نصر جميل شعث - أحزنُ على أشياءَ كثيرة،...

أحزنُ على أشياءَ كثيرة،
منها، مثلًا، قلةُ الحيلة.
طاقاتٌ كثيرةٌ أهدرتُها في منع الخيال
- من الوصول إليّ -
بألواحٍ من الزُّجاج،
مُعدّةٍ لنوافذَ بيوتٍ جديدة.
في الفرح أهدمُ الكونَ،
وفي الحزن أُهديهِ جُزءًا من فُتاته،
ليرى أنّه صغير.
وأقرأُ جسدي،
أكثرُ الجُروح فيه من
أعمال المنزل.
***
أنا حافّةٌ حادّة،
قوّتُها في عجزها، لا تقطعُ الشَّلّال.
أنا جماعةٌ على قارب،
تتحدّثُ عن أحوال النهر في السابق.
وقد كنتُ في النهر نهرًا،
لا فكرةَ لديه
عن رسومه في الخارطة.
الآن،
أنا إلى جانبه
أعدو..
وتُعرّجُ مساريَ الأشجار.
***
ليس شعرًا
أن ترسم الصقرَ زينةً على كتفك.
امحه ..
وهيّا أرني قدرتكَ،
ارْسمه وهو جائع.
***
اضْحكْ بمفردِك،
أنا لا أطلُبُ منكَ أن تُشركني
بهذهِ الوسيلة.
صحيح إنّ غيري قد يَلُومُكَ،
كما لو أنّكَ تأكلُ ما يَشتهيه ولا تُطعمُه.
المُهمّ، بالنسبةِ إليّ، وأنتَ في طريقي إلى المقبرة:
أنّكَ وأنتَ تَضحكُ
لا أستعملُ لوصفِ حالتِكَ
مفرداتٍ حزينة.
***
الحقائبُ
أكثرُ منَ المسافرين.
المسافرونَ
أكثرُ منَ ابتساماتهم.
المطرُ
يلقي قصائدَه على المِظلّات.
المِظلّاتُ
لا تَحمي الأحذية.
***
تَذهب إلى المطار،
تَجد كلَّ الناس يُسافرون.
تذهب إلى المَشفى،
تجد كلَّ الناس مَرضى.
تذهب إلى الحديقة،
تجد كلَّ الناس يَتنزهون.
ما تجدُه ليس سوى
وحدتِكَ تَتجلّى
في الكثرة والزحام.
***
عندما يموتُ شاعرٌ
تتحوّلُ جماجمُ الموتى القدامى إلى أجراسٍ نحاسيّة،
كأجراسِ المدارسِ القديمة،
التي لطالما عشّشتْ فيها العصافيرُ؛
في عطلة نهاية العام الدِّراسيّ.
***
وداعًا يا أيّها الشّاعرُ،
كنتَ مسؤولًا عن شغفكَ الذي لم تملكْ من جوهرِه إلّا لهاثكَ.
وداعًا أيّها المرِنُ الصغيرُ،
ككلماتٍ مائلةٍ في القاموسِ الغريبِ؛
تفتحُ معنى الكلمةِ
الكبيرةِ الغامقةِ،
أنتَ ومعناكَ المُتعدّد.
***
نمتُ على الحبِّ،
ورأيتُ في الغيمة أمّي
تُمسكُ بالقرآن وتقرأُ فيه ابتداءً من سورة الناس،
وأفقتُ قبل أن تصلَ الفاتحة.
وأشرتُ بيديَ القصيرة إلى الناس
أنْ من هناك فمشوا عليها.
وصلوا وما وصلتُ،
كغزالٍ وحيدٍ يملأُ لوحةً لا أحبّذُ نِسبتها للغزال.
وكنتُ أسمّي الأرضَ وأعني:
الشعرَ،
كلمة واحدة.
لا أسمّي الشعرَ الآن،
لا أسمّي الشعر!
ما عدتُ أعرفُ الأرضَ من كثرة القصائد.
أتناولُ منَ الصدفة القاتلة
حياتي،
مثلما يتناولُ دعاءٌ مُرتجلٌ
- بالصدفة -
كلمةً مَهجورةً،
ويَضعُها إلى جانب الله.
***
من أعرف أن رحلاتهم حزينة،
لا أكفّ عن القول لهم:
رحلة سعيدة.
بالأماني فقط أتدخّل في شؤونهم.
***
أوّل قناة تابعتها في حياتي
القناة التي فتحها أبي بين شجرة وشجرة
في نظام الريّ القديم.
***
من أيّة ناحيةٍ أحدّثكِ عن أبي؟
كان جميلًا، كان عصاميًّا، كان مريضًا، كان صبورًا،
وكان أوّلَ رجلٍ في حياتي أراه عن قربٍ يبكي، من أجل العراق.
***
مزاجي، هذه اللَّيلةَ، سهلٌ وعالٍ.
الجبلُ خطوةٌ بيضاءُ تحتي، وأنا رجلٌ ضعيفُ القلب؛
يَخافُ إذا ابْتعدَ عنِ الحافّة.
مزاجي، هذه اللَّيلةَ، سهلٌ وعالٍ.
سأُُخفيهِ عنكم،
كي لا تَضَعوا عليه راية.
***
رأيتُ أبي
جائعًا في منامي،
قمتُ وصنعتُ لنفسي الطعام.
كان أبي
تاجرَ قمح وأنا ألمسُ السقفَ
حين أعتلي كومة الأكياس.
أحب أبي
والبيتَ الذي بناه،
ونظرة صباحه الأخير إليّ،
قبل أن أغسل وجهي.
***
حلمتُ أني
أضربُ قبرَه بيدي،
ومرّة بلعبةٍ مرسومة على صدري
لينهضَ..
ويحملَني على كتفيه
لأمسكَ بنظرته الأخيرة إلى السماء.
ما العمل؟
ماتَ صاحبُ الأرض
فسمحَتْ فزّاعةٌ بالحقل كلّه
للطيور،
مقابل تعريتها.
**
كنتُ أنظر إلى شلال،
مرّ غراب.
غربان كثيرة كانت
على الأبواب الجديدة وأطر الشبابيك.
أبي حرقَ العُقدَ لمرة واحدة فقط،
خشية التسوّس.
وكلّ عامّ كان
يطلي سيقان الشجرات بالشيد.
أبي الذي سمع مرّة
خبرًا مُحزنًا في الظهيرة،
وهو يجمع من على العتبة قشورَ اللوز التي تجرح..
كان صاحبًا لليل،
والقرآن..
وروى لنا عن عمله
في حقول خوخ سيناء.
مرة بحث عن اسمه بعد اسمي في جريدة،
وفمه به حساسية من ثمرة الباذنجان.
***
لولا قلّةُ الحيلة،
لولا أمس وآيةُ الكرسيِّ،
ما وصفْنا البيت.
لولا صَيْحةٌ على الهيولى،
ما أشْرقتْ في ظهره صورتُه.
ليرى غرفةً أضفْناها إلى البيت
- مُغلقةً للضَّيف -
عليه أن يفتحَها بيده.
ليرى جراحَ المُمازحة علينا،
عليه أن يأتي قبل أن يُنوّرَ الملحُ؛
لنقولَ له:
ها قد كَبُرْنا على المزاح.
***
أطفأْتَ نجمكَ لتسمعَ
على الأرضِ من يُشبهونكَ.
على ذيول ذئابهم وحماتٌ -
بصمةٌ بيضاءُ مُكرَّرةٌ،
وفي تُرابهم زمنٌ مَرْميٌّ إلى جانب الدَّرب
كمحراثٍ
فكّهُ الفلّاحُ من الحصان،
نَبتَ عليه عُشبٌ..
عادَ
وأكلَه الحصان.
***
كسرْتَ اللُّعبةَ وراءك،
هل لتنزلَ مُتفرّقةً كالوحي على الدَّرج؟
حتّى طرفُ الحبل تركتَه،
هل مَخافة أن يَحيا مجازٌ في نظرتكَ إلى الوراء أو على طرف لسانك؛
يَجمعها ويجبر كسرَها؟
وأنتَ تُغادرُ أكلَ من كتفِكَ ضيقُ الممرِّ،
وتَحرَّشَ بها الغُصنُ المُطلُّ على البهْو.
***
لا وزنَ لغيابكِ
هو بخفّة الكأسِ التي انْقلبت على أريكةٍ من إسفنج.
هو ثقيلٌ كدعابةٍ امْتلأت بنيّاتِ السماء في عينيكِ.
هو مجدولٌ كظهر كرسيٍّ يحجب رؤية الساعة المتروكة
على الطاولةِ ليومين،
بجانبِ كِسرةِ خبزٍ وزجاجةٍ طحلبيّة.
لا وزنَ لغيابكِ
هو قطارٌ سريعٌ تقودُه عواطفُ الراكبين.
ومن قلقي أسمّي كومةَ الماءِ تحت القصيدة رئةً تتنفّسُ هواءَ ستارةٍ تُحرّكها الرموشُ،
وأُبرّرُ سقوطَ الثلج بغزارةٍ على جناح الغابة القريب.
لا وزنَ لغيابكِ
هو ليس قاموسًا في حقيبةٍ، ولا خارطةً أو رأسًا في خيال.
هو ظلّ كلمةٍ عند البحيرة صارت بيتـًا كالمثلّث من خشبٍ، سطحُه انْقلابُ قاربٍ
(هكذا مازحني صديقيَ العراقيُّ)،
وصحّحتُ، رغم غيابكِ هذه الليلةَ أيضًا:
(البيتُ قاربٌ إذا أتى الطوفان)
____________________________
صدرت صيف 2021 عن "مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر"، في القاهرة. كتبت قصائد هذه المجموعة في شمال النرويج ما بين 2009 - 2017.
لوحة الغلاف مقدمة كإهداء للمجموعة من الفنان التشكيلي العراقي ضياء العزاوي.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...