لسنا جيلًا مدلّلًا في الرياضة.
نحن أبناء الستينيات والسبعينيات، جيلٌ تربّى على الانتظار، وتعلّم أن الفرح لا يأتي دفعة واحدة، وأن الانتصارات تُبنى بالصبر لا بالضجيج. عشنا نكسات كثيرة، بأسباب متعدّدة: قرارات مرتجلة، تغييرات متسرّعة، وغياب رؤية تُراكم بدل أن تُبدّد. لذلك، حين نكتب اليوم عن وليد الركراكي، نكتب من موقع الذاكرة الطويلة، لا من نشوة اللحظة، ومن إحساس جيل يعرف ثمن الاستقرار وخطر القطيعة.
لم يأتِ التحوّل من فراغ.
حين وُضعت الاستراتيجية الملكية لدعم كرة القدم، تغيّر المشهد جذريًا: التكوين صار قاعدة، البنية التحتية رافعة، والحكامة شرطًا لا شعارًا. وفي هذا السياق، جُرّبت أسماء تدريبية كثيرة؛ بعضها لامع في السيرة، لكن النتائج لم تكن في مستوى الطموح. لم يكن الخلل دائمًا في الأشخاص، بل في غياب الانسجام مع روح المشروع ومع خصوصية اللاعب المغربي.
هنا جاءت لحظة الثقة المؤسسية.
وضعت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، تحت رئاسة فوزي لقجع، ثقتها في خيار تقني واضح، لا يقوم على ردّات الفعل، بل على القراءة الهادئة للمسار. لم تُدار المسألة بمنطق مدرّب يُعيَّن ويُقال، بل بمنطق رؤية تُواكَب وتُحمى من نزوات اللحظة. اختارت الجامعة الاستمرارية بدل القطيعة، والتصحيح الهادئ بدل الهلع. هكذا تُدار المشاريع الكبرى: ثقة في الرجال، صبر على الطريق، وحساب للمستقبل لا للمباراة القادمة فقط.
إلى أن جاء وليد الركراكي.
وجاء لا كمنقذٍ أسطوري، بل كابن بنّاي؛ أبوه بنّاء، يرفع الجدران حجرًا حجرًا، ويعلّم أن ما يُبنى بتأنٍّ يصمد. حمل وليد هذا المعنى معه إلى كرة القدم: لا قفز في الفراغ، لا ضجيج بلا عمل، بل بناء هادئ، صبور، ومُتقَن. عرف غرف الملابس، ذاق مرارة الإقصاء لاعبًا، وفهم أن الكرة الحديثة تُدار بالعقل البارد والانضباط قبل العاطفة.
ثم جاءت كأس العالم.
نصف نهائي تاريخي لم يكن مجرّد إنجازٍ رياضي، بل لحظة وعي جماعي. تغيّرت صورة المغرب في العالم، وتغيّر إحساس اللاعب بقيمته، وتغيّر نظر الجمهور لنفسه. لم نعد ضيوفًا عابرين، بل منافسين يُحسب لهم الحساب. ومن تلك اللحظة، انتقلت العدوى إلى كل الفئات: ألقاب إفريقية وعربية للشباب والمحليين والمنتخب النسوي، الرتبة الثالثة في الأولمبياد، وحضور مشرّف في كأس العالم للشباب. لم تكن صدفة، بل ثمرة مشروع واحد وروح واحدة.
الثقة… هذه الكلمة الصغيرة كانت المفتاح.
لاعبون مغاربة ذوو جنسيات أخرى، محترفون في أقوى الدوريات العالمية، وجدوا في المنتخب بيتًا حقيقيًا. لم يعد اللعب للمغرب مجرّد حنين، بل اختيارًا واعيًا. ارتفع المستوى، وتضاعفت الرغبة، وصار القميص الوطني قيمةً قبل أن يكون لونًا. اليوم نحن الأول عربيًا وإفريقيًا، والثامن عالميًا. أرقام تُقاس، لا تُزيَّن.
ولا يمكن الحديث عن هذا المسار دون التوقّف عند كأس إفريقيا.
نعم، وصلنا إلى النهائي. ونعم، انهزمنا. لكن الهزيمة لم تكن سقوطًا، بل تفاصيل صغيرة: أخطاء فردية في لحظات لا ترحم، وضياع ضربة جزاء في الثواني الأخيرة كان من الممكن أن يغيّر التاريخ. لم نفز بالكأس، وهذه حقيقة. غير أن الخسارة كانت موجعة لأنها جاءت ونحن قريبون… قريبون إلى حدّ الألم. أثرها كان عميقًا في وجدان شعب رأى الحلم يلامس اليد.
ثم هناك ما لا يُقال كثيرًا.
في القارة الإفريقية، عانينا من تكالبٍ وخبثٍ في محطات حاسمة: ضغط جماهيري مُسيّس، تحكيم مُربك، وكواليس لا تُدار دائمًا بنقاء المنافسة. ومع ذلك، ظلّ المنتخب واقفًا، يلعب ويصبر ولا يشتكي. لأن المشروع لا يُبنى بالشكوى، بل بالاستمرار.
السؤال الحقيقي إذن ليس: لماذا خسرنا النهائي؟
بل: هل يُعقل أن نختزل كل هذا المسار في لقطة؟ هل من الحكمة أن نطالب بتغيير المدرّب الذي قاد هذا التحوّل التاريخي لأن كرةً لم تدخل، أو لأن خطأً فرديًا وقع في توقيت لا يرحم؟
نحن على بُعد أربعة أشهر فقط من كأس العالم.
في مثل هذه اللحظات، لا تُغيّر المنتخبات الكبرى رُبّانها، بل تُصحّح التفاصيل، وتُرمّم الهفوات، وتحمي الاستقرار. الاستقرار ليس شعارًا دفاعيًا، بل شرط إنجاز. والركراكي، بكل ما له وما عليه، لا يزال الأحق. ليس لأنه بلا أخطاء، بل لأنه تعلّم منها، ولأن في جعبته الكثير مما لم يُجرَّب بعد.
الانتصار لم يكن رياضيًا فقط.
ملاعب حديثة، بنية تحتية تُنافس، مدن تستعد لاحتضان العالم، واستثمارات تخدم السياحة الرياضية. هذه مكتسبات وطن، لا نتيجة مباراة. ومع ذلك، يظلّ خلل مؤلم لا بد من تسميته: إعلامنا الرياضي.
إعلامٌ لم يُواكب بما يكفي، ولم يدافع بالقوة المطلوبة عن هذه الإنجازات.
تركنا أحيانًا نبحث عن أخبارنا في قنوات أجنبية، وعجز عن مواجهة حملات تستهدف المغرب. الحلّ ليس في الشكوى، بل في الاستثمار: قنوات محترفة، تكوين عميق، صحافة تحليلية، وتشجيع القطاع الخاص على صناعة إعلام رياضي واثق، ناقد بمهنيّة لا هدّامًا.
وليد الركراكي ليس فوق المساءلة.
لكنه يستحق ردّ الاعتبار. لأنه اشتغل في صمت، وراكم في هدوء، وترك للنتائج أن تتكلم. وحين تتكلم النتائج، يصمت الضجيج.
هذه ليست حكاية مدرّب فقط.
إنها حكاية ابن بنّاي بنى حلمه حجرًا حجرًا، وحكاية بلدٍ قرّر أن يؤمن بنفسه… فانتصر، حتى حين لم يرفع الكأس.
* بقلم: الإعلامي والسيناريست "أحمد بوعروة"
منشور في جريدة "الأحداث المغربية" عدد آخر الأسبوع
نحن أبناء الستينيات والسبعينيات، جيلٌ تربّى على الانتظار، وتعلّم أن الفرح لا يأتي دفعة واحدة، وأن الانتصارات تُبنى بالصبر لا بالضجيج. عشنا نكسات كثيرة، بأسباب متعدّدة: قرارات مرتجلة، تغييرات متسرّعة، وغياب رؤية تُراكم بدل أن تُبدّد. لذلك، حين نكتب اليوم عن وليد الركراكي، نكتب من موقع الذاكرة الطويلة، لا من نشوة اللحظة، ومن إحساس جيل يعرف ثمن الاستقرار وخطر القطيعة.
لم يأتِ التحوّل من فراغ.
حين وُضعت الاستراتيجية الملكية لدعم كرة القدم، تغيّر المشهد جذريًا: التكوين صار قاعدة، البنية التحتية رافعة، والحكامة شرطًا لا شعارًا. وفي هذا السياق، جُرّبت أسماء تدريبية كثيرة؛ بعضها لامع في السيرة، لكن النتائج لم تكن في مستوى الطموح. لم يكن الخلل دائمًا في الأشخاص، بل في غياب الانسجام مع روح المشروع ومع خصوصية اللاعب المغربي.
هنا جاءت لحظة الثقة المؤسسية.
وضعت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، تحت رئاسة فوزي لقجع، ثقتها في خيار تقني واضح، لا يقوم على ردّات الفعل، بل على القراءة الهادئة للمسار. لم تُدار المسألة بمنطق مدرّب يُعيَّن ويُقال، بل بمنطق رؤية تُواكَب وتُحمى من نزوات اللحظة. اختارت الجامعة الاستمرارية بدل القطيعة، والتصحيح الهادئ بدل الهلع. هكذا تُدار المشاريع الكبرى: ثقة في الرجال، صبر على الطريق، وحساب للمستقبل لا للمباراة القادمة فقط.
إلى أن جاء وليد الركراكي.
وجاء لا كمنقذٍ أسطوري، بل كابن بنّاي؛ أبوه بنّاء، يرفع الجدران حجرًا حجرًا، ويعلّم أن ما يُبنى بتأنٍّ يصمد. حمل وليد هذا المعنى معه إلى كرة القدم: لا قفز في الفراغ، لا ضجيج بلا عمل، بل بناء هادئ، صبور، ومُتقَن. عرف غرف الملابس، ذاق مرارة الإقصاء لاعبًا، وفهم أن الكرة الحديثة تُدار بالعقل البارد والانضباط قبل العاطفة.
ثم جاءت كأس العالم.
نصف نهائي تاريخي لم يكن مجرّد إنجازٍ رياضي، بل لحظة وعي جماعي. تغيّرت صورة المغرب في العالم، وتغيّر إحساس اللاعب بقيمته، وتغيّر نظر الجمهور لنفسه. لم نعد ضيوفًا عابرين، بل منافسين يُحسب لهم الحساب. ومن تلك اللحظة، انتقلت العدوى إلى كل الفئات: ألقاب إفريقية وعربية للشباب والمحليين والمنتخب النسوي، الرتبة الثالثة في الأولمبياد، وحضور مشرّف في كأس العالم للشباب. لم تكن صدفة، بل ثمرة مشروع واحد وروح واحدة.
الثقة… هذه الكلمة الصغيرة كانت المفتاح.
لاعبون مغاربة ذوو جنسيات أخرى، محترفون في أقوى الدوريات العالمية، وجدوا في المنتخب بيتًا حقيقيًا. لم يعد اللعب للمغرب مجرّد حنين، بل اختيارًا واعيًا. ارتفع المستوى، وتضاعفت الرغبة، وصار القميص الوطني قيمةً قبل أن يكون لونًا. اليوم نحن الأول عربيًا وإفريقيًا، والثامن عالميًا. أرقام تُقاس، لا تُزيَّن.
ولا يمكن الحديث عن هذا المسار دون التوقّف عند كأس إفريقيا.
نعم، وصلنا إلى النهائي. ونعم، انهزمنا. لكن الهزيمة لم تكن سقوطًا، بل تفاصيل صغيرة: أخطاء فردية في لحظات لا ترحم، وضياع ضربة جزاء في الثواني الأخيرة كان من الممكن أن يغيّر التاريخ. لم نفز بالكأس، وهذه حقيقة. غير أن الخسارة كانت موجعة لأنها جاءت ونحن قريبون… قريبون إلى حدّ الألم. أثرها كان عميقًا في وجدان شعب رأى الحلم يلامس اليد.
ثم هناك ما لا يُقال كثيرًا.
في القارة الإفريقية، عانينا من تكالبٍ وخبثٍ في محطات حاسمة: ضغط جماهيري مُسيّس، تحكيم مُربك، وكواليس لا تُدار دائمًا بنقاء المنافسة. ومع ذلك، ظلّ المنتخب واقفًا، يلعب ويصبر ولا يشتكي. لأن المشروع لا يُبنى بالشكوى، بل بالاستمرار.
السؤال الحقيقي إذن ليس: لماذا خسرنا النهائي؟
بل: هل يُعقل أن نختزل كل هذا المسار في لقطة؟ هل من الحكمة أن نطالب بتغيير المدرّب الذي قاد هذا التحوّل التاريخي لأن كرةً لم تدخل، أو لأن خطأً فرديًا وقع في توقيت لا يرحم؟
نحن على بُعد أربعة أشهر فقط من كأس العالم.
في مثل هذه اللحظات، لا تُغيّر المنتخبات الكبرى رُبّانها، بل تُصحّح التفاصيل، وتُرمّم الهفوات، وتحمي الاستقرار. الاستقرار ليس شعارًا دفاعيًا، بل شرط إنجاز. والركراكي، بكل ما له وما عليه، لا يزال الأحق. ليس لأنه بلا أخطاء، بل لأنه تعلّم منها، ولأن في جعبته الكثير مما لم يُجرَّب بعد.
الانتصار لم يكن رياضيًا فقط.
ملاعب حديثة، بنية تحتية تُنافس، مدن تستعد لاحتضان العالم، واستثمارات تخدم السياحة الرياضية. هذه مكتسبات وطن، لا نتيجة مباراة. ومع ذلك، يظلّ خلل مؤلم لا بد من تسميته: إعلامنا الرياضي.
إعلامٌ لم يُواكب بما يكفي، ولم يدافع بالقوة المطلوبة عن هذه الإنجازات.
تركنا أحيانًا نبحث عن أخبارنا في قنوات أجنبية، وعجز عن مواجهة حملات تستهدف المغرب. الحلّ ليس في الشكوى، بل في الاستثمار: قنوات محترفة، تكوين عميق، صحافة تحليلية، وتشجيع القطاع الخاص على صناعة إعلام رياضي واثق، ناقد بمهنيّة لا هدّامًا.
وليد الركراكي ليس فوق المساءلة.
لكنه يستحق ردّ الاعتبار. لأنه اشتغل في صمت، وراكم في هدوء، وترك للنتائج أن تتكلم. وحين تتكلم النتائج، يصمت الضجيج.
هذه ليست حكاية مدرّب فقط.
إنها حكاية ابن بنّاي بنى حلمه حجرًا حجرًا، وحكاية بلدٍ قرّر أن يؤمن بنفسه… فانتصر، حتى حين لم يرفع الكأس.
* بقلم: الإعلامي والسيناريست "أحمد بوعروة"
منشور في جريدة "الأحداث المغربية" عدد آخر الأسبوع