم يسلم قط، من غضبها بسبب قراراته المتسرعة، لكنها لم تكف يومًا عن تقويمه.
كانت عمودًا ثابتًا، وغيابها أربك التوازن كله.

خطوات مترددة على الأرضيات.
همسات تتقاطع ثم تتوقف.
عيون تبحث في الزوايا، عند الأبواب، خلف النوافذ.

امرأة واحدة غائبة…
لكن أثرها يملأ المكان.

الجد وقف قرب المدفأة، يرتجف من الداخل.
همس لنفسه:
— أين ذهبت…؟

الأسئلة تتكاثر.
والهلع يزداد.
وكل شخص يبدأ، في صمت، بمحاسبة نفسه.

— ربما ذهبت لقريب…
— خرجت دون أن تُخبر أحدًا…
— هل سمع أحد شيئًا؟

وأنا…
كنت أقف في المنتصف.
أعرف الحقيقة.
أعرف مكانها.
وأعرف أن كلمة واحدة مني قد تهدم كل هذا المشهد.

قلبي ممزق بين الرغبة في كشف السر، والخوف من خيانة ثقتها، والخوف عليهم جميعًا.
كل ثانية تمر كانت تثقل صدري.
والهواء نفسه بدا أثقل.

— أمي… أين هي؟
همست إحداهن، بعين مرتجفة.

شعرت بأن العيون تتجه نحوي دون وعي.
كأنهم يعلمون أنني أملك الإجابة.

صوت داخلي همس لي:
اخفِ السر.
لا تخذلها.
بعض النساء لا يغبن… بل يختبرن.

لكن حين رأيت الجد يبكي،
ويظن أنها تعرضت لحادث… أو ماتت…
انهرت.

قلت.
قلت كل شيء.

ساد صمت قصير…
ثم انفجر الغضب.

صرخوا في وجهي.
عاتبوني.
خنقوني بنظراتهم.
— طول النهار؟
— من الظهر للعشا؟
— وإحنا بنلف زي المجانين؟

ثم…
تحول الغضب إلى حركة.

خرجوا جميعًا.
عائلة كاملة…
والشارع خلفهم.
مظاهرة خاشدة، صامتة، متوترة،
تتجه نحو شقتي الصغيرة.

طرقت الأبواب.
فتحت.

كانت جدّتي واقفة.
تنظر إليّ.

غضبت.
نظرة واحدة منها كانت كافية.
لكنها…
حين رأت الوجوه،
القلق،
الدموع،
الارتباك…
هدأت.

ثم التفتت إليهم جميعًا:
— كفاية.

تقدمت نحو الجد، أمسكت يده، وقالت:
— أنت عمود هذا البيت… وكل شيء يعود إليك.

ثم نظرت إليّ مرة أخيرة.
في عينيها عتاب… وفهم… ومغفرة.

وأدركت أنني كنت محظوظًا.
أن أتعلم الحياة على يد امرأة لم تترك شيئًا للصدفة.
امرأة صنعت عائلة…
وصنعت شارعًا…
بحزمٍ وحب.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...