علي البدر - سنّارة على حافة العالم...

(( الى كلِّ من جلس يومًا على حافة العالم، ينتظر نفسه))


منذ طفولتي، كان لي ولعٌ بصيد السمك، كأن السنّارة خُلقت لتجاورني. كنت أضعها إلى جانبي حتى في النوم، كأنها وصيّة أبي التي لم أنطقها معه. قالوا إنني نحس، لأنني وُلدت… وفي اليوم التالي مات أبي. كبرتُ وأنا أتعلم كيف أبتلع الكلمة كما تبتلع السمكة الطُّعم بصمت. كنتُ أهرب إلى شطّ العرب، أجلس على ضفّته ساعات طويلة، لا أصطاد بقدر ما أنتظر. أنتظر نبضة السنّارة، أو ربما نبضةً داخلي. أنظر إلى الماء وأتخيّل حياة بلا وجوه، بلا أسئلة، بلا كلمة "نحس". كنت أتمنى لو أعيش بين الأسماك، أطفو فقط، وأنسى أن البشر يحصون خساراتهم أكثر من أفراحهم.
في مساءٍ هادئ، حين كان النهر يشبه مرآة مكسورة، ظهرتْ لي حورية بحر… أو حلمٌ تعب من الانتظار. وجهها كان مضيئًا كصباحٍ لم أعيشه، وشَعرها الأصفر ينساب على ظهرها ويستر ما يكفي ليجعل الجمال حياءً لا إغراء. نادتني باسمي، كأنها تعرفه منذ الأزل: تعال معي. لم أفكّر. قفزتُ. غصنا معًا، وكلما ابتعدنا عن الضوء، اقتربتْ الحقيقة. رأيت الأسماك تأكل بعضها، رأيت الضعيف يختفي بلا جنازة، والقوي يواصل السباحة بلا ذاكرة. عالمٌ بلا شفقة، بلا أسئلة، بلا عزاء.
هناك، في الأعماق، فهمتُ أن القسوة لا تحتاج لغة. خفتُ. توسّلتُ إليها أن تعيدني. لكنها شدّتني إلى صدرها، وكان دافئًا على غير ما توقعت. سمعتُ دقاتِ قلبها… تشبه دقاتي حين كنت طفلًا أختبئ من العالم. قالت لي: أحببتك منذ سنوات. كنت أراك تجلس وحيدًا وتحدّق في الماء كأنك تبحث عن أمٍّ ثانية. حبي لك أن أعيدك. عالمك قاسٍ، نعم… لكنه متغيّر. هناك يمكن للحزن أن يتحوّل فرحًا، ولليُتم أن يصير حكاية. اذهب… وانثر ما رأيت. دفعتني بلطف نحو السطح، وأضافت وهي تبتعد: قد لا تراني مرة أخرى. قد أكون في بطن حوت، أو مشوّهة بأنياب كوسج، أو كائنًا لا يُحَب. لا تحزن… يكفي أنك عرفت.
وعلى ضفّة النهر، والسنّارة ما زالت إلى جانبي، لم أعد أصطاد. صرتُ أجلس لأحكي وأرسم الفرحة في وجوهٍ متعبة، وأقول: إن الولادة ليست ذنبًا، وإن الذين يرحلون باكرًا… يتركون في الماء حورياتٍ تراقبنا بصمت ومنذ ذلك اليوم، صارت دموعي لا تنزل بصمت كلما جلستُ على الضفّة، ووضعتُ طرف السنّارة وسط حضني. سمعتُ الماء ينتحب قبلي كأّن البكاءَ يخرج من صدري لا من عينيَّ، كأنَّ قلبي تعلّمَ أخيرًا كيف ينعى طفولته. أبكي أبي الذي لم يحملني ولم ينتظر خروجي مهرولًا من مدرستي أبكي لكلمة بابا. بابا، التي اسمعها كل يوم ولم انطقها. أبكي نفسي لأنني عشتُ طويلًا أبرّر وجودي. حتى النهر صار إذا هبّت الريح عليه، يصدر أنينًا خافتًا، كأنَّ الحوريةَ تبكي معي من مكانٍ لا أراه.
عندها فقط فهمتُ أن البكاءَ ليس ضَعفًا، بل صوتُ الروحِ حين تعودُ إلى بيتها. وفي تلك الليلة، لم أبكِ وحدي. بكى النهر، وبكت السنّارة الصدئة، وبكت الأسماك التي لم أصطدها يومًا. رفعتُ رأسي إلى السماء وسألت أبي، لماذا تركتني باكرًا؟ فلم يجبني، لكن الماءَ ارتجف، وكأن أحدَهُم قال: الذين يرحلون، يُعَلّموننا كيف نصير أعمق. عدتُ إلى البيت خفيفًا، لا لأن الحزنَ انتهى، بل لأنني حملتُهُ كما يُحمَلُ طفلٌ نائم. نداءُ أملٍ وبشارةٍ لا يفارقني. "إذا رأيتم رجلًا يجلس على شاطئ شطّ العرب ولا يرمي سنّارته، فاعلموا أنه لا ينتظرَ سمكةً بل يودّع نفسَه القديمةَ بهدوء. .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...