هجيرة نسرين بن جدو - بين الخوف والرَّغَم.

الحمدُ للهِ واسعِ الفضلِ والعفو، باسطِ الرحمةِ على من أذنبَ ثم أناب، وقابلِ التوبةِ ممن أقرَّ بالزللِ وارتاب، إليه تُرفَعُ الشكوى، وعنده منتهى الرجاء والمآب.

أما بعد، فهذه كلماتٌ خرجت من نفسٍ عرفت الغفلةَ فاستوحشت، وذاقت مرارةَ البعدِ فأنابت، ووقفت بباب القدر وقوفَ من لا حولَ له ولا انتساب، تلتمس الصفحَ في مقام الاعتراف، وتستظلّ بالرجاء من وهج الحساب.

فإن وُفِّقت فبفضله، وإن زلّت فبعدله، وما بين الخوف والرجاء مقامٌ تُصفّى فيه السرائر، وتُوزن فيه النيات، ويُعرَف فيه الصادقُ من المرتاب.

أنين النفس في حضرة القدر :

يا مَن تفرّدَ بالإيجادِ من عَدَمِ

وأحكمَ القَدرَ إحكامًا على القَلَمِ

يا باسطَ الفضلِ إسباغًا بلا أمدٍ

ومُجريَ الحُكمِ تاراتٍ على النِّقَمِ

يا صارفَ البأسِ عن مكروبِ مُدلَهِمٍّ

وكاسِرَ الجهلِ قسرًا غيرَ مُنحَسِمِ

وافَتكَ نفسٌ تقاذفتِ الهوى زَلَلًا

تُجاري الغيَّ في إقدامِها العَرِمِ

جاءتْك لا تبتغي إلا عَواصِمَها

إلّا رِحابَكَ بينَ الخوفِ والرَّغَمِ

أقرّتِ الذنبَ إقرارَ الغريقِ إذا

ضاقَت به الأرضُ واشتدّت به الظُّلَمِ

خطاياها انبجسَت جهرًا ومُستَتِرًا

حتّى استحالَتْ قيودًا دونَ مُعتَصَمِ

من مَفرِقِ الرأسِ حتّى موطِئِ القَدَمِ

وِزرٌ تراكمَ إطباقًا على الوَسَمِ

جاءتْك وهي رهينُ القيدِ مُنكسِرٌ

يَغشى سريرتَها خوفٌ من العَدَمِ

يا غافِرَ الذنبِ، يا كهفَ الرجا إذا

انسدَّ بابُ النجاةِ آخرَ القِيَمِ

فاقبَل رجوعًا أتى من قاعِ مُنكسِرٍ

لم يُبقِ ذنبُهُ معنىً غيرَ مُنهَزِمِ

واغفِرْ إلهيَ ما قدّمتْ من زَلَلٍ

وما ادَّخرتْهُ خفاءً غيرَ مُنتَظِمِ

يا نفسُ لا تركني للدهرِ ألعَبُهُ

فالدهرُ أغلَبُ ممّا يُظهِرُ البَسَمِ

إنَّ الزمانَ وإن لانَتْ جوانِبُهُ

يُخفي المنيّةَ في طيّاتِه العُظُمِ

كم آمنٍ ضحكَتْ أيّامُهُ طَرَبًا

حتّى دهتهُ صُروفُ الغدرِ بالصَّدَمِ

لا تغترري بزخارفٍ مُموَّهَةٍ

فالسمُّ يسري بأثوابٍ من الدِّيمِ

ما المالُ إلا عاريةٌ مُستَرَدَّةٌ

وما المقامُ سوى ميعادِ مُنصرِمِ

سيري إلى الله زُلفى غيرَ مُتَّكِلٍ

فالركنُ ركنُهُ، لا ركنَ مُعتَصَمِ

إن لم يكن زادُكِ الإخلاصَ يحفَظُكِ

ضاعَ الطريقُ ولو وافاكِ بالحُطَمِ

تُلاطِفُ النفسَ حتّى إن أطعتِ هوا

أردتكِ في لججِ الآثامِ والظُّلَمِ

إن أُشبِعَتْ طمِعَتْ، وإن جُعْتِ قُدتِها

فالنفسُ تُقهرُ بالإمساكِ لا النِّعَمِ

حاسِبْ سريرتَك الكبرى فإنّ بها

ميزانَ عدلٍ أدقَّ من يدِ القَسَمِ

كم زلّةٍ صغُرَتْ في العينِ عظّمَها

يومُ الحسابِ، ويا خسرانَ مُغتَنِمِ

يا مُدبِّرَ الأمرِ في بَحرٍ وفي ظُلَمٍ

ومُبرِزَ اللطفِ في لُجٍّ وفي يَمَمِ

أنجَيتَ ذا النونِ إذ ناداكَ مُعتَرِفًا

وفُزتَ عيسى من البُهتانِ والتُّهَمِ

والقلبُ في ذِكرِ طه مُستَهامُ هوى

تهفو الجَوانِحُ شوقًا غيرَ مُحتَمِلِ

نحوَ المدينةِ إذ لاحَ الضياءُ بها

وهاجَ وجدُ المُحبِّ الصادقِ الغَرِمِ

نادَتْ أمُّ القُرى فاستيقظَتْ فِطَرٌ

من كلِّ أفقٍ، من العربِ ومن عَجَمِ

فيا ربِّ فاجعلْ لها في الركبِ موضعَها

إن خطَّ أهلُ الوفا دربًا إلى الحَرَمِ

واختمْ أعمارًا بصفحٍ لا نفادَ له

واجعلْ لقاكَ فوزًا آخرَ النِّعَمِ

واكتبْ بفيضِ الرضا ذِكرًا يُداوِلُهُ

مَن جاءَ بعدَ انقضاءِ الجِسمِ والوَسَمِ

ذِكرٌ إذا قيلَ: مَن هذي؟ أتى قَدَرٌ

قالتْ: مضتْ وابتغتْ رحماكَ في القِدَمِ


بقلم: هجيرة نسرين بن جدو .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...