محمد فيض خالد - أبو العز...

في لقائنا الأول، ابتسمَ إليَّ كَأنَّه يُطمئنني، امتلأ وجهه الأبيض الُمشرب بحُمرةٍ بفرحٍ متراقص ، زادَ من أُلفته ،اشعر وكأنَّما أعرفه منذ زمنٍ ، مَدَّ يده مُسلِّما في تَلطُّفٍ زائد، لا أعرف غيره في المكان ، بعد عباراتِ التِّرحَاب المتلاحقة ، اكتسى وجهه بالجديةِ ، قائلا:" هل فطرت؟" ، عندها تلعثمت ، قبل أن اجيبه في استبسالٍ :" الحمد لله " ، من فَورهِ ، قامَ في اندفاعٍ لا يليق بجسدٍ ضخم كجسده ، غَابَ قليلا قبل أن يعود ؛ مُمسكا بكوبِ الشاي ، قَرَّبه وهو يَنظر نحوي بعينين صامتتين ، لا أدري كيف أنفكّ أسار لساني ، من فوري شرعت في سرد حديثٍ مَلأ الفراغ ، جُذِب الرجل ليشاركني إياه ،" أبو العز " هكذا عَرفته ، أتاني صوته عبَر الهاتف ضَاحكا مُستبشِرا ، يتكلم في عُجالٍة ، تقطع كلماته تنهيدة مريحة ، عقب اتصالٍ يتيم تقابلنا ، حَدَّق بنظرةٍ خَجلة ، ليتساءل بعد هنيهةٍ في تردد :" هل وقَّعت عقدا؟" ،هززت رأسي وأنا ابرز له صورة ضوئية منه، انعقدت على شفتيه ابتسامة صادقة ، ظَلَّت متوهجة ، تساءلت وسحابة من الحيرةِ تلفني :" لماذا صارحته بهذه السهولة ، لماذا هذه الثقة ؟" ، رفع حاجبيه ، انتزع بصره وألقاه ناحيتي في ونس:" لنشرب قهوة فرنسية " ، داهمتني الدهشة لقراراته المفاجئة ، في أسبوعي الأول حاولت تمرين نفسي على تقبل طباع من حولي ، اعترف بأني فشلت ، أقاموا -ومنذ اللحظة الأولى لمجيئي- سدا منيعا ، متاريس عصية ، يستحيل تجاوزها ، لعزلي عنهم وعن مجريات العمل ، بدوا وكأنَّهم يُخفون سِرا عظيما ، تواصوا على كِتمانهِ ، لم اكترث طويلا لهذه السَّخافات ، لم تتوقف نظراتهم تعد أنفاسي ، تلاحقني طافحة بالخوفِ والريبة ، تغرق وجوههم الكئيبة ، يأكل الفضول صدورهم ، أصواتهم المرتعشة ، ابتساماتهم الماكرة ، تنز عيونهم المرتخية بالمكر ، كلماتهم المشفرة ، أحاديثهم الطويلة ، همساتهم غير المنتهية ، تدور خلف الأبواب المغلقة ، ماذا يخفون ، لماذا يخشون وجودي؟!.

يهاتفني " أبو العز " في لُهاثٍ مُفتتَحِ كلّ صَباحٍ ، وعلى فمهِ ابتسامة طازجة :" الفطار جاهز" ، أدمنت هذه الجملة على صغرها ، بت انتظرها بفارغِ الصّبر، ينشط عندها " أبو العز" ، فيشرف بنفسهِ على تجهيزِ المائدة ، تتطاير دعواته المُلّحة تُحمّس الزملاء في أُلفةٍ ، اشعر في رنةِ صَوتهِ براحةٍ عجيبة ، وثقة افتقدها ، كان الرجل الأقرب لجميع الموظفين ، له في كلَّ طابقٍ صديق مُقرَّب ،سهّلت بشاشته المعهودة، وسعة صدره ،وتجاوزه عن صغائر الأمور ؛ لتهبه جواز مرورهِ لكلِّ قلبٍ بسلام ، ووسط هذا كله اشعر بحمله الثقيل ، مجاهدته لإخفاءِ عبوسه بابتسامةٍ مُتكلفة؛ يُغطّي بها قلقه ، في ليلةٍ صَفت نفسي فيها ، هَتفَ بخاطري هاتف:" عن سببِ الحزن العميق المُتأتّي من داخلهِ ، الخيط المُتدلّي من أعماقهِ " ، استغفرت الله قبل أن اُسلِم عيني لنوم عميق ، وقُبيل الفجرِ، انتبهت ، وسعادة عارمة تتمدد في صدري ، رأيت شيخا في ثيابٍ بيض ، يحمل طفلا جميل الطَّلة ، تهلل وجهي في إشراقٍ ، فاندفعت في فُضولٍ أسأله :" ابن من هذا؟" ، أجابَ في استبشارٍ:" ابن أبو العز " ، ارتجفُ قلبي فرحا ، ، في نهايةٍ اليوم تصادفنا عند المَخرج ، سَلمَ في عُجالٍة ، ثم قال في حَميميةٍ :" اليوم اسافر ،دعواتك "، بادرته في ارتياحٍ : "إن شاء الله تسمع خيرا" ، رأيت بريقا يسطع من عينيهِ ، رَماني بابتسامةٍ مُشرِقة ، طَالعني بعينين سَاهمتين ، كمن يراني لأول مرةِ قَبل أن يَبتلعه الفضاء ، تشاطرنا الفرحة بعد أشهر؛ بُشِّر بقدومِ ولي عهده بعد صَبرٍ طويل.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...