أحمد بلحاج آية وارهام - الطائر الذي أصبح شجرة...

1

صرخة الارتفاع

يحفرُ طائرٌ في صدرِ الأرضِ الدامي،
منقارُه سيفٌ من لهيبٍ مكسور،
يبحثُ عن شجرةٍ سقطَ منها،
نسى لونَ أوراقها، وطعمَ نسغها
ورائحةَ الظلِّ الذي كان يحميه.
يطيرُ فوقَ غاباتٍ من زجاجٍ محترق
أغصانُها تنزفُ ضوءاً مسموماً،
والريحُ تهمسُ في أذنهِ الممزقة:
(أكنتَ ورقةً خضراءَ في ربيعٍ أزلي،
أم برعماً سقطَ قبلَ أن ينبض؟)
جناحاهُ يخفقانِ كقلبٍ منفيّ
يتركانِ وراءهما خطوطاً
من دمٍ أسود
يرسمانِ خريطةَ عودةٍ
في كلِّ جذرٍ يلمسهُ يجدُ ندوباً تشبهُ ندوبه
لكنَّها ليستْ له.

2

أنين الرمال

عبرَ صحارى تبتلعُ الذكرى
يغوصُ في رمالٍ من مرايا مكسورة،
كلُّ حبةٍ تعكسُ وجهاً مشوهاً للشجرة،
تارةً عمودَ نارٍ يخترقُ السماء،
وتارةً قبراً من نورٍ مدفون.
يصرخُ، فيردُّ الصدى
بأنينِ أغصانٍ ميتة،
(أينَ النسغُ الذي كان يجري في عروقي؟
أينَ الغصنُ الذي انكسرَ فانكسرتُ؟)
الجذورُ تحتَ قدميهِ تتلوى كثعابينَ عمياء
تبحثُ هي الأخرى عن سماءٍ سقطتْ منها،
في دورةٍ أبديةٍ من الفقدان.

3

رقصة الظلال

يحلّقُ فوقَ جبالٍ من جلدٍ متشقق،
حيثُ الثلجُ ينزفُ أسراراً حمراء،
يرى في كلِّ كهفٍ شجرةً تتشكلُ من الدخان،
تمدُّ أغصانها نحوهُ ثم تذوبُ،
كحلمٍ يستيقظُ قبلَ أن يُروى.
نسى شكلَها، لكنَّ ريشهُ يتذكّرُ،
يتساقطُ كأوراقٍ في عاصفةٍ
يغطّي الأرضَ
ببساطٍ من أسى أبيض،
وفي كلِّ ريشةٍ رسالةٌ محترقة:
(أنا الشجرةُ، وأنا السقوطُ،
وأنا الذي يبحثُ عن نفسهِ في الآخَر).

4

ولادة الارتفاع

عندَ حافةِ العالمِ
يقفُ الطائرُ،
جناحاهُ مفتوحانِ كجرحٍ أخير، ينبثقُ من صدرهِ جذرٌ أخضر
يخترقُ السماءَ
يغرسُ نفسهُ في الغيوم
ويبدأُ نسغٌ جديدٌ بالجريانْ،
لم يعدْ يبحثُ عن الشجرة
فقد أصبحَ هو الشجرةَ
جذورُهُ في الريح
أغصانُهُ في الترابْ
وريشهُ يتحوّلُ إلى أوراقٍ
لا تسقط،
يغنّي لكلِّ من سقطَ ونسى:
(العودةُ ليستْ إلى الماضي،
بل نموٌّ من الندبةِ نفسها).

الكاتب : أحمد بلحاج آية وارهام


بتاريخ : 09/01/2026

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...